أمضى المخرج اللبناني ديغول عيد أعواما وهو يفكر في فيلم يروي فيه حكايته، حكاية الطفل الذي نجا ورأى بعينه اقتحام مسلحي إحدى مليشيات الحرب الأهلية اللبنانية بيته ليقتلوا 13 فردا من أسرته وأقربائه.

برنامج "خارج النص" في حلقة (2017/2/3) عاد مع المخرج وضيوف الحلقة إلى العام 2010 الذي شهد تحضيرات العرض الأول للفيلم في مهرجان بيروت الدولي للسينما ولكنه ووجه بالمنع.

لماذا المنع؟ لأنه لا يحق لديغول أن يروي حكايته بدعوى أنها ومثيلاتها من حكايات الحرب قد تستثير الثأر وتفتح صفحات طويت.

لكن وجهة نظر المخرج أنه يواجه بالكاميرا قاتل أهله لا ليثأر منه وإنما ليمارس حقه في إطلاق السؤال مثلما مارس القاتل "حقه" في إطلاق الرصاص، ويضيف "لا أعمل فيلما كي أقول إنني أنا الضحية وغيري هو القاتل، ولكن حتى لا نعود ثانية إلى الحرب".

المجزرة
تعود الحكاية إلى عام 1980 وكان عمر ديغول وقتذاك عشر سنوات. بعد اغتيال مسؤول مليشياوي في العاصمة بيروت هرع المسلحون بقرية عبدل الصغيرة الواقعة في عكار شمال لبنان لينتقموا -كما هو ديدن الحرب الأهلية- من المدنيين، الوقود الأسهل في حروب المليشيات.

الطفل شاهد بعينه القتلة وهم يجهزون على أبيه وأمه وشقيقته و11 شخصا من أقاربه، بينما اختبأ هو وشقيقتان مصابتان في المرحاض الذي غرق في الدماء، وما أنجاهم هو أن ثلاثتهم مثّلوا دور الأموات فتركهم القتلة ولم يجهزوا عليهم. عقب ذلك غادر الثلاثة إلى بيروت ولم يعودوا إلى القرية.

من بعيد يجري الحديث عن الحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب الكتائب اللذين يقتسمان النفوذ في تلك القرية، غير أنه لا أحد يريد توجيه إصبع مباشر إلى فريق تسبب في سفك الدم، هذا الفريق الذي يشكل بنية الحرب الأهلية ككل بما فيها من عشائر وطوائف ومليشيات.

شو صار؟
من هنا نشأت مشكلة الفيلم الذي شرع المخرج في تنفيذه عام 2008 وانتهى منه عام 2010، ليستعد لعرضه في المهرجانات لكنه ووجه بالمنع، فالسؤال "شو صار؟".. ماذا صار؟ هو السؤال الممنوع.

بعد عشرين عاما رحل فيها إلى فرنسا حيث أكمل دراسة السينما، عاد المخرج إلى قريته حاملا الكاميرا وواقفا أمام القاتل، ابن قريته أيضا، ليسأله ديغول: هل تعرفني؟ فيرد الرجل: لا، فيفاجئه ديغول بأنه ابن المرأة التي قتلها.

هذا المشهد كان العقدة التي أدت إلى منع الفيلم. من الجانب الرسمي، يوضح النقيب داني أبو جودة من شعبة السينما في دائرة المرئي والمسموع بالأمن العام ملابسات المنع، فقال إن اللجنة التي أحيل إليها الفيلم أعطته ترخيصا بالعرض.

ويمضي قائلا إن الرجل الذي فوجئ بالمخرج شعر بالصدمة لدقائق وتلبسه شعور بالذنب، لكنه اختار في النهاية التقدم أمام قاضي الأمور المستعجلة بدعوى أن الفيلم سيؤثر على حياته، فصدر قرار المحكمة بحذف المشهد.

آلاف الحكايات
بدوره يقول المحامي مروان معلوف إن الفيلم ذاكرة فرد من الحرب الأهلية، وديغول لم يتصالح معها، فقرر فتح هذه الصفحة من كتاب الحرب الأهلية الذي يمكن أن نضيف إليه قصص 200 ألف ضحية.

بيار أبي صعب نائب رئيس تحرير جريدة "الأخبار" يقول إن ديغول عاد من الموت ليقول ما لديه. أما غسل الثأر فإنما يكون برواية الجريمة حتى يستطيع الجميع الخروج من الجرح.

مديرة مهرجان بيروت الدولي للسينما كوليت خوري رأت أن ديغول استطاع معالجة نفسه عبر الرجوع مرة أخرى إلى الماضي ومواجهته، بينما رأى أبي صعب أن العمل الفني والأدبي -وإن منح الفرصة لعلاج نفسي للشخص- حين يخرج إلى العالم يصبح معبرا عن الجميع.

مسخنا جميعا
ويواصل أبي مصعب القول إن كافكا كتب رواية "المسخ" التي حين نقرؤها يرى كل واحد نفسه في هذه الرواية، وبهذا المعنى فإن المسخ الذي رآه ديغول أصبح مسخنا جميعا فكلنا في الحرب الأهلية ذابح ومذبوح.

الناقد السينمائي نديم جرجورة يقول إن ديغول عيد عاد إلى رحلة التطهر والاغتسال، وإن أهمية الفيلم تكمن في أن هناك حكايات فردية في لبنان لا أحد يريد التطرق إليها.

وتساءل جرجورة "ماذا يعني قانون العفو العام" بعد انتهاء الحرب الأهلية؟ مشيرا إلى أن مئات الآلاف من الضحايا ليسوا نتيجة مؤامرة خارجية، بل هم أبناء بلد واحد ذبحوا بعضهم بعضا.

في العام 2010 وفي الدورة الحادية عشرة لمهرجان بيروت للسينما، تقرر عدم عرض الفيلم للجمهور بحسب التعليمات التي أصدرتها السلطات. غير أن الفيلم أدرج ضمن المسابقة الرسمية وفاز "شو صار؟" بجائزة لجنة التحكيم.