"لا نمارس النقد من أجل النقد، بل من أجل التحرر مما هو ميت أو متخشب في كياننا العقلي وإرثنا الثقافي".

حلقة (2019/2/3) من برنامج "خارج النص" ناقشت الأفكار التي طرحها محمد عابد الجابري في موسوعته "نقد العقل العربي" بأجزائها الأربعة: تكوين العقل العربي، بنية العقل العربي، العقل السياسي العربي، العقل الأخلاقي العربي.

كما رصدت الجدل الذي أثاره الجابري بسبب جراءة طرحه، واستعرضت النقد الذي لقيه كذلك، بالإضافة إلى آراء الكتاب والباحثين في أطروحته.

الرسالة والأسلوب
فيما يخص ما أراد الجابري إيصاله من موسوعته النقدية للفكر العربي، يعتقد أستاذ الفلسفة اليونانية والباحث في الفكر العربي أبو يعرب المرزوقي أن الجابري أراد نقل الفكر من التفتت إلى الوحدة بمرجعية جديدة.

ولم ينكر المرزوقي وقوع بعض الأخطاء في محاولة نقده للثقافة العربية، ولكنه برر ذلك بكونها أول محاولة للخروج من قالب التفكير النمطي للتراث العربي بجموده، واعتبر أن النقد الحاد لمساهماته هي التي أفسدت التراث.

وأشاد أستاذ الدراسات الإسلامية رضوان السيد بمشروع الجابري وقال إنه بذل جهدا هائلا من حيث العمل والبحث والمادة والبنية التي حاول أن يقيمها، ووصف موسوعته بأنها شاملة لكافة الجوانب الفكرية، مما يعزز من ثقل وأهمية تلك الإصدارات.

وأكد أن خلفيته الثورية وأفكاره التحررية من التراث العربي هي التي دفعت به للشروع في كتابة موسوعته "نقد العقل العربي".

أما من ناحية الأسلوب، فأشار الرئيس المؤسس لجامعة "الأميرة سمية" هشام غصيب إلى أن الجابري استخدم أسلوبا بوليسيا يحمل صيغ التساؤل والتحري، ويحاول التفاعل مع ما طرحه بالإجابة عليه أو النقاش حوله، مؤكدا أن ذلك الأسلوب سحر أجيالا من القراء العرب.

من جانبه، أشار رضوان السيد أن الجابري أراد الاقتراب من الجمهور لذلك استخدم أسلوبا خفيفا وقريبا من الناس.

فجوة بين التراث والحاضر
وبحسب ما جاء في موسوعته، رأى الجابري تباينا واضحا بين الموروث العربي التاريخي والحاضر المعاصر، واعتقد بوجود فجوة بينهما، وأن ردمها يأتي بتجاوز الكثير من الموروث، بالإضافة إلى التركيز على أدوات الآخر الغربي.

وتعليقا على هذه الخلاصة التي توصل إليها الجابري، قال الرئيس السابق للجمعية الفلسفية المغربية محمد سبيلا إن الجابري اعتبر نفسه قارئا حداثيا للتراث لا قارئا تراثيا له، موضحا أن الفرق يكمن في كيفية قراءة أي منهما للنص التراثي.

فالأول يستعرض النص بصورة شبه محايدة فيقيّمه ويحلله وينقده، بينما الثاني يقرأ التراث بتمجيد ويعلي منه ويفخر به دون أن ينقده.

هدم الثوابت
وفيما يتعلق بالنقد الموجه إلى الجابري بأنه يهدم المسلمات الدينية، نفى الباحث في التراث العربي حسن النجمي هذه الاتهامات، مشددا على أن الجابري لم يُخضع إيمان الأفراد بالله والملائكة والرسل وغير ذلك من المسلمات للتساؤل والشك.

ويوضح النجمي أن الجابري تحرى بحق عن أنواع التفكير العربي حول الإسلام على مدار القرون السابقة، مضيفا أنه أراد فهم البنيات العميقة للعقل العربي وكيف تعامل مع الإسلام في الدين والدنيا.

كما استبعد أن يكون الجابري استهدف بكتاباته إحداث قطيعة مع التراث، "بل أراد أن يتملك هذا التراث ويعيد تقديمه".

في المقابل، اعتقد الكاتب والباحث في الفكر العربي إبراهيم العجلوني أن الجابري نادى بالقطيعة المعرفية للتراث، بالإضافة إلى مناشدته التمسك بمعاني العرفان والتصوف المتطرف الذي ألغى المنطق، من وجهة نظره.