25:18

من برنامج: خارج النص

فصل الأخلاق عن الدين.. كيف ينزع عنها لباسها الروحي ويضعها في خانة "بؤس الدهرانية"؟

تأخذ الأخلاق حيزا واسعا من حقل الفلسفة، وقد اختلف المفكرون في تأصيلها وتحديد مصادرها وكذا تجلياتها في الممارسات اليومية، فإلى أي حد ترتبط الأخلاق بالدين وهل التفريق بينهما يبطل مقاصدهما؟

يبتدأ الكاتب طه عبد الرحمن مؤلَّفه "بؤس الدهرانية" بتعريف مصطلح الدهرانية، حيث يتضح أن الكاتب وجه ألسنة النقد تجاه الفلسفة الداعية لفصل الأخلاق عن الأديان، معتبرا أن تلك المحاولات من شقيقات العلمانية التي أفرزتها الفلسفة الحديثة، وجعلت من الأخلاق نسبية ترتبط بالزمان ومحدداته بعكس ما هي في الأديان التي تعاملت مع الأخلاق على أنها مفاهيم مطلقة.

وقال عبد الرحمن في كتابه: "ارتأينا أن نخص هذه الصورة البارزة من الدنيانية باسم متميز، ونقترح أن يكون هذا الاسم هو الدهرانية، إشعارا بأن فصل الأخلاق عن الدين ينزع عن الأخلاق لباسها الروحي ويكسوها لباسا زمنيا".

خلق تصور الكاتب -كما ورد في حلقة (2020/8/16) من برنامج "خارج النص" – مخالفين كثرا كان من أبرزهم العقلانيين، ولقد تجلى ذلك في قوله إن العقل ليس ذاتا مدركة، وإن الطريق الوحيد لضمان عدم انتكاسته هو ربطه بجوهر الممارسات الدينية.

وبهذا الصدد، قال محمد همام أستاذ العلوم القانونية والاقتصادية إن العقلانية التجريدية هي المنقطعة عن الغيب والوحي والأخلاق، فهي تقوم على أساس أن العقل جوهر يمكن من خلاله تجريد كل الظواهر الموجودة في العالم. وهذا ما يعترض عليه عبد الرحمن الذي يعتبر أن العقل ليس جوهرا في ذاته بل فعالية من الفعاليات التي يتميز بها الإنسان.

الباحثة في الفكر العربي الإسلامي نائلة أبي نادر، قالت إن الكاتب اختار لنفسه نهجا خاصا لنقد الحداثة والتقليد لدى المثقفين، مشيرة أنه يريد إدخال دور جديد للإسلام في الحداثة يمكن اختصاره بالحداثة الروحانية.

من جانبه، ذهب الكاتب المغربي بلال التليدي إلى أن الكتاب يتناول نوعا دقيقا جدا من حقل العلمانية، وهو فصل الأخلاق الدينية، ولكنه فضل استخدام مصلح "دهرانية" بدل "دنياوية"، مشيرا إلى أن عبد الرحمن أراد أن يبين مأزق هذه الجزئية من خلال أسسها الفلسفية وكذا مقاصدها وخصائصها.

في المقابل، اعتبر نبيل فازيو أستاذ الفلسفة في جامعة الحسن الثاني أن ما يحسب للكاتب هو غياب القدر الكافي من الإبداع في الثقافة العربية الإسلامية، ولكن ما يؤخذ عليه هو الانغلاق على الذات والنقد غير المبرر لمكتسبات الثقافة الحديثة، وكذا التوظيف لمكتسبات الفلسفة المعاصرة -في صيغتها ما بعد الحداثية- لتقويض مقتضيات العقل والعقلانية.

يذكر أن عبد الرحمن هو أحد أهم الفلاسفة العرب في العصر الحديث، حيث صنع من خلال مصطلحاته الخاصة وتاريخه كمتصوف فضلا عن أفكاره ذات الجذور الروحية الإسلامية، طريقا لم يسلكه أحد في التأصيل لفلسفة الأخلاق، وكان كتاب "بؤس الدهرانية" من أهم المؤلفات التي حملت سمات فلسفته حول الأخلاق وأصلها.



المزيد من حوارية
الأكثر قراءة