أحدثت مسرحية "فيلم أميركي طويل" لزياد الرحباني ضجة داخل لبنان، فقد تميزت بتجسيدها للواقع اللبناني بين عاميْ 1978 و1980، وهي فترة كانت البلاد تمر خلالها بحرب أهلية ضروس بما جلبته من انقسام وقصف في كل الاتجاهات.

حلقة (2019/1/20) من برنامج "خارج النص" ناقشت الأفكار التي طرحها زياد الرحباني في مسرحيته تلك، وأوضحت الظروف التي ولدت لديه تلك الأفكار، كما عرضت جانبا من مسيرة الرحباني في عالم المسرح.

صراع وصدمة
إذ عرضت مسرحية "فيلم أميركي طويل" الصراع النفسي السياسي الذي اجتاح الشعب اللبناني أثناء الحرب، وتمثل ذلك في أبطال المسرحية الذين هم مجانين في مصحة نفسية تسمى "العصفورية"، وهي صورة مصغرة عن مجتمع أصابه الجنون والضياع، وتعكس الواقع الفوضوي في لبنان آنذاك.

فقد وُلدت مسرحية "فيلم أميركي طويل" في خامس أعوام الحرب اللبنانية بمرحلة ضبابية تحولت فيها الصراعات بين الأعداء إلى مواجهات دموية ضمن المعسكر الواحد في الاتجاهين اليميني واليساري.

ويرى الكاتب والمسرحي عبيدو باشا أن مسرحية "فيلم أميركي طويل" أثارت قضية الصراع الإسلامي المسيحي في لبنان، وهي قضية لم تطرح بشكل علني قبل ذلك. أما الكاتب والصحفي يوسف بزي فقال إن المسرحية أثارت صدمة لدى المتلقي، ويرجع ذلك إلى أنها صورت الحرب باعتبارها حفلة جنون حقيقية.

وقد شغلت مسرحية "فيلم أميركي طويل" الوسط الثقافي العربي وأحدثت ضجة إعلامية بلبنان. وأوضح باشا أن ما عزز حضور إشكاليات المسرحية في الوسط الشعبي والسياسي والفكري هو الجو المحيط، وظروف الانقسام داخل أعضاء الحزب الواحد مما عمل كبيئة خصبة للتعبير الثقافي.

مسرح واقعي
ويرى الشاعر والناقد جوزيف عيساوي في مسرحية الرحباني انعكاسا لشرائح لبنان الاجتماعية، معتبرا أنها تندرج تحت المسرح الواقعي. وقال إن الرحباني تجنب إدانة طرف سياسي في مسرحيته.

وفي ظل الأجواء الضبابية التي أحاطت بمسرحية "فيلم أميركي طويل" التي تزامنت مع أعوام الحرب والانقسام داخل الجبهات المتصارعة نفسها؛ يرى الصحفي طانيوس دعيبس أن "العصفورة" (اسم مكان الأحداث بالمسرحية) تمثل لبنان آنذاك، وأن التساؤلات الدائرة بين مرضى المصحة النفسية هي ذاتها التي كانت تُطرح بين أوساط الشعب اللبناني.

وبخصوص نهاية المسرحية المفتوحة؛ فقد عرضت الحلقة جزءا من حوار تلفزيوني قديم لزياد الرحباني بعد إنهاء عرض المسرحية، يقول فيه إن النهاية المفتوحة للمسرحية تهدف لإثارة التساؤلات لدى المتلقي بشأن طبيعة تلك النهاية المفاجئة، وعلاقتها بالبداية غير الواضحة كذلك.

لماذا "فيلم أميركي طويل"؟
ورجح إيلي خوري أن اختيار اسم المسرحية "فيلم أميركي طويل" جاء لسببين، أولهما أنه يرجع لأفكار مخزنة في العقل الباطن لدى جيل كامل زامن صاحبها الرحباني، حيث كانت تجتمع الأسرة لمشاهدة فيلم عربي طويل وفيلم أميركي طويل في نهاية اليوم.

وثانيهما هو نظرة الرحباني السياسية الشيوعية العميقة التي تعتبر الولايات المتحدة أو دول الغرب سبب كل فساد وظلم وضياع يحدث في العالم العربي.

وفي ذات الصدد؛ يقول عيساوي إن الرحباني عمل على توجيه الجمهور باختياره لذلك العنوان، الذي يبرز بشكل واضح ومباشر وجهة نظره بوجود مؤامرة أميركية ضد العرب، وأشار عيساوي إلى تجنب الرحباني تكرار ذلك وبالتحديد خلال الحوار الذي يدور بين الأبطال.

لغة جديدة
تميز نص مسرحية "فيلم أميركي طويل" بمفرداته الجديدة واستعاراته التي تحمل معاني مختلفة، إذ يعتقد دعيبس أن الرحباني خلق لغة جديدة لشباب جيله بسبب تلك المسرحية، وهذه اللغة ما زالت تستخدم حتى اليوم.

لم تكن مسرحية "فيلم أميركي طويل" هي عمل زياد الرحباني المسرحي الوحيد، بل سبقتها ولحقتها عدة مسرحيات منها: "بخصوص الكرامة والشعب العنيد" و"بالنسبة لبكرا شو" و"شي فاشل".

وقد ارتبط صوت زياد الرحباني بذاكرة الشعب اللبناني، لكونه قدم مسرحياته في البداية عبر الإذاعات قبل أن يحولها إلى العالم المرئي.