الغباء أم الاستهتار وراء فضح مرتكبي جريمة خاشقجي؟

18/10/2018
كان اللقاء امتحانا عسيرا لولي العهد السعودي يلتقي مديرا سابقا للسي آي إيه يشغل حاليا منصب وزير الخارجية فيبدو كمن بوغت الضيف الذي وصل على عجل وما يعرف كل شيء سيغتصب المضيف الابتسامات ليبدو وطبيعيا وعندما تقترب الكاميرات منه تظهره وهو يخفض البصر كمن يدفع عنه حرجا إنه الآن مالئ الدنيا وشاغل الناس من الولايات المتحدة إلى أنقرة يتهم ضمنا بالتورط في أكثر عمليات الاغتيال فشلا في العالم والأسوأ للقائمين عليها أن وقائع كشفها تبث ساعة بساعة أما الأكثر سوءا فهو أن فريق الاغتيال الذي قام بتصفية الصحفي السعودي البارز لم يترك خطا إلا ارتكبه فحيثما كان يتحرك كان يترك خلفه الأدلة في القنصلية ومطار إسطنبول ومنزل القنصل وشوارع المدينة وفيما يخص الأمير بن سلمان فإن الأمر يبدو وفق نيويورك تايمز كما لو كان مؤامرة حاكها بنفسه ضد مستقبله السياسي فقائد فريق الاغتيال من دائرته الأمنية الأقرب فقد رافقه في جولات خارجية بالغة الأهمية ولأمر يتعلق ربما بتقديم ولي العهد السعودي الولاء على الاحتراف فقد أوكل هو أو أحد كبار مساعديه المهمة له أي لماهر عبد العزيز مطرب فماذا فعل الرجل لم تبق كاميرا مراقبة إلا وصورته وهنا سجل بوصوله لمبنى القنصلية قبل ثلاث ساعات تقريبا من دخول خاشقجي إليها وصور أخرى له وهو أمام منزل القنصل بعد نحو أربع ساعات من إخفاء الصحفي السعودي وصور ثالثة لدى وصوله إلى مطار إسطنبول هل يتصرف العملاء المحترفون على هذه الشاكلة أم أنه الاستهتار الكامل مرفقا الطاعة العمياء للأوامر ما أعمى مطرب وسواه من فريق الاغتيال عن بعض التفاصيل التي كان يمكن أن تبعدهم عن دائرة الشبهات ومن ذلك أن سبعة من فريق الاغتيال بحسب وسائل إعلام غربية وهم مقربون من ولي العهد عرفت كل التفاصيل عنهم بدءا من تواريخ ميلادهم انتهاء بجوازات سفرهم ورتبهم العسكرية وأدوارهم في عملية الاغتيال ويرجح البعض أن للأمر صلة بغياب الاحتراف والمؤسسية ومرد ذلك وفقهم أن مهمة تصفية خاشقجي أوكلت إلى فريق مقرب من العهد لا إلى فريق مشكل وقادم من جهاز استخباراتي محترف ويعتقد أن هذا نتاج رؤية الأمير بن سلمان نفسه لمفهوم الأمن فإذا هو كل ما يتصل به لا بالدولة وما يفسر أيضا قيام الرجل بإنشاء فرق أمنية خاصة به عقب توليه ولاية العهد رغم أنه قام بإلحاق كل المؤسسات الأمنية والسيادية بشخصه فبينما كان يعتقل أبناء عمه وبعضهم أبناء ملوك سابقين كشفت وسائل إعلام كبرى أن فريق الاعتقالات والتحقيقات كان من خارج المنظومة الأمنية الرسمية بل وكشفت اسمه وهو كتيبة السيف الأجرب فالرجل لا يثق ربما إلا بمن هو مقرب ويرتاب مما هو نظامي ورسمي وفسرت صحف غربية ذلك بأنه يريد حرق المراحل والقفز من فوق المؤسسات إذا وجدت لأن بيروقراطيتها قد تعيق خطط الأمير المتعجل والطموح والراغب في إحكام القبضة أيا كانت الأكلاف حدث هذا بإنشاء فرقة تساعد وتنفذ في موازاة ما هو مؤسسي ورسمي ربما من دون تنسيق مناسب وهو ما يعني لوجستيا رجالا يدخلون المسرح لأول مرة ويتعاملون مع ملفات أكبر من قدراتهم ربما ومن أعمارهم نفسها وبمعزل عن ذاكرة المؤسسات الرسمية التي سبق لها التعامل مع الملفات نفسها أمثال هؤلاء أحد مستشاريه صعودا قحطاني وهو ناشط على مواقع التواصل الاجتماعي أكثر منه رجل دولة كبيرا فإذا كان الفريق الأقرب لولي العهد على هذه السوية من قلة الاحتراف والهوس بما هو شخصي والعناية بإثبات الولاء للرجل للدولة فإن النتيجة كانت على النحو الذي انتهى إليه الأمر في إسطنبول فلم يترك خطأ إلا وارتكب خلال عملية الاغتيال بل إن الأدلة وقرائن الإدانة تتزايد وتتراكم خلال التحقيق الأولي أصبحت كلها تشير إلى من قتل ونسق وأمر على خلاف ما عرفه العالم عبر تاريخه من اغتيالات سياسية ظلت صناديق سوداء تحير من يقرأ عنها أو يعيد النظر فيها