مسار الثورة اليمنية وأبرز محاولات الالتفاف عليها

10/02/2019
قبل سنوات طويلة من حلول أجله برصاص الحوثيين خصومه القدامى الذين انتقلوا إلى التحالف معهم وتخلصوا منه ردا على ما قيل عن معاودته الغدر بهم كان الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح قد حذر ثورة في أحد أيام ذروتها عام 2011 من أن اليمن سيعود خمسين عاما إلى الوراء إن لم يعودوا إلى بيت الطاعة وبصرف النظر عما إذا كان الرجل قد أطلق تلك التهديدات على عواهنها أو أنه كان يرى الأخطار الإقليمية التي ترتسم في أفق اليمن فإن طوفان السخرية مما قال غاض سريعا مثلما غاب مواطنيه عموما ولا يزال منذ تلك اللحظة وحتى اليوم في أودية بلادهم وجبالها وسهولها قال الساخرون آنذاك إن صالح يتحدث كما لو أن اليمن قد بات بعد ثلاثة عقود ينافس هونغ كونغ ولم يتوانى الثوار عن استئناف الهتاف برحيل الرجل جرائم ألحقت فساده بالبلاد من فقر وخراب لكن السنوات الثمان التي أعقبت اندلاع ثورة الشباب اليمني شهدت من الأحداث التاريخية الجسام ما يدفع إلى الاعتقاد بأن هناك من سعى إلى إعادة اليمن فعلا مئات الأعوام إلى الوراء حتى لا يمتد إشعاع الحرية إلى جواره الخليجي على الأقل بل لجعله أمثلة أخرى مع الامثلتين السورية والليبية أمام كل من تسول له نفسه تمرد على نظام حكمه بدأت عملية الالتفاف على الثورة في ساحات التغيير بالمبادرة الخليجية التي منحت الثوار نصف انتصار وألحقت بصالح نصف هزيمة عبر تخليه عن الحكم مع منحه حصانة من الملاحقة على جرائمه وإحلال نائبه عبد ربه منصور هادي في محله رئيسا توافقيا ذا شخصية تتسم بضعف يضمن استمرار الارتهان للجارة الكبرى السعودية بسياستها التي يعتقد يمنيون كثر بأنها ظلت تاريخيا تستهدف منع بلادهم من تحقيق أي تطور ولم يطل الوقت من بعد كثيرا حتى دفعت بلاد الثورة السلمية إلى هوية الحرب المدمرة انقلب الحوثيون على هادي وأطاحوا به ففر إلى عدن ثم الرياض بينما عاد صالح إلى التحالف معهم وسط قناعة واسعة في الأوساط السياسية العربية بأنهم يحظون بدعم إيران التي قيل إنها عرفت كيف تستخدمهم لتحظى بموطئ قدم أو بمرض مدفع في شبه الجزيرة العربية على غرار ما فعلت في سوريا والعراق ولبنان كان الزحف الحوثي الذي استطاع السيطرة على معظم أنحاء اليمن في وقت قياسي مبررا كافيا للرد بحرب رفع مشعلوها شعار إعادة الشرعية وقادتها السعودية تحت اسم عاصفة الحزم ثم ما لبثت أن نتحدث عمليا إلى إغراق البلاد فيما تصفه الأمم المتحدة بأسوأ كارثة إنسانية في العالم وإذا فشلت الحرب البالغة أربع سنين في أن تحقق هدفها المعلن فإن نجاحها بتحرير بعض مناطق اليمن من السيطرة الحوثية لاسيما في الجنوب لم يقل أهدافها الأخرى طي الكتمان وسرعان ما كشفت التطورات المروعة هناك عن سلوك استعماري تحركه أوهام القوة لدى دولة الإمارات حليف السعودية الأبرز ويتخذ شكل السيطرة على الموانئ أساسا بما يستدعيه من تأسيس ودعم وتمويل المليشيات الموالية لها في مقابل خطف واعتقال وقتل كل من يقولون وفق ما تكشف تقارير موثقة لأهم المنظمات الدولية أما في الشمال فتفاقمت الأزمة الإنسانية مدخلة اليمن في مجاعة تطاول نحو ثلثي شعبه وعادت الأوبئة التي كان يسود الظن أنها انقرضت أو تكاد لتفكيك بملايين اليمنيين ناهيك عن تشريد ملايين آخرين من مناطق القتال ومقتل ألوف لقصف طائرات التحالف السعودي الإماراتي عمدا أو خطأ هكذا تحولت الحرب إلى سؤال اتهامي دولي مشرع علنا في وجه السعودية بينما هي تكمم أفواه مواطنيها مانعة طرح سؤال آخر عن فشلها حتى في حماية مدنها من صواريخ الحوثيين وطائراتهم المسيرة أما السؤال اليمنيين عن مصير ثورتهم وما رفعت من شعارات الحرية والعدل والكرامة الإنسانية فسيظل ماثلا في قصة كل طفل يموت جوعا أو امرأة تقضي بالقصف الجوي أو شاب يلفظ أنفاسه تحت التعذيب في زنازين النسخة الكاريكاتيرية العربية المستحدثة من الاستعمار القديم بعد مرور سبعة عقود على أصوله