السودان.. إصرار الشعب وخيارات العسكر

15/04/2019
يخوض الشعب السوداني ملحمة مسيرته من أجل استعادة الحكم المدني في البلاد وقد أصبح أكثر وثوقا في قدرة شارعه على تشكيل وقائع الحياة الجديدة فقد أدت ثورته إلى إنهاء الحكم العسكري الذي تربع على قمته الرئيس المعزول عمر البشير فلما خلفه عوض ابن عوف بديلا ضغط الشارع ودفعه إلى الاستقالة عن رئاسة المجلس العسكري ليخلفه الفريق عبد الفتاح البرهان قال في خطابه إلى الناس أنه اقتنع النظام ثم لم يلبث يومين حتى طلب إليه أن يقتلع نفسه بنفسه أما الفريق البرهان فقد قال في بيانه إنه سيعمل على إعادة هيكلة الدولة ومراجعة مؤسساتها وتعهد بصيانة حقوق الإنسان والحريات العامة ومحاربة الفساد والمفسدين كذلك بتسليم المجلس العسكري السلطة إلى حكومة مدنية بعد عامين أو قبلهما غير أن البيان وما تلاه من إجراءات أحدث غموضا حول مصير البشير وأركان نظامه من السياسيين الذين سكتت بيانات المجلس العسكري عما تم بشأنهم وعما إذا كانت قد وجهت إليهم أصلا اتهامات كذلك وجدت القوى الثورية بطئا في تنفيذ مطلب إسقاط النظام وهو ما روج لشعار جديد فحواه أنها لم تسقط بعد ومع أن فكرة السقوط الكل دفعة واحدة بل تبدو غير ممكنة فضلا عن أنها قد تكون مضرة بجهاز الدولة فإن المواجهة اليوم بين المجلس العسكري وبين قوى الثورة لم تعد حول الإجراءات سرعتها أو يضعها بل حول ما يراه الشارع بوصاية من المجلس العسكري على خيارات الشعب ولذلك جاءت مطالبة قوى الحرية والتغيير المنضوية تحت إعلانها قوى سياسية عديدة جاءت مطالبتها بتسليم السلطة إلى حكومة مدنية على الفور وهي المطالب التي عبرت عنها القوى السياسية الذين التقوا بممثلي المجلس العسكري لقاء أصدروا بيانا أكدوا فيه على عشرة بنود تطالب بتصفية النظام السابق مؤسساته وتسليم السلطة دون تراخ إلى حكومة مدنية وكانت الريبة والخشية قد وقعت في نفوس أعداد كبيرة من قوى الحراك الثوري كما تشير إلى ذلك مواقع التواصل الاجتماعي بعيد طلب الفريق عمر زين العابدين من القوى السياسية التشاور وموافاة المجلس العسكري بحكومتها المدنية مستثنيا منها وزارتي الدفاع والداخلية خشية القوى الثورية من أن تكون الدعوة وصفة لصراع بين القوى المدنية بحيث يوفر للمجلس العسكري ذرائع سياسية وربما أخلاقية لإدارة شؤون البلاد لأمد قد يطول والتجربة السودانية مع العسكر فضلا عن التجارب الأخرى في العالم لا توفر دليلا على سداد فكرة الركون إليهم كجماعة شاغلها الديمقراطية وهذا بعض من حجاج الشارع بضرورة التوقيع من الوقوع في فخ المكاسب السياسية العاجلة لهذا الحزب أو ذاك ولهذه القوى الثورية أو تلك وهناك خشية أخرى تستشعرها القوى الثورية وهي متأتية من السؤال الجوهري في الإقليم يريد نجاح التجربة الديمقراطية في السودان وهل دعم الثورة الشعبية السودانية مطلوب منه حقا نجاحها بتشكل إلهاما لشعوب المنطقة يجمل في عيونها فكرة الثورة أم أن الثورة يريدون فشلها بحيث تصلح نموذجا آخر في بيان أن ثورات الشعوب لا تورث إلا المداهمات وهنا ستوفر الثورة المضادة للديمقراطية دليلا من الرعب والفوضى في سوريا وليبيا وستقدم برهانا على أهمية تدخل الجيش لوقف الفوضى الديمقراطية على نحو ما تم في مصر على يد الفريق عبد الفتاح السيسي هذه المحاذير ما اتصل منها بالعلاقة مع المجلس العسكري أو الداعمين الخارجيين بالتغيير في السودان تزيد من صعوبة حراسة القوى الثورية لمشروع الدولة المدنية الديمقراطية فالثائرون ما ثاروا من أجل الخبز والدواء والوقود ولكنهم ثاروا من أجل الحرية والعدالة والديمقراطية وهذا خبز آخر كم تتشح شعوب متخمة ثم لا تجد صورته إلا على شاشات التلفزة مظاهرات تطلب الحياة العزيزة آخر الداخلين في شأن جدل العلاقة بين المدنيين صانع الثورة وبين المجلس العسكري هو مطالبة مجلس السلم والأمن في الاتحاد الأفريقي المجلس العسكري في السودان بتسليم السلطة إلى المدنيين خلال مدة لا تزيد على خمسة عشر يوما والمفارقة أن مجلس السلم والأمن هو أحد أجهزة الاتحاد الإفريقي الاتحاد الذي يترأسه اليوم الجنرال عبد الفتاح السيسي رئيسا لمصر الذي وصل إلى الحكم عبر انقلاب قبل أن يعاد تأهيله رئيسا مدنيا يفتي اتحاد في فضائل الديمقراطية ودم الحكم العسكري والراجح أن تدخلات الخارج أيا كانت أفريقية أو أوروبية أو أميركية فإن الكلمة الأخيرة ستبقى للقوى الثورية السودانية استعصمت بشعاراتها فالشارع يرى نفسه في غياب الدستور والدستور مثال الدولة السودانية المرتجاة