الخليج.. تأرجح بين بوادر التصعيد والتهدئة

23/07/2019
كأن قدر الخليج يكون إما مسرحا لحرب أو ساحة لتحشيد عسكري لحرب وإن لم تنشب لكنها تضع المنطقة في قلق اللاسلم واللاحرب هذه مشاهد الأمس من حرب التسعينيات التي هدفت إلى استرجاع الكويت بعد غزو العراق تلتها بعد اثني عشر عاما حرب غزو العراق نفسه وها هي الأساطيل والقطع الحربية الأميركية تملأ أفق الخليج عنوان مواجهة هذه المرة هو الولايات المتحدة وإيران ذلك عنوانها الكبير لكن ثمة عناوين أخرى هي محصلة تقاطع أجندات وتحالفات وصراع نفوذ على المياه والأرض بين ضفتي الخليج ما جرى في مياه الخليج خلال الشهرين الماضيين من استهداف للسفن التجارية قريبا من ميناء الفجيرة الإماراتي وما وقع بعده من هجوم على سفن تجارية في بحر عمان كان انعكاسا لتوتر سرعان ما تزايدت خطورته ووتيرته تقوم بريطانيا باحتجاز ناقلة نفط إيرانية عند مضيق جبل طارق يمضي أسبوعان على احتجازها فيقرر الإيرانيون أن يفعلوا الفعل ذاته مستغنين عن المناشدات لأن القوة في تصورهم بعض قوانين لعبة الصراع الدولي سفينة بسفينة الأميركيون لا ينسون إسقاط طائرة بدون طيار فيخرج الرئيس الأميركي دونالد ترمب بما يشبه رد الاعتبار العسكري لبلاده ليقول إن بحريته في الخليج أسقطت طائرة للإيرانيين بدون طيار كذلك أمر نفاه الإيرانيون فتركوا لترامب حظ الزعم من التصديق أو التكذيب يكتسي الصراع بين أميركا وإيران بعدا يتعلق بتصور الذات لما هو مجد وكرامة فأميركا الوعي بذاتها قوة لا تقهر تجد نفسها في مواجهة إيران المستشعرة حيازتها قوة وإن لم تقهر خصمها فهي تخيفه فضلا عن وعي بتجذر تاريخي حضاري تبدو معه أميركا كأنها برزت إلى الوجود اليوم من وراء أميركا تقف دول الخليج في الضفة الأخرى ليست جميعها على درجة واحدة من الخلاف مع إيران لكنها تشكل نقيضا سياسيا وفكريا لم يمنع وجود علاقات مستقرة مع سلطنة عمان والكويت وقطر لقد فشلت ضفة الخليج في النزول على ضرورات الجغرافيا السياسية مما وصف العلاقة بين إيران ومعظم دول الخليج بالعدائية وهو عداء تستقوي فيه دول الخليج بالغرب لاسيما الولايات المتحدة وقد أورثت حالات الاستقواء بالقوة الأميركية دول الخليج نزيفا لا ينقطع لمواردها المالية الذاهب أكثرها لشراء الأسلحة في الحالة السعودية تجاوز الأمر شراء الأسلحة إلى الموافقة على نشر قوات أميركية على الأراضي السعودية مجددا لتعزيز الوضع الأمني وهذه انتكاسة أخرى في مبدأ الأمن مستغني عن الحماية الأجنبية وهو تطور وثيق الصلة بدورات الحرب والتحشيد العسكري في منطقة الخليج ويبدو أن المنطقة مقبلة على حضور عسكري غربي كثيف من جراء التوتر الذي يخيم عليها فقد دعت كل من بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا إلى تكوين قوة دولية تشارك فيها دول العالم لضمان سلامة الملاحة البحرية وهو أمر تعارضه إيران بشدة لأنها وفق تصريحات مسؤوليها هي التي ظلت مسؤولة عن أمن الملاحة في مضيق هرمز أما الدول العربية الخليجية فهي على نحو ما في وضع لا يمكنها من وضع سياسة تعبر عن مصالحها مجتمعة في هذه اللحظة المشحونة بالخيارات الصعبة بعد أن انقلب على تعاونها الإثم والعدوان وبعد أن استغرق بعضها في أحلام إمبراطورية بالسيطرة على البلدان من ليبيا إلى مصر إلى السودان إلى اليمن غافلة عن المعادلة الأمنية القلقة لوجودها هي نفسها وبهذا المعنى فإن عسكرة الخليج إن حدثت ستكون المحصلة العملية للعجز عن صناعة التاريخ بسبب العجز عن قراءته رغم إقراره المؤمن حربا بعد حرب وتحشيد بعد تحشيد