بعد اندلاع أحداث ثورة 25 يناير 2011؛ عصفت مواقف فكرية ونفسية بطائفة كبيرة من شباب مصر حتى من أكثر الأوساط تدينا مسلمين ومسيحيين. وبينما قادت هذه المواقف بعضهم إلى الخروج من الدين جملة أو رمت بهم في جانب المترددين في الإيمان بوجود إله للكون؛ دفعت تحولات ما بعد انقلاب 3 يوليو/تموز 2013 ومجزرة فض اعتصام رابعة بآخرين إلى ميادين القتال طلبا للتغيير.

ذلك ما كشفه فيلم وثائقي بثته الجزيرة مساء الأحد (2019/1/27) بعنوان "في سبع سنين"؛ حيث أجرى الفيلم حوارات مع نماذج من الفريقين تحدثوا فيها عن الدوافع التي جعلتهم يقتنعون بالتحولات الكبيرة التي طرأت عليهم عقديا وسياسيا "في سبع سنين".

إلحاد بعد إيمان
بدأت الحلقة بشاب اسمه "حسن البنا" ينتمي إلى عائلة ينتمي أبواها-مثل محيطها الاجتماعي الضيق- إلى جماعة الإخوان المسلمين، وكان أبوه يحلم بأن يصير ابنه مثل الشيخ حسن البنا مؤسس الجماعة، بينما كان الولد يؤمن بواجبه في "إحقاق الدين وصولا إلى أستاذية العالم"، وفجأة أصبح يصرح على شاشة التلفزيون قائلا "أنا لا أؤمن بوجود إله".

بدأ تغير مسار "حسن" بعيد قيام الثورة وما صاحبها من قمع أدى إلى مقتل بعض أصدقائه من الإخوان في أحداث ماسبيرو والمنصة، ثم اكتملت دورة التغيير عنده بفض اعتصام رابعة الذي قُتل فيه أخوه الذي يعتبره بمثابة والده، وحينها اقتنع بأنه "لا أمل في هذا المسار.. وصار عندي استعداد للتخلي عن كل شيء.. لقد فقدت الثقة في كل شيء".

وإلى جانب قصة "حسن البنا"؛ كانت قصص "إسراء" و"سنّة" اللتين كانتا مسلمتين محجبتين، فأصبحت أولاهما –التي شاركت في الثورة وهي تحمل "الأفكار الإسلامية"- تقول عن نفسها "أنا كافرة لأن الأديان كلها عنف وتطرف"، وتأخذ على الناس أنهم "يعاملون الملحد بوصفه شريرا"؛ وصارت الثانية –التي كانت سلفية منقبة ولا تشاهد إلا قناة "الناس" ومشايخها- مترددة بين الإيمان والكفر، حيث تأتي عليها أوقات تقتنع فيها بأن وجود الله "أمر غير حقيقي".

وبينما لم تربط "سنة" نقطة التحول في مسارها بأحداث الثورة؛ فإن زميلتها "إسراء" أقرت بأن الثورة هي التي "حررتها"، وكان "موقف الإخوان المتخاذل" من قتل المتظاهرين في أحداث محمد محمود نقطة فاصلة في توجهها، "فأحسست أنني لا أنتمي لهم لأنهم يبررون قتل الثوار المتظاهرين.. ثم انخرطت في اليسار الذين كنت أخاف أصحابه باعتبارهم كفارا".

سلاح يعوض السلمية
وعلى الجانب المناقض؛ أجرى الفيلم مقابلات مع شباب مصريين دفعهم القمع الأمني الذي انتشر في البلاد بعد الانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي إلى الخروج من دولتهم، وحمل السلاح للقتال في صفوف التنظيمات "الجهادية" في سوريا بعد اقتناعهم بأن "درع السلمية لا يحمي"، رغم أنهم في مصر لم يكونوا ينتمون إلى جماعات إسلامية.

وربما كان أفضل نموذج يمثل هؤلاء هو "أحمد" الذي قال إنه لم يكن يحب الإخوان وكانت اهتماماته منحصرة في مشاهدة الأفلام والكرة، لكنه فجأة أحس -بعد الانقلاب على مرسي- بأن "الإسلام قد ضاع"، وبعد فض اعتصام رابعة بوحشية طرح على نفسه السؤال التالي: "لماذا لا يحمل المعتصمون سلاحا يدافعون به عن أنفسهم؟".

يقول أحمد إنه فاجأته سلبية المجتمع تجاه ما حصل "فبدأت أحس بأنني لست من هذا المجتمع الذي تكون ردة فعله هكذا على قتل الأبرياء.. كانت قناعتي هي أن الإسلام لا يرضى بهذا"، ثم غادر مصر بعد انتخاب السيسي بثلاثة أيام إلى سوريا حيث يقاتل "مع المجاهدين"، وأصبح مؤمنا بأنه "ليس عندنا حل سوى السلاح لتغيير النظام في مصر أو الموت.. وسنبقى على هذه القناعة حتى آخر فرد منا".

الفيلم تساءل في نهايته عما إن كانت قصص الشباب الملحدين أو اللاأدريين تعبر عن تجارب فردية أم تؤشر لظاهرة مجتمعية، كما يرى بحث ميداني تم إجراؤه بإشراف من مركز الجزيرة للدراسات وصدر بعنوان: "حالة التدين في المجتمع المصري – 2017: دراسة مسحية تحليلية إحصائية محكمة".

وقد توصل هذا البحث إلى أن المصريين ما بين سن 18-35 توجد بينهم نسبة 6.5% لا يدرون إن كان هناك إله أم لا (لا أدريون)، و4% لا يؤمنون بوجود إله (ملحدون)، و24% لا يعتبرون الحجاب فرضا دينيا، و11% يؤيدون العمل المسلح باعتباره حلا وحيدا للتعامل مع السلطة.