- حرب 1967 وثورة القيم والمفاهيم
- البحث عن الذات وحرق المخطوطات

سميحة خريس - كاتبة وصحفية أردنية: هذا المشهد استعملته من قبل، اثنين أصحاب بيحكوا عن أدب كتبوه بالسجن أو بعده، فكرة مجنونة بتذكَّرني بالعصور الوسطى، فكرة أنه القلم بيخلق إبداع، مين بعده بيحكي هيك حكيه، سعود نسينا هو مشغول بالماضي، بأتذكر قرأت مرة أنه بعد الحرب العالمية الثانية فيه كتَّاب وشعراء قالوا إن الحرب منعت يكون فيه مساحة للأدب والشعر، لما تعرفت على سعود قال لي أنه السجن مثل الحرب.

حرب 1967 وثورة القيم والمفاهيم

سعود قبيلات - قاص أردني: الكاتب الذي دخل السجن وكتب عن تجربة السجن فيما بعد أو في أثناء السجن هو أولا مضطر للدفاع عن نفسه كإنسان وبعد هذا كله يصبح لديه مجالا لأن يكتب لأن يبدع لأن يعبر عن ما تبقى من الإنسان في داخله، أظن الشنفري هو من قال كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة، أنا أحاول في نصوصي أن أعبر عن شيء أبعد من الظاهرة، بالنسبة لي أحاول أن أشتغل في نصي على ما هو أعمق من الظاهرة أبعد منها ما يوصل إليها وهذا يتطلب لغة مكثفة وقد وجدت نفسي في هذه الحالة بعد خروجي من السجن مباشرة وجدت نفسي أتأمل في حياتي وأتأمل في الأوضاع من حولي الأوضاع الاجتماعية والإنسانية، خياراتي السياسية وخياراتي الأدبية بلا شك مع بعض، كان فيه واقع يتفاعل وأنا داخل هذا الواقع حرب 1967 كان لها تأثير كبير على كل العالم العربي حركة المقاومة اللي نشأت بهذه الفترة حرب الاستنزاف اللي كانت جارية يوميا بين الجبهات العربية وبين إسرائيل يعني كل هذا كان له تأثيره، الواحد يعني استطاع بهذه الفترة يحدد مين هو عدوه ومين هو صديقه وين هو لازم يكون موقفه، العلاقة وثيقة بين الأدب والسياسة طبيعي أنه اللي بيتعامل مع الأدب بجدية بده يلاقى حاله داخل على السياسة، لا أفهم كيف يمكن أن يكون هذا الفن أيضا بلا إمكانية للتعبير عن قضايا إنسانية أو هموم إنسانية، طبعا هذه أمور لا تُفتعل من قِبل الكاتب هذه تعود إلى أن هل الكاتب نفسه منخرط بحياة مجتمعه بشكل صحيح؟ مهموم بقضايا عصره ويتفاعل معها؟ إذا كان كذلك فمن الطبيعي أن يعبر عما هو مهموم به، أنا يعني بهذه القرية قريتي يعني توصلت أنه الإمبريالية هي العدو وأنه مثلا الاتحاد السوفيتي هو الصديق وتوصلت بداخلي لثورة على مجموعة من القيم والمفاهيم اللي كانت سائدة، يعني على سبيل المثال قلت أنا الثوار دائما موجودون في قصصي لكن الثوار في هذه القصص يختلفون ويتغيرون باستمرار ويتطورون وتختلف ظروفهم من مرحلة إلى مرحلة ومن قصة إلى قصة فهناك يعني جدل ما بين الثابت والمتحول في هذا المجال، الكتابة بالتأكيد ساعدتني على تجاوز تجربة السجن وهنا نعود إلى الموضوع الذي كنا نتحدث فيه قبل قليل أنه يعني الظروف السيئة هل تصنع كاتبا؟ لا أنا هاي كمثال الكتابة هي التي ساعدتني على مواجهة ظروف السجن وليس العكس السجن هو الذي ساعد الكتابة لكن ليست الكتابة وحدها ساعدتني أنا كحالة خاصة يعني في السجن ساعدني أيضا دراستي لعلم النفس واهتمامي بهذا الأمر ساعدني أيضا أنني سُجنت لأنني عندي اعتقاد بقضية معينة أدافع عن قضية معينة وأنا مقتنع بموقفي وهذا كان له دور كبير في أنه أعطاني مقدرة على الصمود والتحمل وعلى التوازن، الكاتب الذي مر بتجربة السجن أو بتجربة الحرب يكون لديه يعني مواضيع كثيرة ممكن أن يتحدث عنها طوال حياته ولكن هل كل الذين يدخلون السجن أو يشاركون في الحروب يصبحون كتابا أو أدباء أو فنانين؟ بالتأكيد لا يعني الكاتب لم يصبح كاتبا لأنه دخل السجن أو لأنه شارك في الحرب هو كاتب أصلا هو لديه هذا التوجه.

سميحة خريس: مفروض أنه العلاقة مع الزمن تتغير مع السجن كل مرة كنت أشوف سعود كان شكله غير، كأنه كان دائما عم بيحاول يحول الإحساس بالزمن لحقيقة.

سعود قبيلات: السجن ليس لحظة عابرة بحياة الإنسان يعني ليس مجرد مكان سكن فيه الإنسان لفترة من الزمن أو يعني مشوار ما، السجن حالة خاصة جدا كما سبق وقلت السجن مثل الحرب، الإنسان إذا دخل الحرب يخرج بتجربة ربما يمضي حياته كلها وهو يتحدث عن هذه التجربة دون أن يستنفذها كذلك الأمر بالنسبة للسجن يعني هيمنغواي على سبيل المثال كل رواياته تتحدث عن الحرب لأنه شارك في عدة حروب.

سميحة خريس: فأنت كل رواياتك تتحدث عن السجن؟

"
قصصي ليس بالضرورة أن تتحدث عن السجن بصورة مباشرة ولكن دائما السجن في خلفية النص حتى لو لم يكن هناك حديث عن السجن فهو موجود في الخلفية غير المرئية
"
سعود قبيلات: هي مش.. قصصي ليس بالضرورة أن تتحدث عن السجن بصورة مباشرة ولكن دائما السجن في خلفية النص حتى لو لم يكن هناك حديث عن السجن فالسجن موجود في الخلفية غير المرئية يعني بأتذكر مرة فيه قصة كتبتها أنا أنه مر.. كان مر شاب وبنت من الشارع فرفيق لي صار ينادي عليهم وهم مارين طلع حط البطانيات وحط شي اسمه وطلع وصار ينادي عليهم ولا سمعوه ولا دريوا عنه فأنا كتبت عن ها القصة بعنوان أهل الكهف مرة قرأت عبارة مدهشة بهذا المجال محمد الماغوط في السنوات الأخيرة يعني اندهشت أنه مثلا هو انسجن زمان قبلي، طبعا هو أكبر مني بكثير بالسن انسجن زمان ولكن عنده هذا الشعور يعني بيقول إنه يعني إذا لم تخُني الذاكرة أنه يعني أحمل سجن على ظهري مثل ماكيت أو إيشي هيك هاي التجربة اللي مر فيها هو يعني زمان يعني الإنسان تقريبا بينسجم بيضله يتصرف كسجين سابق يعني بيضل بهذه الصفة بداخله وممكن الناس يتعاملوا معه بهذه الطريقة، هناك كان منطقة السجن المحطم كانت هاي الجهة هي الجهة المواجهة للسجن، الشمس كانت تطلع الصبح من هاي الجهة كان موجود الشارع طبعا من الأول، كانت هي بالواقع مش زنزانة كانت غرفة فيها حوالي خمسة وعشرين واحد فيها يعني كانت من الجهة هاي هيك لفوق جنب الشارع هذا الموقع كان هناك تقريبا، مش غريب بالنسبة لي بأحس أنه أليف المكان طبعا هنا سنوات طويلة يعني قضيت أنا كل ما أمر من هاي المنطقة بأطلَّع هيك يعني أو من هناك بألاقى حالي بأطلَّع بهذا الاتجاه، يعني حرب 1967 أثرت بجيلنا كله، لما صارت الحرب مش بس إحنا الصغار الكبار صار عندهم أوهام.. صار عندهم أوهام وهما يستمعوا للإذاعات اللي كانت تتحدث عن انتصارات فكان فيه الناس عندهم حماسة ففجأة الانتصارات هزائم طبعا هذا ترك تأثيرا عميقا بأنفسنا لكن فيه فرق بينه وبين ما حدث فيما بعد..

أنور السادات: وإنما سوف نسلم أعلامنا مرتفعة هامتها عزيزة صواريها..

سعود قبيلات: في البداية انتصار حقيقي وبعدين ها الانتصار تم التنازل عنه، أنا انسجنت عام 1979 وقتها كنت طالب بالجامعة بالسنة الأخيرة تقريبا ووقتها عملنا مظاهرات كبيرة بالجامعة احتجاجا على كامب ديفد، لما خرجت من السجن بعد سنوات يعني كانت الحياة حياة ثانية الناس يعني قاطعين شوط كبير أنا ما عشت معهم فيه كنت أسمع يعني كنت أسمع وأنا بالسجن من خلال الزوار اللي يزورونا أنه فيه أشياء تتغير فيه كثير إشي يتغير فيه الناس يتغيروا بس هذا حكي التجربة غير فلما يعني طلعت لقيت ناس آخرين غير اللي أنا بأعرفهم، ما قدرت أتكيف معهم كان عندي إحساس عميق أنه فيه كارثة كبيرة يعني كارثة ما بأعرف شو هي حصلت يعني للناس وفيه تواطؤ بينهم على إخفاء هذا الحدث الكبير يعني اللي حدث وأنا بالسجن فلذلك يعني شعرت بتأثر عميق، لا أدرى ماذا جرى للناس كنت في طريقي إلى عملي عندما وقعت مني صدفة نظرة على أحدهم فإذا به يجفل وينكمش مبتعدا ثم يردد متوسلا ليس أنا والله ليس أنا تفاجأت بالأمر ولم أفهم مغزاه فحاولت أن أستوضح غير أنه قبل أن أفعل كان قد ولى هاربا، عندئذ واصلت سيري لكنني عفويا نظرت إلى آخر فإذا به يفعل الأمر نفسه ويصرخ يائسا ليس أنا والله العظيم ليس أنا وأكثر من ذلك أنني في العمل اقتربت من أحد زملائي وأردت أن أسأله عن أمر ما لكنه قبل أن أُتم كلامي أجفل وارتعد شأن سابقيه ثم هرب لا ينوي على شيء بل وفي نهاية الدوام وبينما كنت أصعد إلى الحافلة احتك كتفي دون قصد بكتف راكب آخر فالتفت إليه كي أعتذر غير أنه ليس أنا.. ليس أنا فغادرت من فوري إلى بيتي متعجبا من أمر الناس وقائلا لنفسي.. ترى ماذا جرى لهم؟ غير أني فجأة وجدتني دون وعي مني أنكمش فزعا وأرتعد وأردد يائسا ليس أنا والله ليس أنا.

سميحة خريس: لما بنحس بالغربة بندور على المألوف على الشخص اللي ممكن يربط ماضينا بحاضرنا لأنه ببساطة مثلنا كان موجود.

مشارك أول: أهلا وسهلا.

سعود قبيلات: السلام عليكم، كيف الحال؟

مشارك أول: أهلا وسهلا، كيف الحال؟ كيفك؟ أهلين مرحبا تفضل أهلا وسهلا فيك.

سعود قبيلات: أهلا بك.

مشارك أول: من زمان ما شوفناك كيفك؟

سعود قبيلات: والله زمان.

مشارك أول: كيف أحوالك؟

سعود قبيلات: والله الحمد لله.

مشارك أول: كيف الأولاد؟

سعود قبيلات: كيف أحوالك أنت؟

مشارك أول: الله يخليك إحنا عايشين في شغلنا.

سعود قبيلات: بتشوف حدا ها الأيام من..

مشارك أول: والله نادر ولما يصير مناسبات بنلتقي عماد ملحم وهاشم وعدنان الأسمر كثير لما يصير مناسبات وأنا بأشارك في الحقيقة لما يصير أي حادث سواء فرح أو حزن..

سعود قبيلات: بدي أسألك مريت من عند منطقة السجن؟

مشارك أول: راح السجن.

سعود قبيلات: بأعرف راح، مريت بعديها من هناك؟

مشارك أول: آه بأمر لما بأطلع من الماركة آه بأمر من المنطقة وبعدين لما يروح على السير دائرة السير بأمر بمحاذاة السير آه بس تقريبا سجن ما فيه حاليا أُلغي.

سعود قبيلات: أُلغي.

مشارك أول: جابوا..

سعود قبيلات: رحت عند السجن تفرجت على المكان تعرف فيه فرق طبعا أكيد أنه يعني كان موجود والآن صار مش موجود بس فيه شغلة انتبهت لها أنه المكان اللي كان فيه السجن بيِّن أصغر من لما كان السجن يعني السجن كان عالم كبير من شبك واحد لشبك خمسة بتمر على شبك اثنين شبك ثلاثة وناس رايحين جايين ومقاهي وساحات والواحد يستغرب أنه كله ها المكان هذا..

مشارك أول: ضلك لما تطل عليه ما تستوعب أنه هذا فيه ناس السجن كان يوصل حوالي ألف وخمسمائة واحد وكان عالم قائم بذاته..

سعود قبيلات: عبارة عن قرية..

مشارك أول: قرية وكثير بالسجن فيه كثير شغلات كانت مهمة قد إيش سقف الحرية له حد والإمكانيات محدودة اللي بره بعض الشغلات اللي كنا نعلمها ونشوف إشي كثير ما كانت تعنيهم ليش؟ عندهم حرية عندهم إمكانيات شو ما بدهم بيسووا..

سعود قبيلات: عالم كامل.

مشارك أول: لما تطلع من براه ما تتصور أنه هذا المكان فيه ها الأعداد الكبيرة أو ها الورشات الكبيرة.

سعود قبيلات: أو لما تطلع الآن على المحل اللي كان فيه السجن..

مشارك أول: لكن كان فيه عالم..

سعود قبيلات: مش معقول يعني..

مشارك أول: كان وصَّل يعني أنا مرة من المرات ألف وخمسمائة سجين..

سعود قبيلات: كيف تحس لما تمر من هناك؟

مشارك أول: والله شوف هي ذكريات وفيها الحلو وفيها المر.

سعود قبيلات: إحنا مثلا كنا الواحد الفترة اللي قعدناها مع بعض يعني الواحد مع أهله ما قعد هيك يعني كنا يوميا موجودين مع بعض ليلا نهارا موجودين بنفس المكان مع بعض نحتك ونتحدث مع بعض ونعرف مشاكل بعض ونتابع كل ما يستجد من ظروف لدى كل واحد منا فكان بالتأكيد يعني السجن يكونوا الناس قريبين من بعضهم.

مشارك أول: لكن أنا بأقول يعني صداقات السجن عميقة.

سعود قبيلات: صح.

مشارك أول: يعني أنا لحد الآم بيجي عندي مساجين مش بس سياسيين بيجيني مساجين عاديين وبيجيني شرطة من اللي كانوا عندنا في السابق..

سعود قبيلات: اللي كانوا سجانين يعني..

مشارك أول: بيجوا مرات بيحتاجونا ومرات مو يرضوا يسلموا علي فأنا بأقول علاقات السجن كانت محك لأنها صادقة.

سميحة خريس: فيه أماكن بحياتنا الزمن عندها بيتوقف بيصير عندنا رغبة دائما نرجع لها كأننا بدنا نقول لها إننا قادرين.

سعود قبيلات: باتجاه سجن المحطة المكان اللي كان فيه سجن المحطة اتفرج عليه شوف المكان اللي عشت فيه سنوات.

[فاصل إعلاني]

سعود قبيلات: السجن رغم كل سلبياته يعني إذا الإنسان مثل أي تجربة صعبة مثل الحرب يعني ممكن الإنسان يخليها تحطمه.. يسمح لها تحطمه وممكن أنه يستفيد من هاي التجربة ويبني حياته وشخصيته بطريقة أكثر إيجابية، أنا استفدت أشياء إيجابية من السجن يعني اكتشفت أنه الحياة هي التفاصيل اللي إحنا بالعادة نهرب منها ونعتبرها مش أشياء مهمة على أساس أنه إحنا يعني ماشيين باتجاه الحياة الأفضل والأحسن وبيطلع بالآخر هي التفاصيل هي نفسها الحياة، بالسجن مثلا كنت أتمنى أنه يعني أمشي باستقامة لمسافة طويلة من دون ما يعترضني جدار اكتشفت أنه فيه أمنيات بسيطة مهمة يعني أنه مثلا أقعد مع عائلتي ونتحدث بأمور عادية، أنه أركب بالسرفيس مع ركاب ما بأعرفهم ويتحدثوا في مواضيع ما بتهمني وأقعد أسمع، أشياء يعني صغيرة وبسيطة من ها النوع اكتشفت أنها يعني ها هي الحياة.

ابن سعود قبيلات: كان.. كنت أخاف فيه وكل هذا هو أنه كان.. كل هذا أنه يمشي وما يمشي ما فيش مكان يقدر يقعد فيه فإن هذه هيك خلاص علقت بعقلي.

سميحة خريس: أنت زيه طالع ولا كيف؟

ابن سعود قبيلات: أبدا ما فيش شبه بهذه الشغلة.. هاي الشغلة ما فيهاش ولا شبه.

سميحة خريس: في داخلك أنتِ تحسي أنه أبوكِ شوي غريب؟

ابنة سعود قبيلات: غريب آه فيه ما بأعرف كيف بس فيه آه شوي ما .. دائما حتى لدرجة مرات أنه بألاحظ على قصته ماشية راكبة عليه فعلا مرات بأحسه القصة عليه يعني..

سميحة خريس: كيف حلوة يعني؟

ابنة سعود قبيلات: كيف قصته ماشيه فيها دائما فيه واحد عم يمشي فيه عم بيعمل فبابا بأحسه دائما هيك عم بيعمل عم بيمشي عم بأحس بنفس قصته وهذا بالقصة دائما غامض ودائما هيك.

سعود قبيلات: يعني أنا ما حاولت أعلم حدا المشي بس أنا بأمشي فأي حدا بده يلتقي معي يمشي معي، أنا تعودت على المشي بالقرية كنت أمشي مسافات أمشي وأمشي وأحب أمشي، بالسجن كنت أيضا أمشي، طبعا أنا تم اعتقالي من الشارع أنا الشارع بالنسبة لي يعني بأقضي جزء من يومي بالشارع مشي يعني بأحس براحة لما أمشي بالشارع بين الناس، أخذوني طبعا من بين الناس تركوني لحد ما صرت في مكان ما كان فيه حدا وإجوا فجأة يعني.

مشارك ثاني: أبو محمد.

سعود قبيلات: السلام عليكم.

مشارك ثاني: السلام عليكم، مرحبا كيف الحال؟ كيف صحتك؟ أهلين وسهلا.

سعود قبيلات: كيف حالك؟ الشيخ وثبيلات صديقي ورفيقي القديم جدا من أيام الشباب المبكر.

سميحة خريس: قريبك؟

سعود قبيلات: وقريبي أيضا، كنا يعني مجموعة من الشباب زمان اللي يعني كانوا يحاولوا يبحثوا عن طريقهم كان يعني عندهم مجموعة أفكار.. مجموعة أفكار تتراوح ما بين الأفكار الماركسية والأفكار العلمانية والأفكار الليبرالية، فيما بعد كل واحد اختار طريقه أنا استمريت بالاتجاه الماركسي، صديقي ورفيقي القديم اختار الاتجاه الإسلامي لكن إحنا يعني ظلت المحبة العميقة موجودة بينا وظلت الصداقة دائما بغض النظر عن اختلاف الأفكار كنا.. نتذكر كنا نلتقي مع بعض ونقعد..

صديق سعود: بدار صالح..

سعود قبيلات: بدار صالح نلتقي ونسهر سهرات طويلة ونتحدث كانت أيام جميلة، بهاي الفترة نفسها قرأت عن جيفارا.. تجربة جيفارا كوبا بجبال السيراميسترا طبعت بنفسي هاي التجربة..

سميحة خريس: كان رجلا يمشي..

سعود قبيلات: أدخلوه السجن..

سميحة خريس: فقال..

سعود قبيلات: أربط حذائي..

سميحة خريس: ومرت سنوات..

سعود قبيلات: أنهى الرجل ربط حذائه..

سميحة خريس: وبينما هو خارج من السجن قال..

سعود قبيلات: الآن أواصل المشي..

سميحة خريس: سعود أنا سمعت أنه أنت مشهور بقضايا الحرق..



البحث عن الذات وحرق المخطوطات

سعود قبيلات: يعني أكثر من مرة حرقت مخطوطات كنت كتبتها يعني مجموعات قصصية، روايتين، ديوانين شعر واحد بالعامية وواحد بالفصحى يعني كنت أكتب في فترة معينة باتجاه معين بعدين لما أحس حالي أنه يعني تغيرت تصوراتي للأمور وتغيرت حياتي شوية أتخلص منهم يعني آخر مرة كان يمكن بالـ1976 يعني كونت مجموعة من المخطوطات وصبيت عليها جاز وحرقتها، آه أتذكر تفرجت واستمعت يعني وقتها يعني كنت مسرورا أني تخلصت من إشي ما بدي إياها كنت يعني حابب أحرقهم، بعدها اتغير الموضوع بعديها لما كبرت شوية صرت وتجربتي يعني كمان تعمقت ندمت على اللي عملته هذا يعني إنه بغض النظر عن أي شيء فكل كتابة تعبر عن مرحلة معينة من مراحل كتابة الإنسان وبالتالي مش غلط أو بالأحرى لازم يحتفظ بها، الآن بأحتفظ بكثير من الأشياء حتى أشياء مش ضرورية أشياء مش عجبتني كثير بأحطها على جنب ومن حين لحين أرجع لها وأحيانا يطلع منها فكرة ثانية وتكون فكرة جيدة يعني، كل كتابة عبرت عن مرحلة محددة يعني مثلا في البدء كتابي القديم الذي خرج في السجن في البدء ثم في البدء أيضا يعبر عن المرحلة التي كانت فيها طالبا في الجامعة طالب بالجامعة الذي يعمل في السياسة والذي ينظر إلى الأمور باللونين الأبيض والأسود والذي مشبع بالرومانسية، كانت تسمى رومانسية ثورية في تلك الأيام والذي يخلط لغة القصة بالشعر بعد في البدء عندما خرجت من السجن كانت مشي، عندما خرجت من السجن كان هناك الحيرة والتأمل في الذات وفي المحيط في التغيرات التي حصلت في أثناء غيابي في السجن خلال السنوات التي قضيتها في السجن كنت أحاول أن أصل ما انقطع لحظة دخولي من السجن بلحظة خروجي منه، هناك فجوة كبيرة بين اللحظتين كنت أحاول أن أصنع جسرا، السجين الذي كان قد مضى عليه زمن طويل في السجن عبر إلى زنزانته ذات مساء عصفور صغير جميل لائذا بها من زمهرير الشتاء أو ربما من نخال بطير جارح، عندئذ قام إليه واحتضنه بيديه الحانيتين ولفَّأه بأنفاس حارة ثم صنع له قفصا، طبعا هو هاجس الموت يعني اللي بده يتعامل بعمق مع فكرة الوجود الإنساني بده يتعامل مع فكرة الموت في الكتابة وبده يعبر عنها وأظن هذه الفكرة موجودة في كتابي مشي وموجودة في كثير من قصصي وليست فقط في بعد خراب الحافلة ولكن في بعد خراب الحافلة هناك تعبير عن حالة عامة يعني حالة وصلنا فيها إلى طريق مسدود حالة وصلنا فيها يعني أن الأفق الممتد أمامنا أصبح مغلقا بعدما كان ممتدا، هاشم غريبة رفيقي بالسجن ورفيقي بالحزب نفسه، يوسف تمرة وهو كاتب معروف، هناك أيضا سميحة خريس وهي جميلة وصديقة وأنا يعني أتذكر إلياس دائما لما كنت مطارد سنة 1979 وكنت يعني بأختفي عن الأنظار بأتذكر إلياس كان دائما يحاول يلاقيني عشان يأخذني ينزهني بسيارته، صديقنا ماجد أيضا أعرفه من فترة طويلة شاعر جميل.

يوسف تمره: إحنا بنعيش مشكلة يعني بها الجلسة إنه أعتقد في مشكلة طريفة يعني نوعا ما عندك في الموضوع هو الكُتاب بشكل عام يعني أسياد النميمة..

سميحة خريس: جيالكم عشان ننم..

يوسف تمره: جد يعني سيد من ينم بالآخر ويحكي عنه سواء النميمة بالمعنيين يعني إنجاز التعبير إيجابي وسلبي..

هاشم غريبة: المعنى الأدبي..

يوسف تمره: يعني الحكي عن الآخر معنيين لكن فعلا في هذه الجلسة أنا لأول مرة بأكتشف إنه فيه صعوبة إنك تنم عن شخص وهو موجود..

سميحة خريس: بالحق لا يعني أحكيها بدك الصراحة..

يوسف تمره: لا يعني إحنا استخدمنا مصطلح النميمة هلا بنحكي عن شخص..

سميحة خريس: هلا الصعب في الموضوع إنه مبدع النقاش هو سعود صعب تنم عن سعود وين بدك تلاقي..

يوسف تمره: إضافة لأن النميمة لشخص موجود..

سميحة خريس: صعب..

إلياس: بدكم تقولها كأنه شيء..

ماجد: تسع سنوات كبيرة..

يوسف تمره: مهم عارفين..

هاشم غريبة: عشان يعرفوا كمان السجن..

ماجد: للإيضاح للذي سيقرأ للذي سيستمع مش لنا إحنا كلنا بنعرف بس كيف بدنا نوصل فكرة إنه أكل له في تسع سنوات..

سعود قبيلات: خمس سنوات سجن..

سميحة خريس: شو يا هاشم أكل له أنت أكلت؟

سعود قبيلات: بالأكل شبع..

هاشم غريبة: الزمن مر على جبيننا يا سعود مش هيك؟

سعود قبيلات: أيوه بس مر..

سميحة خريس: أيوه بس أنا بتصور فيه شغلة كثير حلوة لسعود بالذات بالتحديد على موضوع السجن هاي له قصة صغيرة بيلخص فلسفته هو كيف بينظر لموضوع السجن..

يوسف تمره: أكيد قصة مشي..

سميحة خريس: اللي هو واحد دخل انحنى.. ربط الحبل تبع جندورته ومشي ربط الحذاء ومشي انتهت القضية..

يوسف تمره: واصل المشي..

سميحة خريس: هكذا هو يتعامل مع موضوع السجن يواصل المشي الحياة بتمشي هاي مرحلة..

ماجد بس شو العلاقة بين ربط الحذاء وربط السلاسل؟

سميحة خريس: أسأله هو لأنه هو شايفها بمنتهى بهذه السهولة بالضبط..

ماجد: شو العلاقة بين ربط الحذاء وربط السلاسل؟

هاشم غريبة: لا مش بهذه السهولة هي بهذه السرعة..

سميحة خريس: بهذه السرعة آه بهذه السرعة مضبوط..

إلياس: سعود عبر عنها في عملية الانحناء وإعادة ربط الحذاء، هاشم شبهها بالخزان ممكن هاشم يفسر لي إياها؟

هاشم غريبة: هو خزان كنفاني اللي عشناه أنا وسعود وكلنا إنه دقوا جدران الخزان تجربة ما تمر بدون أي صدى بدون أي تأثير بدون أي حدا يحس فيها الآن مازالت حقوق الإنسان مسألة كثير مهمة في صلب اهتمامات البشر..

ماجد: يعني صارت هلا دق خزان الذكريات؟

هاشم غريبة: أنا ما بديش أحكي عن سعود في السجن سعود بالسجن كان يتعامل مع الوقت بشكل وكأنه يعني كان يدق الوقت بده يجري بسرعة بده.. وكأنه كل ما أقرأ أسرع وكل ما مشى أسرع وكل ما مر اليوم أسرع كلما كانت الحرية أقرب ربما بس كان مهتما يجري بسرعة يتابع برامج التلفزيون باهتمام شديد جدا طبعا بده أحداث لبنان في 1982 ها المعارك الاحتلال اللبناني في 1982 هاي بدنا نعيش يعني فينا نقول عشناها بجلودنا يعني فعلا واعتصمنا والقسم مننا سافر للبنان واستشهد بلبنان يعني طلع من السجن على لبنان مباشرة واستشهدوا أصدقاؤنا منهم ربيع منصور أخونا..

إلياس: أنا بأعتقد إنه إحنا مرايا لفترات حاسمة في علاقاتنا مع بعضنا لأنه العلاقات اللي يعتد بها ويعتمد عليها هي العلاقات اللي انبنت في مرحلة النضج وبالتالي ما كانت لا هي علاقات الصدفة ولا علاقات الصدفة أو الإجبارية مثل إحنا في صف واحد في مدرسة واحدة وبالتالي اضطررننا أن نكون أصدقاء لا بل فيه عملية اختيار بمعنى من المعاني وهذه العلاقة في داخلنا بقيت محتفظة بجوهرها تباعدت لقاءاتنا بسبب ظروف شتى البعض منها اختياري والبعض الآخر مضطرين لها لكنا اللي جمعنا هاي بهذا اليوم هو حقيقة ما عبر عنه سعود إنه هذه المرحلة اللي إحنا نتذكرها هي مرحلة الرابطة مرحلة الألفة مرحلة المحبة اللي خالية فعلا من أي مصلحة ومن أي غاية أو غرض خارج ما هو مشترك هو اللي خلانا نهتم الآن..

سميحة خريس : شو مشوِّب؟

سعود قبيلات: يعني أنا عندي مشكلة مع الشرب يعني نقطة انغلاق بتخليني أشرب ما بأحب الشرب شيء ما بأتحمله يعني بس الشرب ما بأتحمله هاي إعادة إغلاق فتح الشبابيك الآن يعني موجودة عندي من أيام السجن لأنه كنا 25 واحد بالغرفة فيعني بالليل يصير جو الغرفة خانق وبيكون معظم النائمين يعني الكل بيصير نائم فأنا كنت أصحى بالليل كان فيه شباك عالي بالغرفة كنت يعني أتشعبط له وأفتحه ليلا سواء بالصيف ولا بالشتاء إلا وبأفتح جزء منه يعني بدون ما ينفتح بأحس إنه بدي انخنق يعني، أنا بأتذكر إنه في قصة بمشي عن النافذة هذا الشخص اللي يصحى بالليل وتكون النافذة مغلقة وبده ينخنق يفتح النافذة وبدون فائدة يعني وبعدين يطلع بره للشارع بيلاقي كل الشارع مغلق كل الدنيا مغلقة من فوق يعني، صحوت عند منتصف الليل شاعرا بالاختناق وبثقل يضغط على صدري فمضيت إلى النافذة فتحتها وعدت إلى النوم غير أنه لم يمض وقت طويل عندما اضطررت للاستيقاظ مرة أخرى ولنفس الأسباب فارتديت ملابسي وخرجت إلى الشارع ولكن يا للمفاجأة فالمدينة كلها من فوق ومن كل الجهات خيَّم عليه ستار كثيف والناس جميعا خرجوا إلى الشوارع يبحثون عن نافذة ما.