السودان.. تحذيرات متصاعدة من ضم البلاد لمحور الثورة المضادة

22/04/2019
يستعيض التقرير التلفزيوني بصور الأرشيف حين لا تتوافر صور الراهن وفي الراهن السوداني ثورة شعبية عارمة تغني شاشات الإعلام على اختلاف أنواعها ببعض من أكثر مشاهد الربيع العربي إنعاشا لأمان الحرية كما إن فيه مجلسا عسكريا مؤقتا تولى السلطة بعد إطاحة الرئيس عمر البشير وهو لا يحجب نفسه عن عدسات الصحافة ولا يخفي وجهه رئيسه وأعضائه لكن هناك في وسط كل هذا الذي يجري أحداثا أخرى ذات بعد إقليمي يمنع وتصويرها ولا خيار أمام من يود معالجتها تلفزيونيا سوى أن يستخدم ما يشبهها أو ما يوضح معناها في مخزون المكتبات من صور الماضي القريب المقصود هنا على نحو خاص وصول وفود إماراتية وسعودية مشتركة إلى السودان حاملة تأييد حكام بلديهما للتغيير وإذ يبدو من غير المفهوم لماذا اختار الزائرون إخفاء شخوصهم عن الكاميرات فإن العودة إلى الأرشيف لن تحقق غرضها الاستعاضة الصورية التي يحتاجها التقرير التلفزيوني فحسب بل ستقدم أجوبة مدهشة أيضا عما يمكن وصفه هذه مثلا صور من الأرشيف للرئيس المعزول عمر البشير يزور دولة الإمارات فيقلده ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد وسام رئيسها الراحل الشيخ زايد بن سلطان هيان ولا يترك كلمة شكر من دون أن يقولها فيه لأنه قرر دعم التحالف العربي في الحرب على اليمن وأرسل آلاف الجنود السودانيين إلى خنادق الخط الأمامي حيث الظروف الصعبة كما قال حرفيا الريال هذا نحن طلبنا هذا يفازع مثلما نقول في الإمارات ونقول شكرا ونحن هذا الموقف بنخلف على عيالنا وإعياء العيانة وأمانة رقابنا في تلك الأيام حين قال البشير يفازع وفق تعبير الشيخ بن زايد لم تكن السعودية أقل من الإمارات حفاوة به وبنفعل استقبله عاهلها الملك سلمان بن عبد العزيز على أرض المطار خلافا لما يفعل في المعتاد على ما تقول صور من الأرشيف كذلك وهناك تلقى وعودا بالمن والسلوى ثمنا لذلك جنوده المسفوح في اليمن كان الرجل بياع وكانوا شرائين غير أنهم ناضلوا في الدفع حتى فرغت خزائنه وجاءت قطاعات واسعة من شعبه للخبز فوق جوعها للحرية في عهده بينما كانوا يدفعون بسخاء ملياري لنظيره المصري عبد الفتاح السيسي الذي شبه أموالهم بالأرز لكثرتها من دون أن يلتزم وعودا سابقة بأن يقطع جيشه مسافة السكة سريعا إن احتاجوا مساعدته في مقابل ذلك كله هو بدلا من أن يعود البشير ليحاول معالجة أسباب الثورة التي كانت تعتمل في أوساط الشعب السوداني ضد فساد نظامه اختار الذهاب أبعد فأبعد في الارتهان لسياسات حليفيه الإماراتي والسعودي فوصل الإصرار على الزج بجيش بلاده حطبا لنار الحرب في اليمن حتى بعدما اتضح حجم الكارثة التي ألحقتها بالشعب الشقيق وتتماهى معهم في معظم ما يريدون فقطع علاقته مع إيران بضغط منهم ثم ارتضى لاحقا وبالتحديد بعد اندلاع الاحتجاجات الشعبية في بلاده أن ينوب عنهم وعن سواهم من أعداء الثورات في اختبار الطريق المليئة بالألغام نحو دمشق ويسجل اسمه أول رئيس عربي يلتقي نظيره السوري بشار الأسد تمهيدا لإعادة تعويم هذا الأخير بعد كل الفظائع التي ارتكبها بحق شعبه فرط البشير إذا بمصالح السودان ليرضيهم ويكافئونها فما حصل منهم على دفعه نحو السقوط في الهاوية التي بات فيها لم يستفد من تجربة حليفهم الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي الذي منعوه من دخول عاصمة بلاده المؤقتة عدن أو من تجربة حليفهم الآخر رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري الذي تعرض للاحتجاز المهم لقد احتضنوه ثم طعنوه وذاك على ما بينت التطورات الأخيرة ما كان سوى الفصل الأول من قصة الغدر أما الفصل الثاني والأخطر فيتكشف هذه الأيام تباعا رغم منع تصوير الوفود المتدفقة من أبو ظبي والرياض على الخرطوم ذلك أن التسريبات المؤكدة عن هويات المشاركين بالزيارات المحملة بوعود القمح والوقود في مقابل وعود أحلام الكرامة والحرية تقول إن من يتقدمها يرأسها طه عثمان حسين مدير مكتب البشير سابقا وهو رجل أقيل من منصبه منتصف عام لأسباب غامضة ثم غادر وطنه وتبنته السعودية ليستأنف من قصور الحكم فيها مهمات كانت غامضة أيضا ولعلها لم تعد كذلك بعدما ألحقت لقاءاته مع قادة المجلس العسكري المؤقت بتبرعات مليارية من أولئك الحكام الذين نذروا ثروات النفط في بلادهم خلال السنوات الماضية على الأقل لسحق ثورات الشعوب في بلاد الآخرين