- مالي.. تراث عالمي
- الوثنية في مالي


عياش دراجي: مَن لا يعرف أين التُقِطَتْ هذه الصور، مَن لم تُرَسَّخ في ذهنه أن أفريقيا هي فقط مجاعة وفقر أو هي المجاعة والفقر ذاتهما وأنها أيضاً مرض الإيدز والحروب الأهلية والتناحر من أجل السلطة والتخلف بشتى صوره، أهكذا يبدو المشهد الأفريقي أو هكذا يراد له أن يبدو ولكن القارة السمراء لو أُطْلِقَ عليها اسم القارة الخضراء لَما كان ذلك تَجَنِّياً على اللون ولا شطَتاً في الوصف خُضرة تعني الثراء والعطاء أو باختصار تعني الحياة والأرض الأفريقية حية تتكلم كل لغات العالم مناجمها النفيسة يصل نتاجها إلى آفاق الدنيا ويوفر لنساء العالم أغلب الحُلي والزينة ولو نطقت أحجار الألماس لقالت بأن أمها الشرعية أفريقيا، أفريقيا إذاً لها وجهاً آخر غير المُشاع عنها فقط فيها حتى الأفراح ولكن مَن يهتم بأفريقيا إن فتحت قوس فرح في فضائها الداكن، أفريقيا تأبى أن يبتلع السواد بقية ألوانها وأن يغمر الأنين زغاريد النساء.

مالي.. تراث عالمي

اخترنا أن نضع بلداً واحداً منها هذه المرة تحت المجهر بلد يحمل كل المواصفات الأفريقية الحقيقية هو جمهورية مالي، فََرَس النهر هذا يسمى مالي بلغة البنبارا وربما تسمت به البلاد وفاء لنهر النيجر هذا النهر الذي يمتد في جغرافيتها لأكثر من ألف وسبعمائة كيلو متر وكأن البلاد تريد أن تكون لها شراسة فرس النهر إن أوذي ومسالمته ما لم يؤذى وقبل سبعة قرون تسمت هنا إمبراطورية قوية باسم مالي وبلغ نفوذها آفاق غرب أفريقيا لكن يبدو أن مسطرة الجغرافية انتقمت من عظمة التاريخ تاريخ بلد ضم بين شماله الصحراوي وجنوبه السواحلي أكبر إمبراطوريات غرب أفريقيا، غير بعيد عن القصر الرئاسي لم تتحرج الدولة من إقامة ساحة نُصبت بها تماثيل بعض من جاؤوا إلى استكشاف البلاد في القرن التاسع عشر حتى لأغراض استعمارية لاسيما الجنرال الفرنسي أرشينار الذي أتم إخضاع البلاد إلى سطوته عام 1898 وصارت بعدها منطقة أفريقيا الغربية فرنسية خالصة. العاصمة باماكو تحتفظ اليوم بمعالم معمارية تعود إلى حقبة الاستعمار محطة قطاراتها كانت بنية تحتية حيوية لدعم وتعزيز التوسع الاستعماري وهنا توقف قطار البضائع والتموين أول مرة عام 1904 وكانت باماكو ولا تزال هي آخر محطة له في اتجاهه شرقاً وسمي البلد عقب ذلك بالسودان الفرنسي، بدأ مالي في الانعتاق التدريجي عام 1946 إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية وبعد حركة تحرر نال استقلاله كاملاً عام 1960 وشهد عقب ذلك انقلابين فقط كان آخرهما في ربيع 1991 ثم دخلت البلاد في تعددية سياسية وتحاول اليوم الالتزام بنهج ديمقراطي وقيم العدالة الاجتماعية، الماليون مزيج من أصول وأعراق كثيرة من قبائل البنبارا ثم الفولان والسينوفو والسومينكي والسونغاي والدوغون والبربر والطوارق تعدادهم أحد عشر مليون نسمة أكثر من 90% منهم مسلمون وأغلب البقية وثنيون، كلهم يشكلون نموذج للتعايش والتسامح والعمل الدؤوب ولا مجال للكسل وانتظار المعونات، ها هي العاصمة باماكو التي تعتبر مدينة أفريقية بامتياز تمتد محتضنة نهر النيجر على طول أربعين كيلو متراً وتتركه يشق طريقه نحو الشمال الشرقي، نهر الأنهار كما يسمونه هو ثالث أنهار أفريقيا بعد النيل ونهر الكونغو. انطلقنا من العاصمة باماكو بمحاذاة النهر لننزل تباعاً في الحواضر والمدن التي تمثل محطات حضارية أسست فيها إمبراطوريات شهد لها التاريخ بالغلبة والتأثير، قبيل الوصول إلى محطتنا الثانية مدينة جني كنا قد قطعنا خمسمائة وسبعين كيلو متراً ولكن لابد من عبور وادي باني المتفرع من نهر النيجر والذي يطوق مداخل المدينة وكأنه يحرس عظمتها وأمجادها، حين دخولك المدينة التي أسست في نهاية القرن التاسع الميلادي تخال نفسك تلج إلى الماضي ويتراءى لك شاخصاً كأنه الحاضر، مدينة مبنية كلها من الطين فاستحقت أن تُصَنَّف كتراث عالمي عام 1988 فازدادت افتخاراً بطينها وازدادت به أكثر، مسجدها هو أكبر مسجد مبني بالطين في العالم وكل طوبة منه تحمل إجماع المدينة وما حولها إذ تعاون أهل المنطقة في صناعة طوبه وبنائه ويشتركون أيضاً في ترميمه وإلباسه حلة طينية كلما اقتضت الضرورة مع الوفاء للهندسة الأولى الهندسة السودانية السواحلية.

"
نبدأ عادة العمل بجمع التراب المناسب ثم نَصُبُّ عليه الماء ونتركه يتخمر وكان من قبلنا من البَنَّائين يدعون جميع القبائل لتُسْهِمَ في العمل وتصنع منه طوبا
"

        مافوني كاينتاو

مافوني كاينتاو- مهندس معماري: نبدأ عادة العمل بجمع التراب المناسب ثم نَصُبُّ عليه الماء ونتركه يتخمر وكان من قبلنا من البَنَّائين يدعون جميع القبائل لتُسْهِمَ في العمل وتصنع منه طوباً وتشترك تلك القبائل في البناء أيضا.

عياش دراجي: بُنِيَ المسجد قبل سبعة قرون ويعتبره أهل جني جوهرة أفريقيا.. نعم جوهرة من طين فهنا لا شيء يعلو على الطين وحتى وإن بُنِيَت بقية المدن بالرخام أو الأحجار الكريمة فإن جني متمسكة بطينها ربما كي تكون أقرب إلى أصل الإنسان ويكفيها هذا مبرراً كي لا تُغرى بأي شيء آخر لا يرقى لأن يكون طيناً فهي لا تبالي ببقية المدن وتريد أن تنطح السحاب بروحها لا بجمادها، اشتهرت المدينة بِبَنَّائيها منذ ألف عام وكانت تفاخر بهم بقية المدن والحواضر وفي ظل الإمبراطوريات المتعاقبة عاشت جني ازدهاراً كبيراً في التجارة والصناعة وفي علوم ومعارف شتى وكانت مساجدها جامعات ومراكز إيمان وعلم وعمل تنافس في ذلك مدينة تنبوكتو. المدينة الروحية لا تخلو من أساطير مازال الناس يحكونها حتى اليوم فها هنا توجد بئر تحمل اسم السلطان المغربي الذي أسقط إمبراطورية سونغاي في نهاية القرن السادس عشر، بئر تقول الأسطورة إن بها جن كانت القوافل المغربية المسافرة شمالاً تستخدمها للتأكد مما إذا كان الطريق سالكاً وآمناً لكن لم نلاحظ في البئر قطرة ماء فضلاً عن الجن. وغادرنا المدينة تاركين لها وادي باني يحرس هيبتها وغربت علينا شمس جني فزادت الأجواء رقة وهَمَّ الليل باحتضان آخر أشعة الشمس. نهر النيجر يلتقي بوادي باني في مدينة موبتي التقاء يعطي زخماً كبيراً لحركة النقل والتنقل ويزيد في حيوية الجزر الثلاث التي صنعها اتصال النهر في الوادي، هذه الضفاف تشهد منذ القدم على ارتباط الإنسان بأسباب عيشه وسعيه لتحصيل قوته، الحركات هي نفسها منذ مئات السنين على ضفاف هذا النهر الذي يعتاش من جريانه ومن مياهه أكثر من مائة مليون شخص في دول التسع التي يمر بها بطول أربعة آلاف وخمسمائة كيلو متر، ركوب النهر يشعرك بشيء من السلم والطمأنينة فأمواجه تتهادي كأنها ترحب بالراكب لو ركبنا نهر النيجر انطلاقا من العاصمة باماكو باتجاه الشمال نحو مدينة موبتي لاستغرقنا ثلاثة أيام كي نصلها وموبتي بلغة الفولاتا تعني التجمع أطلق عليها أحد السلاطين هذا الاسم ليجعل منها ملتقى للقبائل المتعددة الأعراق والأجناس وهي لا تزال على هذه الحال وتحتل المركز الثاني من حيث عدد السكان بعد العاصمة باماكو وفي موبتي يلتقي كل التجار من أصحاب القوارب والقوافل الكل يجلب بضاعته إلى المدينة التي تسمى فينيسا مالي أو بندقية مالي نسبة إلى مدينة البندقية الإيطالية ويزداد أهلها افتخاراً بالقول بأنها أجمل مدينة في مالي وتلك الطيور هناك كان ريشها في عهود خلت يصدر إلى أوروبا لتُزَيََّن به قبعات النساء، أهل موبتي يصنعون مراكبهم ولا يستوردونها من الخارج.

سوري إبراهيم جينيبو- صاحب ورشة لصناعة القوارب: مسألة تصنيع القوارب تبدأ من الخشب نصنعها من خشب اسمه كايسدرا وصناعة قارب واحد حمولته طن تستغرق خمسة عشر يوماً هذا إذا تعاون فيه عدة أفراد أمَّا إذا صنعه حرفي واحد فقد يستغرق تجهيزه خمسة وعشرين يوماً بينما يستغرق تصنيع القارب الذي حمولته خمسة أطنان شهراً كاملاً، هناك أشخاص يشترون قوارب من هنا ويرسلونها عبر السفن إلى الخارج أو حتى إلى أوروبا وأيضاً هناك من الأوروبيين مَن يأخذوا معهم صانعي القوارب لتصنيعها هناك.

عياش دراجي: المرأة الأفريقية هي.. هي لم تتغير يطغي نشاطها على نشاط الرجل وتبرع في تصريف الأمور بمسؤولية كبيرة تتجاوز مسؤولية البيت. موبتي كبقية مدن مالي لم تُنْسِها التجارة التمسك بهويتها ويعمل بعض الدعاة خاصة التابعين للجنة مسلمي أفريقيا في الحفاظ على كتاتيب تعليم القرآن وتربية النشء تربية إسلامية.

إبراهيم كوليبالي- داعية ومدير التعليم في مدرسة نور الدين: لقد ثبت أيضاً علمياً بأن الذي يُبدأ التعليم تعليم القرآن الكريم يكون أكثر ذكاء من الذين يذهبون إلى المدارس النظامية هكذا إذاً قمنا بتوعية عبر الإعلام في المساجد والناس لمَّا بدأنا لأنه لنا خمس سنوات في هذا لدينا خبرة والناس يعني رؤوا أن هذا أكثر فائدة لأن في بداية السنة الأولى لمَّا بدأنا وجدنا خمسين طالب والسنة الثانية ازدادوا واليوم نحن في ثلاثمائة وزيادة ولنا خمسة فصول هذا لم يكن من قبل وهذه السنة الناس رؤوا أن هذا أكثر إنتاجا وفائدة من الكُتَّاب فقط قلت لكل طالب يدخل يدفع رسوم رمزية هذا عبارة عن خمسمائة فرانك ثم في كل يوم أربعاء من الأسبوع يدفع كل واحد منهم مئة فرانك وهذا الذي نجمعه نوزعه على المدرسين لأنهم أيضاً أكثر احتياجاً وإن كان جزء منه مادياً وإنما الجزء الآخر هو المعنوي الذي يكون في سبيل الله.

عياش دراجي: مشهد الغروب في موبتي يجعل أهلها يؤكدون أن قرص الشمس هنا تُشَدُ له الرحال للتأمل في جماله وأنه يبدو أكبر منه في أي مكان آخر في العالم وذكرنا هذا اللون بالذهب الذي تنتجه البلاد وتحتل به المرتبة الثالثة في أفريقيا. على بعد مئة كيلومتر شرق ضفاف نهر النيجر تبدأ منطقة بنديغارا الجبلية المصنفة ضمن التراث العالمي ولسبر أغوارها استعنا بمحمد بشير أستاذ لغة عربية هنا كدليل لنا يعرف المنطقة وخصائصها لاسيما عبادة الأوثان الشائعة فيها.



الوثنية في مالي

محمد بشير- أستاذ لغة عربية: هنا سكن أول ساكن بنديغارا اسمه تمبري عام 1735 الميلادي وهذا هو مسكنه كان يسكن هنا وكان صياداً يصيد الغنم ويبيع اللحم هنا نحن الآن في مملكة الدوغو في قرية كمديغلي.

عياش دراجي: كمديغلي.

"
كمديغلي قرية كانت عاصمة مملكة الدوغو القديمة السياسية والعلمية والدينية لأنهم كانوا جميعا يعبدون الأصنام
"
   محمد بشير
محمد بشير: كمديغلي وهذه القرية كانت عاصمة مملكة الدوغو القديمة السياسية والعلمية والعبودية لأنهم كانوا جميعاً يعبدون الأصنام، عام 1864 الميلادي تفرق قليل من هذه القرية وأسلموا على أيدي هؤلاء المسلمين الآتين منذ ذاك الوقت بدأ الإسلام يدخل عليها شوي.. شوي إلى عام 1996 الميلادي قد دخلت لجنة مسلمي أفريقيا على هذه القرية بتحركاتها الدينية الإسلامية لذلك هذا المسجد الذي نراه من ثمرات عمل لجنة مسلمي أفريقيا أغلبيتها مسلمة لأنها بدأت الإسلام منذ عام 1864 الميلادي ولكنها مجاوِرة لقرى وثنية يتواصلون اجتماعياً لكونهم من أسرة واحدة ولكن لا يتواصلون دينياً، هذه القرية هي أكدت على نفسها أن تعتني بشرعها الإسلامي في جميع القرى بُني المسجد فيها وفروعها بنوا المدرسة الإسلامية في المدرسة التي يتعلم فيه جميع صبيان هذه القرية.

[فاصل إعلاني]

عياش دراجي: الوثنيون اختاروا أن يسكنوا أماكن أعلى منذ أن قدموا هنا قبل ستة قرون من المناطق الغربية على مشارف قرية سانغا الراسخة في الوثنية لم نتمكن من تصوير صنمها الذي يستقبل الزوار إلا بعد مفاوضات. ماذا قال لك يا بشير؟

محمد بشير: يقول ألاَّ أتقرب إليه ألاَّ أتقرب إليه.

عياش دراجي: آلهة من طين شاحبة الملامح وسط صخور عاتية تُقَدَمُ لها القرابين مقابل الاعتقاد بقدرتها على حماية القرية ومباركة أهلها يرافقها في المهمة وثن صغير ولا يُسمح بالطواف بينهما سوى للأطفال وغير المتزوجين فاكتفينا بالتصوير الجانبي لعدم توفر المواصفات في المُصَوِّر، أطفالهم يستقبلون الزوار بأغاني ترحيبية ولكن بثمن فهنا كل طفل يطلب منك هدية على الأقل مقابل ترانيم الترحيب.

محمد بشير- أستاذ لغة عربية: اختاروا قمة الجبال لخوفهم أيضاً لو كانوا على قمة الجبال ربما سيرون الآتي من بعيد قبل أن يراهم ويختفون في الهضبات والغارات واختاروا أيضاً سكونهم في الغارات حماية لهم وجرى العادة أن لا يصل إليهم بسهولة ولهم عادات كثيرة عاداتهم الأولى كانت متصلة بالوثنية ما كانوا يعبدون الله حق عبادته ما كانوا مسيحيين بل كانوا وثنيين فقط، لكل شيخ كبير من الدوغونيين له صنمه وله ذريته وله مملكته وله قريته وله لغته.

عياش دراجي: منطقة تبدو كمعبد سري أو بقعة متوردة على الجغرافيا هاربة من التاريخ يبدو فيها شعب الدوغون كمتحف حي من البشر أو كمتاهة أو لغز في علم الاجتماع، مساكن الدوغون تجاورها بيوت صغيرة يخزنون فيها محاصيلهم الزراعية وكل مخزن له سقف مخروطي يمنع تسرب مياه الأمطار إلى الداخل، الدوغون يستقطبون اليوم اهتمام كثير من الباحثين لا سيما المولعين بما يسمى في أوروبا النيوقروية وهي اتجاه فلسفي اجتماعي جديد يدعو إلى العيش في القرى من جديد وينتقد حياة المدن بدعوى إنهاكها الإنسان فكراً وجسداً.

محمد بشير: إذا توفي واحد منهم يدخرونه حتى الآن في الغارات في غارات الجبال لا يدفنونه كما يدفنوه الإسلام أو كما يدفنوه المسيحيون، واحد إذا كان سنه جاوز الستين سنة برفاته كانوا يُخرجون هؤلاء الراقصين يلبسون ثياب أحمر وله تمثيلات على رؤوسهم على أشكال الحيوانات الوحشية أو الحيوانات الأهلية أو الإناث أو الذكور أو الإناث إذاً يرقصون رقصاً كبيراً لوفاة هذا الشيخ الذي مات وعمره جاوز الستين سنة وهذا الرقص أيضاً كانت متعلقة أيضاً في كل سنة يخرجون ويرقصون ويذبحون على أصنامهم لكي يقابلوا فصل الربيع طلباً من الأصنام التي هم يعتبرون إلهاً أن يجدوا مطرا غزيراً ويجدوا عيشاً رغداً.

سيكو دولو- قائد فرقة دوغونية: في الواقع هذه الرقصة ينظمها في المجتمع الدوغوني كل ثلاث أو كل أربع سنوات والمناسبة هي إعلان انتهاء مراسم الحداد وحسب المعتقدات الدوغونية فإن الإنسان يولد ويشيب ويشيخ فيموت وبعد الشيخوخة من المفترض أنه يذهب إلى عالم آخر وهذا الرقص نعبر به عن اجتياز الميت لكل هذه المراحل وهذه هي طريقتنا في استذكاره وتوديعه إلى ذلك العالم الآخر، هناك رقصات وثنية فخلال الأمسيات التعليمية يكون الرقص مختلطاً بين الرجال والنساء وهناك رقصات مقدسة تُلبس فيها الأقنعة جزء منها في الأماكن المحرمة أو الممنوعة وهذه الرقصة التي شاهدتموها في الهواء الطلق يمكن للجميع أن يشاهدها وتُلبس فيها الأقنعة كذلك.

عياش دراجي: الرقص عند الدوغون جزء من عقيدتهم الوثنية وهناك طقوس رقص خاصة تسمى بالسيغي لا تنظم إلا كل ستين عاماً وعلى من يريد متابعتها أن يتحلى بالصبر الطويل إن طال عمره.

أحد شيوخ قرية سونغا: لماذا ستون عاما؟ لأن هناك نجمة تظهر كل ستين عاماً وخلال ظهروها نرقص والشيوخ يجعلون المناسبة فرصة لنشر تعاليمنا وتلقينها لشباب الدوغون رقصاً أو غناء.

عياش دراجي: أما تلك الخيمة المنصوبة هناك فتسمى خيمة توغنا وهي معلم آخر من الثقافة الدوغونية مفعم بالحكمة والغرابة تنصب وتصمم قصيرة وتحتها تعقد جلسات واجتماعات شيوخ القبيلة وقد قُرِّبَ سقفها من رؤوس المجتمعين كي تكون صمام أمان ضد أي طيش أو ثورة غضب وإن همَّ غاضبا بالقيام أوقف رأسه عند سقف الخيمة هذا إن لم يتسلل الغاضب إلى خارج الخيمة ليفتك بأعصابه في الهواء الطلق.

أحد شيوخ قرية سونغا: لو تحدثنا عن تاريخ خيمة التوغنا فهي قبل كل شيء مكان استراحة للشيوخ وأيضاً مكان أو سقيفة للتشاور بداخلها أو تحتها بشأن مشاكل القرى ولو أرادت قرية أن تنظم حفلاً تقليدياً فأن القبائل تتشاور هنا وتحدد موعداً لذلك.

عياش دراجي: ولكن الأغرب في المنطقة هي مساكن الشعوب التي سبقت الدوغون والتي دفعت منظمة يونسكو إلى تصنيف المنطقة كتراث عالمي هي مساكن شعوب التِلام، يُعتقد أنهم هاجروا أو انقرضوا وكانوا أولئك أكثر التصاقاً بالجبال وكأن الأرض ضاقت عليهم بما رحبت أو قفلت من أطرافها ولم يجدوا إلا بناء كهوف وحفر غيران لهم هندسة استثنائية تثير التساؤل عن كيفية وصولهم إلى هذه الغيران والكهوف ويفترض بعض الباحثين أنه كانت هناك شبكة نقل عمودي من الحبال والألياف النباتية الملاصقة لهذا المنحدر السحيق ويُعتقد أن تِلام كانوا من الأقزام ولكن صورة مالي لا تكتمل دون الذهاب إلى تنبوكتو الواقعة على بعد سبعمائة كيلومتر من منطقة الدوغون، في طريقنا إليها نرى كيف أن مالي بها تنوع وثراء في المناخ والتضاريس وأن أرضها فيها تتزين بكل صنوف المشاهد كلما لمحنا جملاً زاد شوقنا لرؤية الصحراء في تنبوكتو وتراءى لنا أن هذا الجمل يعاند صاحبه ويريد أن يرافقنا وكأن له شوق هو الآخر إلى بحر الرمال حول تنبوكتو، تنبوكتو فضلت أن تتخذ لها مكان قصياً عن نهر النيجر بنحو عشرين كيلومتر وفضلت أن تنشأ لؤلؤة بين كثبان الصحراء ولا يدخلها الداخل دون مشاهدة القوافل القادمة من الشمال تلك القوافل أسهمت في بناء تاريخ تنبوكتو التي كانت منارة علم قبل عدة قرون، لم تكن القوافل الوافدة إلى مدينة تنبوكتو دائماً قوافل تجارة بل كانت أيضاً قوافل علما توصل الليل بالنهار لتنقذ مخطوطات وتحمل مكتبات بكاملها إلى طلاب العلم على مَرِّ السنين، في الحلقة المقبلة سننزل جميعاً ضيوفاً على تنبوكتو التي تقاوم النسيان وترفض أن تغرب عنها الشمس.