أثارت أطروحة الدكتوراه التي أعدها الشاعر السوري علي أحمد سعيد المعروف بـ"أدونيس"، وتحولت إلى كتاب مشهور فيما بعد تحت عنوان "الثابت والمتحول"؛ جدلا كبيرا وقت صدورها عام 1973 لما حمله الكتاب من أفكار جديدة في ذلك الوقت، اعتُبر بسببها من أهم أعماله الفكرية.

يحاول أدونيس عرض أساس المشكلة التي عرضها في كتابه من زاوية العلاقة بين الثابت والمتحول، فهو يرى أنه عندما يحاول العرب في القرن العشرين دراسة التراث الماضي فإن الجاذب لهم يجب أن يكون النتاج المرتبط بمنحنى التحول، وهو الذي رفضه أسلافنا في الماضي ولا يزال خارج بيئة المجتمع العربي الأساسية.

ناقش برنامج "خارج النص" في حلقته (2019/01/13) أفكار أدونيس ورؤيته الفكرية للعلاقة بين الإنسان العربي اليوم وتراثه الديني والثقافي، وبحثه بنظرة نقدية أوجه التقليد والتجديد الإبداعي والابتداعي في التراث العربي الشعري والديني.

أفكار جديدة
فمن أفكاره المؤسسة لرؤية أدونيس الفكرية قوله إنه ما دام الفكر الديني هو المهيمن فيستحيل أن يكون هناك أي تقدم وسنبقى ندور في حلقة مفرغة، الشيء الأساسي والضروري هو أن يقرأ المسلمون اليوم دينهم وتاريخهم قراءة جديدة، بحيث يتم الفصل الكامل بين ما هو ديني وما هو ثقافي وسياسي واجتماعي، فيكون الديني تجربة فردية لا تلزم إلا صاحبها ونحترمها. وإذا لم نصل إلى خلق مثل هذا المجتمع المدني فلا يمكن أن نتقدم أبدا.

يرى الكاتب والصحفي صقر أبو فخر أن الفكر العربي -بمختلف اتجاهاته الفكرية- تصدى للهزيمة التي تعرض لها العرب في النكسة عام 1967، وأصبح الجميع يدعو لإعادة النظر في كل أمور الحياة المختلفة في تلك الفترة، بما في ذلك الشعر والدين والأدب، وكان الشباب الثائر يدافع عن الحرية ويرد بشكل مستمر على الهزيمة.

ويعتبر أستاذ الدراسات الإسلامية المعاصرة عبد الرحمن الحاج أنه بعد النكسة سادت نزعة ثقافية لتفسير الأحداث تعمل على البحث عن أصل المشكلة، وتفسر النكسة من خلال الثقافة العربية، حيث كان الجميع يرى أن أسباب النكسة لها علاقة بالجانب الديني.

ويقول أستاذ الأدب العربي بجامعة غازي محمد حقي صوتشين إن ما يجعل عمل أدونيس عملا إبداعيا جديدا وغير مألوف في تاريخ الأدب العربي هو أنه نظر إلى كمية كبيرة من المصادر الأولية في الثقافة والأدب العربي، وكأنه ينظر إليها نظرة جديدة ويدرسها دراسة جديدة بشكل منفصل عن الباحثين والكاتبين الآخرين.

نقد أساسي
يقول أدونيس إن الإنتاج العربي المعرفي توقف منذ سقوط بغداد عام 1258م، الأمر الذي جعله يعود لقراءة الموروث المعرفي لأنه حسب اعتقاده لا يمكن إنتاج معرفة دون العودة للموروث القديم بعين نقدية. ويصف الثابت بالمسلمات أما المتحول فهو جميع الأفكار والحركات التي حاولت أن تغير هذا الثابت.

ويعتبر أبو فخر أن الكتاب بحث في الإبداع والابتداع؛ فمثلا الإسلام هو تحول لما قبل الإسلام، وعندما أصبح الإسلام سلطة صار ثابتا، أما التحولات فهي ما نشأ لاحقا من انقسامات وصراعات جديدة. ويقول إن أدونيس منحاز للعقل والعقلانية في التفكير وغير منحاز للدين.

أما الحاج فيرى أن أدونيس يواجه مشكلة واضحة في تعامله مع التراث لأنه قرأ كمية كبيرة ولم يستوعبها ولذلك حمّل التراث دلالات لا يحتملها، كما أنه يواجه مشكلة في طرحه تتمثل في أنه لم يعرف الدين الذي ينتقده في الكتاب، والتصور الذي يقدمه عن الدين هو تصوره الخاص.

وأضاف الحاج أن أدونيس يعتقد أن الفكر الإسلامي السائد يرى أن النص مرجع للعقل ولا يمكنه أن يفكر خارج النص، وهذا يعني أن العقل محدود في مقدرته على الإبداع والعلم، ولكن الوقائع التاريخية تكذب ذلك بدلالة إبداع الإنسان المسلم.