خارج النص

محمود درويش.. كيف تحول من مدافع شرس عن القضية الفلسطينية إلى رجل سلام تنكر لقصائده القديمة؟

في أواخر الثمانينيات كان الشاعر الفلسطيني محمود درويش قد استقر في العاصمة الفرنسية باريس، في محاولة منه لبناء تجربة جديدة فرضها عليه الواقع الفلسطيني الجديد.

وتابعت حلقة "خارج النص" (2021/8/22) -محمود درويش الجزء الثاني- تفاعل درويش مع الحدث بقصيدة "عابرون في كلام عابر"، وهي تشبه مرحلته الأولى بكلمات لا تقل ضراوة عن حجارة المقاومة، وقد أزعجت القصيدة الاحتلال الإسرائيلي وسلطاته كثيرا لدرجة ترجمتها للعبرية وقراءتها في الكنيست.

فبعد الانتفاضة الفلسطينية الأولى عادت القضية لدى الشارع الفلسطيني والعربي إلى مربع المواجهة المباشرة مع الاحتلال.

يقول درويش في هذه القصيدة:
أيها المارُّون بين الكلمات العابرة

منكم السيف – ومنَّـا دمنا

منكم الفولاذ والنار- ومنَّـا لحمنا

منكم دبابة أخرى- ومنا حجرُ

منكم قنبلة الغاز- ومنا المطرُ

وعلينا ما عليكم من سماء وهواء

فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا

وأوضح أستاذ الأدب العربي الحديث جريس خوري أن إسرائيل تعمل على التنقيب في أشعار درويش على النزعات الغاضية كي تبيّن للعالم أن الفلسطينيين "شعب متوحش أو بربري"، وهو نوع من القراءة المزيفة لتراث درويش والفلسطينيين.

من جهته، قال الناقد والباحث في التاريخ الثقافي إبراهيم العريس إنه بالنسبة لدرويش تعد إسرائيل مذنبة دائما ولم يعد باستطاعتها استغلال مبرراتها، معتبرا أن وجودها نابع من قوتها الذاتية من جهة، وضعف العرب من جهة أخرى.

بدوره، ذهب الكاتب والشاعر الفلسطيني ياسر علي أحمد إلى أن إسرائيل تخاف من انطلاق الثقافة الفلسطينية إلى العالمية من خلال قصائد درويش باعتباره يتميز بقيمة رمزية في العالم نظرا للقيم التي تحملها شعائره.

أما المؤرخ والكاتب الفلسطيني أسامة الأشقر فاعتبر أنه على القدر الذي كان فيه درويش مزعجا للاحتلال في بداياته، فإنه في النهاية كان مرضيا لدى النخبة الإسرائيلية التي تعاملت معه بأنه رجل سلام يميل إلى الحق الفلسطيني ومنفتح أيضا على المصالح الإسرائيلية.

ومنذ بداية حقبة التسعينيات، كرّس درويش نفسه لشعره، وعمل على تطوير قصيدة بشكل مكثف، حيث بدأت أشعاره تختلف كثيرا عن البدايات، سواء من الناحية الفنية أو مستوى المضمون الذي غابت عنه اللغة الثورية بشكل كلي وغدت قصيدته أكثير تعقيدا وصعوبة في الفهم وتتحدث بشكل فلسفلي عن الإنسان والحب والسلام.

وبحسب كثير من النقاد، فإن نصوص درويش لم تخرج من نطاق السردية الفلسطينية، ولكنها أصبحت أكثر واقعية بشكل بعيد عن شعر المواجهة والمباشرة بالشكل القديم، في حين رأى آخرون أن درويش تنكّر لقصائده القديمة وحاول تجاوزها.