سلطت حلقة 31/12/2014 من برنامج " تحت المجهر" الضوء على قضايا اللاجئين العراقيين الذين فروا من حروب وظلم الوطن إلى غربة شمال أوروبا وتحديدا السويد، وقد رووا للحلقة حكاياتهم ومعاناتهم وأحلامهم.

يقول المؤرخ العراقي عقيل الناصري إن هناك ثلاثة أنواع من الهجرة تمت في نهاية السبعينيات أو مطلع الثمانينيات: الهجرة الكبرى وتمثلت في هجرة القوى السياسية اليسارية والتقدمية، خاصة الشيوعيين وأنصارهم، وهجرة وتهجير القوى الإسلامية من أنصار حزب الدعوة بصورة رأسية.

وأغلب الهجرات -يضيف الناصري- كانت تتوجه إلى دول منطقة الجوار وتحديدا إلى إيران وإلى سوريا، وهناك فئة صغيرة ذات الكفاءة كانت تهاجر نحو السويد، وكانت بوتائر بسيطة لا تتعدى سنويا الألف إلى خمسة آلاف شخص، أما هجرة التسعينيات فشملت كل طبقات وفئات المجتمع العراقي.

وجاءت القفزة الكبرى بعد عام 1989 حيث وصل في ذلك العام عدد طالبي اللجوء العراقيين إلى السويد إلى حدود 35 ألف شخص.

من جهته، يكشف مراد أرتين -نائب سابق في البرلمان السويدي- أن حق اللجوء إلى السويد من قبل العراقيين ازداد بعد عام 2003، وذلك بعدما كان قبل عام 2003 حوالي مائة ألف لاجئ عراقي والآن ثلاثمائة ألف.

ويرجع الناصري السبب الرئيسي للهجرة إلى العامل الاقتصادي وليس العامل السياسي كما كان في الهجرات السابقة، وهو نفس موقف منتهى الصواف التي لجأت إلى السويد عام 1996، بإشارتها إلى الأوضاع الاقتصادية الشاملة مثل الحصار الذي فرض على العراق بعد حرب الخليج.   

حكمت جبو -وزير مفوض بسفارة العراق في السويد- يقول إنه بسبب الحروب التي أدت إلى الفقر اضطرت الكثير من العوائل إلى الهجرة بحثا عن فضاء أكثر أمنا وأكثر إنسانية، فالتجأت إلى دول أوروبا وأستراليا، وإلى أميركا وحتى سوريا ولبنان والأردن.

أما عبير السهلاني -عضوة في البرلمان السويدي عن حزب الوسط- فتؤكد أن الناشط العراقي وعائلته كانوا ملاحقين من قبل نظام البعث في العراق.

صعوبة الاندماج
ويواجه اللاجئون العراقيون صعوبة في الاندماج في المجتمع السويدي لاختلاف الدين والعادات، وهو ما تعانيه الطالبة بان السبعاوي التي تقول إنها تشعر بالعنصرية عندما تكون مثلا مع صديقة محجبة، وإنها عندما تكون في القطار وتتكلم باللغة العربية أمام السويديين يتضايقون.

ويقول قيس قدري -وهو كاتب ومستشار سابق لدمج المهاجرين في السويد- إن العرب جاؤوا إلى هذا البلد ولديهم موروث ديني وثقافي، وجملة من العادات والتقاليد بعضها لا تتماشى مع طبيعة هذا البلد العلماني الذي لا يؤمن حوالي 82% من شعبه بوجود آخرة وعالم آخر بعد الموت.

وتعتبر السهلاني أن تجربة الهجرة في السويد هي تجربة جديدة، فمثلا يسمح هذا البلد للأجانب بالوجود في منطقة واحدة بدل انتشارهم  في كل المناطق حيث يقطن السويديون، لكنها تستطرد قائلة إن السويد بلد يحترم حقوق الإنسان ويتعامل بمبادئ وبمفاهيم دولة القانون فالكل سواسية أمام القانون.

ويلخص وزير دمج المهاجرين السويدي أيريك أولنهاغ المشكلة في وجود أحياء معينة بالمدن الكبرى يعيش فيها سكان لم تتح لهم فرصة الحصول على عمل وتعلم اللغة السويدية، ويقول إن حكومته تواجه تحديات في تقديم حلول للمشاكل من توفير مدارس ونظام عدالة ونظام عمل ورفاهية.

ويضيف أن لديهم مشاكل عنصرية والتخويف من الأجانب، خاصة مشاعر العداء للسامية وتلك المتحيزة ضد المسلمين.

وبحسب رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا فرع السويد شكيب بن مخلوف فقد كان لأحداث سبتمبر/أيلول آثار سلبية على بعض المهاجرين الذين لم يحسموا أمورهم في ما يتعلق بالملف الإسلامي أو الحضور الإسلامي.

من جهته، الكاتب والصحفي السويدي دونالد بوستروم يؤكد أن كل شخص يأتي إلى السويد قد يكون إرهابيا، وهذا تبريرهم للكيفية التي يعاملون بها العراقيين.

وقد ارتفعت أصوات سويدية تطالب بترحيل اللاجئين العراقيين، وتقول كريستينا لارشون -عضوة في البرلمان السويدي-حزب اليسار إنهم لاحظوا زيادة الترحيل القسري بشكل كبير في ظل حكومة فريدريك رنفيلت، مما جعل السويد تتعرض لاتهام من قبل لجنة التعذيب الدولية، إذ تمت إعادة أشخاص للعراق ليتعرضوا للتعذيب مرة أخرى وليواجهوا السجون أو الموت.

 

بدأت الفكرة مع اطلاع فريق عملنا على التقرير المسرب من موقع ويكيليكس حول الاتفاق بين الحكومة العراقية ووزارة الخارجية السويدية على تشجيع العودة الطوعية للاجئين العراقيين في السويد إلى العراق وإجبار بعضهم على العودة، ورفض طلبات لاجئين عراقيين جدد بحجة أن الأوضاع في العراق استقرت والوضع آمن، فليس هناك مبرر لإعطاء لجوء للعراقيين، مع العلم أن الجالية العراقية بالسويد أكبر جالية عربية فيها.

وما لفتني أيضاً صعود التيار اليميني في السويد والذي يعلق مشكلة الأزمة الاقتصادية في السويد على قضية اللاجئين هناك، وكذلك تصاعد الإسلاموفوبيا في الغرب عموماً. وهكذا بدأنا العمل على حلقة لبرنامج "تحت المجهر" عن قضية اللجوء العراقي إلى السويد من خلال معالجة عدة قصص لبعض الشخصيات الذين هاجروا إلى السويد، قصة لجوئهم، عوامل الطرد والجذب، ثم مدى تأثرهم بالمجتمع السويدي وتأثيرهم فيه.

ومن الأمور التي حفزتني على إخراج هذا العمل هو التناقض، فمن جهة هناك لاجئون عراقيون استطاعوا الاندماج في المجتمع السويدي ويعيشون بطريقة، يرونها، أفضل من وطنهم العراق، وبالمقابل هناك لاجئون عراقيون وجدوا أنفسهم في بيئة تهمشهم وتزيد معاناتهم، فنجد الكثير من أساتذة الجامعات يعملون بمهن لا تناسب شهاداتهم، كسائقي تاكسي مثلاً، فلم تستطع الحكومة السويدية خلق فرص لإدماجهم في المجتمع بإيجاد فرص عمل مناسبة لهم وتعليمهم اللغة بشكل احترافي.

حاولنا في هذه الحلقة وضع السويد تحت مسطرة المعايير التي يجب اتباعها حسب اتفاقيات حقوق الإنسان عالمياً مع اللاجئين، فبلد يحترم حقوق الإنسان والقانون وشجع الهجرة إليه، يجدر به أن يخلق برامج لإدماج اللاجئين واستيعابهم، فرغم الحرية التي تمتع بها العراقيون بالسويد، إلا أن صراع الهوية والعادات والتقاليد ما زال ماثلا، إضافة إلى تكتل اللاجئين بمناطق معينة أصبح ينظر إليها في كثير من الأحيان بالخوف وأحيانا بالعنصرية.

استغرقت مرحلة البحث والإعداد منا ما يقارب خمسة أشهر إلى أن وصلنا لكافة الشخصيات التي نريد التصوير معها بالفيلم والحصول على القصص التي نستطيع معايشتها لتسليط الضوء على قصصهم.

فقمنا بتطوير الملف وخلق معالجة موضوعية وبصرية لنقل قضية الهجرة العراقية إلى السويد بمختلف مراحلها التاريخية وكيفية تغير نظرة المجتمع السويدي للمهاجرين العراقيين على عدة مراحل زمنية متتابعة، وكذلك تناول بعض الممارسات العنصرية ضد المهاجرين العراقيين في المجتمع السويدي، وكيف أنه ظهرت بعض الأحزاب العنصرية التي تدعو إلى تسفير العراقيين وإعادتهم إلى بلدهم.

وحاولنا في الحلقة مقابلة المعنيين في الموضوع من جميع الأطراف، المسؤولين والسياسيين السويديين ونماذج مختلفة من اللاجئين العراقيين، لنخلق توازناً موضوعياً في طرحنا لهذا الملف.

واجهتنا صعوبات عديدة في العراق للوصول إلى قصة لاجئ عراقي عاد قسرياُ إليها، بسبب الظروف الأمنية هناك. استغرق هذا الفيلم ما جاوز ثمانية أشهر من العمل المتواصل من قبل فريق العمل ليخرج للمشاهد بصورة واقعية لما يجري بالسويد من قصص نجاح وقصص فشل وعن سياسات تمارس بالخفاء من قبل الحكومة السويدية، وكذلك الحكومة العراقية.

ونأمل من خلال هذه الحلقة تسليط الضوء لملف يستحق أن يكون تحت المجهر، وأن نجيب على تساؤل العراقي البسيط: كيف لحكومة تضع معايير حقوق الإنسان بالواجهة أن تعيد شخص إلى العراق الآمن -حسب زعمهم- ليقتل هناك؟.

المخرج - محمد عمر