مقدم الحلقة أسعد طه
ضيوف الحلقة عدة شخصيات
تاريخ الحلقة 25/3/1999




عمر البشير
حسن الترابي
القس ماثيو ماثينج
منصور خالد
أسعد طه
أسعد طه:
وحين تكبر وحين يشتد عودك، تذكر أن علامة البلوغ قدرة المرء على الغفران، وأن في الأرض خصوبة، وفي النهر كل أسباب النماء، وأن الشمس لك، والقمر لك، وأن الماء والخضرة والوجه الحسن للزيادة لا للنقصان، وأن الحزن يجبه الفرح، وأن الكفر يجبه الإيمان، وأن ليس من الإيمان قتل المرء لأخيه!!

السلام عليكم، قرابة خمسين عاماً، نصف قرن من الزمان والسودان يئن من ويلات حرب في الجنوب ما تلبث أن تهدأ لتشتعل من جديد، مسببة المزيد والمزيد من الخسارات المادية والبشرية التي ترهق البلاد، وتهدر طاقاتها، وتجهض كل خطط تسعى لتحقيق التنمية والاستقرار الاقتصادي. حكومات متعددة تعاقبت على الخرطوم، لكن مسألة الجنوب لم تسلط عليها الأضواء بشكل كافٍ إلا مع وصول الإسلاميين إلى السلطة، ومطالبتهم بتطبيق الشريعة الإسلامية، وقد اعتبرت التيارات المناوئة محلياً وإقليماً ودولياً، أن الفرصة باتت سانحة لاستخدام ورقة الجنوب لتنحية الإسلاميين عن السلطة واثبات فشل مشروع الإسلام السياسي، لكن القضية شهدت تطورات متعددة خلال السنوات الأخيرة، سنحاول الليلة استعراض مفرداتها.

مفردات أزمة جنوب السودان هذه مهما تعددت وتباينت فإنها لن تخفي أبداً حقيقة أن مسألة الجنوب السوداني في الأساس هي قضية شعب يعاني، وحقوق مشروعة، ومطالب في أغلبها عادلة، بمعنى أن هذا هو همنا الليلة، وأي حديث عن صراعات بين هذا الفريق أو ذاك يجب ألا يلهينا عن فهم لب المسألة، وفي المسألة أن الجنوب يشغل حوالى سبعمائة ألف كيلو متر مربع من تراب السودان، وهو ما يكافئ 28% من مساحة البلاد، وتمتد حدوده الدولية إلى ألفي كيلو متر وتجاوره خمس دول هي (إثيوبيا) و(كينيا) و(يوغندا) و(الكونغو) و(إفريقيا الوسطى).

وبحسب التقسيم الإداري الحالي فإن الجنوب السوداني يتكون من عشر ولايات هي: ولاية أعالي النيل، وولاية جونجلي، وولاية الوحدة، وهذه الولايات الثلاث كانت تسمى من قبل بإقليم أعالي النيل، ويتكون الجنوب السوداني كذلك من: ولاية البحيرات، وولاية واراب، وولاية شمال بحر الغزال، وولاية غرب بحر الغزال، وتشكل هذه الولايات الأربع ما كان يعرف من قبل باسم إقليم بحر الغزال، أما الولايات الثلاثة المتبقية فهي: ولاية غرب الاستوائية، وولاية بحر الجبل، وولاية شرق الاستوائية أو إقليم الاستوائية سابقاً، وتضم الولايات الجنوبية العشر هذه أكثر من ثلاثين محافظة.

وبحسب التقديرات فإن المراعي تشكل 40% من الجنوب السوداني، والأراضي الزراعية 30% فيما تشغل الغابات الطبيعية 23% والسطوح المائية 7% من جملة المساحة. والملاحظ أن هذه المساحة الشاسعة للجنوب السوداني لا تقابلها نفس الكثافة من السكان، فحسب آخر إحصاء أُجرِي عام 83 فإن سكان الجنوب يبلغ عددهم حوالي خمسة وثمانين ونصف المليون نسمة، أي ما يقرب من ربع سكان البلاد، ورغم أن من المسلم به وجود فوارق اجتماعية وثقافية تفصل ما بين شمال السودان وجنوبه إلا أنه من الخطأ التعامل مع الجنوب كوحدة إنسانية واحدة، فالواقع يشهد أن هذه المنطقة من البلاد تتمتع بثراء عريض في التنوع العرقي والثقافي وتركيباتها الاجتماعية والسكانية تفيد أن الجنوب السوداني تسكنه قبائل كثيرة، مختلفة العروق والأصول، متباينة العادات والتقاليد، تتكلم اثنتي عشر لهجة، واللغة المشتركة هي العربية المحلية، أي اللغة العربية وفق نطق تغيب عنه القواعد النحوية وبلسان أعجمي.

وتعد (الدنكا) أكبر قبائل الجنوب، حيث تمثل 44% من إجمالي سكاني الجنوب، تليا قبيلة (النوير) بنسبة 15% من السكان، تليها قبيلة (الشلُك) التي لا يتعدى أفرادها 170 ألف نسمة، والملاحظ أن كل قبيلة هنا قد انغلقت على نفسها، وتصاهرت فيما بينها، ولهذا لم يتم الانصهار بين القبائل الجنوبية، وبالتالي فإن هذه التعددية القبلية قد صحبتها تعددية في المعتقدات والأديان، وفيما يخص هذه الأخيرة -وفي ظل غياب إحصاءات رسمية دقيقة- فإن التقديرات تشير إلى أن 17% من أبناء الجنوب هم مسيحيون، 18% مسلمون، بينما 65% -أي الغالبية العظمى من سكان الجنوب- هم من الوثنيين، وذلك على النقيض من الصورة المروجة من أن الجنوب السوداني تسكنه أغلبية مسيحية، وأن للخصام الشمالي الجنوبي مرجعيته الدينية.

الأسقف هنري شوري (مجلس الكنائس السوداني الجديد):

الإسلام هو دائماً مسألة سياسية، إنه ديانة سياسية، السلطات الحكومية تتكلم عن الإسلام وتبشر بالإسلام، بينما الحكومة في الجنوب هي التي يجب أن تكون الحكومة الوحيدة في البلاد، هكذا ينظر الجنوب إلى الأمر. السلطات الشمالية تبشر بالإسلام، وذلك كي تتمكن من السيطرة على السودان بأكمله، وإقامة حكم إسلامي في البلاد.

أسعد طه:

منصور خالد مسلم من شمال البلاد، لكنه آثر في وقت مبكر الانضمام إلى المعارضة الجنوبية، وليصبح المستشار السياسي للزعيم الجنوبي المسيحي (جون جارانج).

منصور خالد (المستشار السياسي لجون جارانج):

طبعاً الأزمة تاريخياً أسبابها هي عدم استجابة السلطات الحاكمة في الشمال للمطالب المشروعة للجنوبيين اللي بدأ منذ الاستقلال بمطلب الـ Federation، وحدت تنكر من جانب القيادات السياسية التي التزمت بذلك، ثم السعي المستمر لفرض هيمنة ثقافية دينية، وهذا الأمر أخذ بُعد أكبر في.. في ظل الحكومة الراهنة، وإلى أن جاءت فترة مايو التي تم فيها الاتفاق، وكان في هذا.. كان يجب أن يكون في هذا درس لكل القيادة السياسية بإنه هذه المشكلة التي لا يمكن أن تحل حلاً سياسياً إن قبل حكام الشمال مبادئ معينة، مثل مبدأ حق الجنوب في قدر من الاستقلال الذاتي لحكم نفسه، أيضاً مبدأ أن يكون هنالك دستور علماني، دستور يفصل بين الدين والسياسة، وهذه هي طبيعة الدستور اللي وضعه نميري قبل أن ينقلب عليه، وأن يكون هنالك أيضاً اعتراف بالخصائص الثقافية لأقوى المسؤولين المختلفين.

أسعد طه:

قضية جنوب السودان هي اضطهاد العرب المسلمين في الشمال للأفارقة المسيحيين في الجنوب، هل هذا صحيح؟

حسن الترابي (رئيس المؤتمر الوطني):

هذا التعبير ليس إلا تعبيراً صُوِّرت به في.. في بعض مراحل الأزمة، لما نزل الاستعمار على السودان بالطبع كانت له قضايا تاريخية مع العالم العربي الإسلامي منذ الحروب الصليبية وهي الحملات الاستعمارية الأولى، فلا إن كان إفريقيا.. شمال إفريقيا معزولاً عن الوسط والجنوب بالصحراء إلا أن النيل هكذا يصل الشمال إلى الجنوب، فمنذ إذن رأوا أن يغلقوا الجنوب، وانسد الجنوب بالقانون، لا يصل الشمالي الجنوبي إلا بإذن كالجواز والعكس صحيح، ولا يصل الجنوبي أصلاً للشمال!!

والثقافة العربية قتلت في الجنوب تماماً، حتى الثقافة الإسلامية، حتى الصلاة ظاهراً منعت تماماً، والتعليم حصر فقط في المدارس التبشيرية الكنسية باللغة الإنجليزية، وحسب ما وزع الجنوب على الكنائس الأوروبية، وبدأت قضية الجنوب والبريطانيين يحكموننا، هذه الألغام التي تركوها بدأت تتفجر وهم حاكمون، واطمأنوا أنهم يتركوننا كما يرون يعني.. فالقضية متطاولة، ولكن في.. في الأيام.. في زمان أخيراً بدأت.. دخلت قضية العروبة والإسلام. هذه القضية تُطرح هكذا فقط في.. في إفريقيا أو للأفارقة في أمريكا مثلاً، لأن الأفارقة لا يعرفون السودان ما هو، فهذه كلمة روجت لترويج قضية الجنوب والقضية أصولها ليست ثقافية بمعنى اللغة العربية أو العرب والإسلام.

أسعد طه:

لاجئون سودانيون في أحد المخيمات
الاختلاف في توصيف داء الجنوب يجهد -بلا شك- أية محاولات للتوصل إلى دواء ناجح، لكن هناك ثمة اتفاق على دور أساسي لعبه المحتل، في الأول من شهر يناير/ كانون الثاني لعام 56 كان الاستعمار البريطاني أن يحمل عصاه ويرحل عن السودان، كانت البلاد على موعد مع الفرح آنذاك، ثمة شوكة زرعها المحتل قبل رحيله أدمت -فيما بعد- شعبًا بأكمله، فقد عمد الاستعمار البريطاني -في وقت مبكر- إلى تبني فكرة فصل الجنوب عن الشمال، وواكب ذلك بسياسات وخطوات عملية كان منها:

-إصدار قانون المناطق المغلقة، والذي حال دون حرية تنقل المواطنين بين الشمال والجنوب.

-إتاحة الفرصة للمبشرين وللكنائس الأوروبية للتمركز والعمل في الجنوب.

-محاربة اللغة العربية، وتوجيه زعماء القبائل للتخلي عن الأسماء واللباس العربي. -فرض اللغة الإنجليزية كلغة تعليم أساسية، وشرطٍ للقبول في الوظائف الرسمية.

-اعتبار العطلة الرسمية يوم الأحد.

-تشكيل فرق عسكرية جنوبية منفصلة عن تنظيمات شمال السودان العسكرية.

-اعتماد مشاريع تنمية غير متكافئة بين شقي البلاد.

لقد قصد المحتل البريطاني هدفاً، وعمل مخلصاً له وفق حساباته الخاصة ضارباً بالمصالح الوطنية عرض الحائط، لكنه -في كل الأحوال- رحل، ورحل قبل ثلاثة وأربعين عاماً، ولا يجب أن نبقيه مشجباً نحمله مسؤولية الأزمة الطاحنة الراهنة بين شقي البلاد. هناك -بلا شك- أسباب موضوعية تتحمل قدراً عظيماً منها الحكومات التي تعاقبت على سدة الحكم في الخرطوم، والتي تجاهلت مطالب الجنوبيين بتقاسم الثروة والسلطة مع أشقائهم في الشمال.

مشقة الأيام التي قضيناها في الجنوب السوداني كانت تخففها تلك المشاهد الرائعة التي تتمتع بها المنطقة. الطبيعة الخلابة ليست هي رأس مالها الوحيد، فالجنوب يزخر بثرواته الحيوانية والزراعية والطبيعية، وغاباته الاستوائية، ومعادنه الهامة مثل: النحاس والذهب والفضة واليورانيوم، وهي ثروات مازالت بكراً لم تستغل، ثم إن هنا النفط، وحيث تشير التقديرات إلى أن الكميات المتوقع أن ينتجها السودان من كل أراضيه في العام المقبل سوف تصل إلى 250 ألف برميل بترول يومياً أي ما يزيد عن ضعفي كمية ما تستخرجه البحرين على سبيل المثال، وأن احتياطي بترول السودان يفوق احتياطي إيران والسعودية، وهو الأمر الذي يزيد مسألة الجنوب تعقيداً باعتبار أن هذه المنطقة تحتضن قدراً لا بأس به من هذه الثروة النفطية.

على أي حال فإن النفط أمر حديث الشأن، فيما قراءة التاريخ تفيد أن الأزمة تعود إلى زمن قديم. ففي عام 47 دعت إدارة المستعمر البريطاني إلى مؤتمر لتحديد صلة الشمال بالجنوب، وذلك في مدينة (جوبا) وقد أوصى الزعماء الجنوبيون بضرورة الحفاظ على وحدة البلاد، وفي عام 62 تشكل ما عرف باسم حزب (سانو) كمعارضة جنوبية سياسية في الخارج، تولدت عنها حركة مسلحة في العام التالي.

وفي عام 65 دعت الحكومة السودانية إلى مؤتمر (المائدة المستديرة)، وفيه رفضت أحزاب الشمال مقترحات أحزاب الجنوب بالفيدرالية. وفي العام الذي يليه انبثقت عن المؤتمر لجنة الاثني عشر التي خرجت بالموافقة على مبدأ إقامة حكم ذاتي في الجنوب. وفي عام 72 وقعت اتفاقية (أديس أبابا) التي تنظم العلاقة بين الشمال والجنوب في إطار سياسي وقانوني مُنِح الجنوب بموجبه الحكم الذاتي. وفي 81 قام النميري بتقسيم السودان إلى خمسة أقاليم شمالية وثلاث جنوبية، وهو ما أدى إلى توتر جديد مع إعلان زعماء الجنوب رفضهم لهذا الإجراء.

وفي عام 83 تمردت إحدى الحاميات العسكرية في الجنوب، وليعلن لاحقاً عن مولد حركة جون جارانج والمسماة بالحركة الشعبية لتحرير السودان، إلى أن يحل عام 89 حين قامت ثورة الإنقاذ، وأعلن الإسلاميون سيطرتهم على الحكم، ولتبدأ مرحلة جديدة من الأزمة في الجنوب، ولنبدأ نحن بدورنا استطلاعنا الميداني لعلنا نفهم واقع الحال، ولنكتشف لاحقاً -ومع جهد غير عادي بذل لتذليل الصعاب للانتقال من منطقة لأخرى وما واكبه من عناء وتعب خلال هذه الرحلة الفريدة- أن من الطبيعي أن تكون هناك حرب بين شقي وطن لا تربط بينهما طرق برية أو بحرية أو جوية.

رحلة طويلة إذن تلك التي زرنا خلالها المناطق التي تسيطر عليها الحكومة في الجنوب السوداني، وزرنا كذلك المناطق الخاضعة للمعارضة التي وقعت اتفاقاً للسلام مع الحكومة، وزرنا أيضاً المناطق الخاضعة للمعارضة التي مازالت في حرب مع الحكومة، وكانت المحصلة هي ما ستعيشه الآن..

[موجز الأخبار]

أسعد طه:

لنباشر في رسم صورة للموقف الرسمي الذي تتبناه الخرطوم، وتدعمها المعارضة المتحالفة معها، وسوف نبدأ من مدينة (واو) عاصمة إحدى الولايات الجنوبية العشر، لكن الوصول إلى هنا يتطلب قطع مرحلتين، أولهما: سبع ساعات بالطريق البري انطلاقا من العاصمة الخرطوم ووصولاً إلى مدينة (الأُبيِّض) حيث نبدأ هناك المرحلة الثانية. هكذا طريق بري من الخرطوم إلى الأُبيِّض، ثم بالطريق الجوي إلى مدينة واو، وهو ما جرى بالفعل، ففي مطار الأُبيِّض المتواضع تم شحننا في طائرة روسية لا تكترث لعوامل الزمن ومستلزمات الصيانة، وضمن رفاقنا من الأمتعة والمواد الإغاثية.

ساعة ونصف الساعة، ثم هذا المشهد الذي يبث في النفس كل مشاعر الطمأنينة، طائرتنا تهبط في مطار مدينة واو، والذي حطم مدرجه غير الممهد ثلاث طائرات من قبل فشل طياروها في حفظ توازنها عند الهبوط، لقد تسنى لنا -ونحن في انتظار من يقلنا إلى مدينة- مراقبة حركة الطيران في المطار. في كل الأحوال فقد حمدنا الله مع وصولنا إلى قصر الضيافة، وطمأننا أهل البلدة الطيبون إلى أن وباستثناء البعوض الحامل للملاريا وبعض العقارب وتمساحين يعيشان في المنطقة التهما في الشهر الفائت ستة مواطنين، باستثناء ذلك كله فإن الحالة آمنة ومطمئنة.

استغرق وصولنا من الخرطوم إلى واو يوماً كاملاً، وهي فترة كافية ليشغل المرء نفسه فيها بالتفكير كداً في هذه الأزمة المستعصية، والتي أرهقت البلاد مادياً وبشرياً. كنت أسأل نفسي: إذا كانت المعارضة في الشمال والمعارضة في الجنوب يرون أن الحل في تنحي النظام الحاكم، فلماذا لا يفعل النظام ذلك إخلاصاً للوطن؟ ولماذا لا أسأل الرئيس نفسه؟!

عمر حسن البشير (رئيس الجمهورية):

حتى لو تم تنازل، وحتى ولو رجع الصادق المهدى الآن رئيس إيه اللي يضمن أنه الحرب هاتقف؟ ما كان هو رئيس الوزراء أيام هذا.. كان الحاكم في السودان، وهو اللي جاب الدعم للحركة قبل ما يبقى الحاكم وبعد ما بقي حاكم الحرب استمرت. فهم بيقولوا الآن لأنه هم بالنسبة لنا الاثنين يعتبروا إنه الإنقاذ عدو مشترك، والحق لو قاتلوا الإنقاذ واستنت الإنقاذ اليوم هم ما ها يقعدوا في كرسي واحد، لأنه كانوا قبل الإنقاذ حركة متمردة وحكومة.

أسعد طه:

أطفال يعانون المجاعة
غير أن المعارضة، تحمل رجالات الحكم بانقلابهم العسكري على حكومة الصادق المهدي بشقيها -حزب الأمة والحزب الاتحادي- مسؤولية الإطاحة باتفاق عقد بين هذه الحكومة وبين المعارضة الجنوبية بزعامة جون جارانج في نيسان/ أبريل عام 89 يهدف إلى إنهاء الحرب في البلاد.

عمر حسن البشير (رئيس الجمهورية):

والله طبعا هي ما كان فيه اتفاقية أصلاً، هو كانت المطروحة أنه الجلوس للتفاوض، والاتفاقية اللي عايزين يوقعوا عليها هي شروط جارانج لأن يجلس للتفاوض مع الحكومة، ما كان اتفاقية، لأنه كان شروطه إلغاء اتفاقية الدفع المشترك مع مصر، اتفاقية البروتوكول العسكري مع ليبيا، رفع حالة الطوارئ، إلغاء القوانين الإسلامية. دي البنود الأربعة اللي ما يسمى باتفاقية الميرغني، فهل إدي قضية السلام؟ هل تحدث عن قضية الجنوب؟ هل تحدث عن وضع الجنوب أو الوضع الانتقالي للجنوب، أو الإجراءات الأمنية في الجنوب، أو الوضع السياسي في الجنوب؟ أو التنمية في الجنوب؟ أبداً. هي دي كانت شروط جارانج ليتفاوض مع الحكومة، وليست هي اتفاقية.

الحكومة بعد تردد من الصادق المهدي وضغوط عليهم، وكلنا اذكرنا.. نذكر يعني بتوضيحاتها، وبإجراءاتها، وكل التعابير اللي كان بيردها الصادق المهدي لغاية في النهاية ضغط عليه ورضخ أنه يقبل هذه الشروط عشان يتفاوض مع الحركة. إحنا تفاوضنا مع الحركة بدون ما نقبل شروطها.

أسعد طه:

في كل الأحوال فإن الحكومة اعتبرت أن الاستجابة لمطالب الجنوبيين يتم عبر ما طرحته من مشروع للتسوية قامت بنيته الأساسية على هذه المبادئ، الفيدرالية هي نظام الحكم، ويتم خلالها توسيع قاعدة المشاركة في السلطة وإعادة توزيع الثروة القومية.

منح الأسبقية في أي خطط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية للمناطق الأقل نمواً إتاحة.

إتاحة الفرصة للتنوع الثقافي واللغوي والعرقي والديني للتعبير عن نفسه في خطط التربية والإعلام والثقافة.

استثناء الجنوب من تطبيق الشريعة الإسلامية.

منح الجنوب حق تقرير المصير ليحسم أمره بين الانفصال عن الشمال أو الحفاظ على وحدة البلاد.

وفي الواحد والعشرين من نيسان/ أبريل عام 97 نجحت الحكومة في إقناع فصائل من المعارضة الجنوبية على توقيع اتفاق للسلام اعتمد على طرحها السابق، فيما ظل الفصيل الرئيسي بزعامة جون جارانج شاهراً سيفه، رافضاً لتوقيع الاتفاق لأسباب سوف نستعرضها لاحقاً، ومنها تشكيكه في مصداقية الحكومة.

(رياك مشار) الرجل الثاني في المعارضة الجنوبية بعد جون جارانج، وزعيم أقوى الفصائل المعارضة التي وقعت مع الحكومة اتفاق السلام، ورئيس مجلس الجنوب يقيم أكثر من عام من تنفيذ الاتفاق.

رياك مشار (رئيس مجلس الجنوب):

بدينا تطبيق الاتفاقية بتحويل الاتفاقية لمرسوم دستوري، ثم المرسوم الدستوري الرابع عشر، بعد ذلك نحن قمنا بتكوين وتأسيس مجالس تشريعية في الولايات الجنوبية -الولايات الجنوبية العشرة- ومنه انتخب الولاة العشر، وتم تكوين الحكومات الولائية، ومجلس التنسيق في مارس 98، منه نحن بدينا العمل الدستوري زالحكومي في كل الولايات، وعلى مستوى جنوب السودان. أعتقد أن معظم بنود الاتفاقية تقريباً 90% من بنود الاتفاقية طُبقِّت.

أسعد طه:

إذن أنتم راضون عن أداء الحكومة أيضاً؟!

رياك مشار:

طبعاً فيه بعض من المشاكل، مشاكل مادية مالية، لأن حقيقة الاتفاقية.. نحن ما وجدنا دعم خارجي إما من الدول العربية أو من الدول الغربية الممكن إحنا.. ممكن ننفذ البرنامج المطروح في الفترة اللي فاتت.

أسعد طه:

مدينة واو هي عاصمة ولاية غرب بحر الغزال، المساحة تبلغ حوالي 74 ألف كيلو متراً مربعاً، والسكان يبلغ عددهم 224 ألف نسمة، إمدادات المياه والكهرباء محدودة بساعات قليلة، وفي مناطق معينة، الوجوه سوداء جميلة، والقلوب تبدو على فطرتها، والنفوس مشغولة بلقمة العيش، والأرض لم يصلها من الحضارة إلا الحديد والنار، فلماذا يواصل الطرفان الحرب؟ وما هي العقبة الرئيسية أمام انضمام جون جارانج لاتفاق السلام؟!

غازي صلاح الدين (الناطق باسم الحكومة):

في نظري أن العقبة الرئيسية لا تتمثل في.. في الأجندة الخاصة بجون جارانج أو الأجندة الخاصة بأي قوى سياسية جنوبية، فالاتفاقية قد منحت أقصى ما يمكن أن تمنحه أي دولة، بما في ذلك احتمال الانفصال طبعاً. وبالتالي لا يبدو منطقياً الموقف الذي يتبناه جون جارانج، ولكن لا شك في أن جون جارانج في سبيل تأسيس قوته، قد اعتمد اعتماداً كبيراً على قوة إقليمية، وبالتالي هو الآن مكبل -إلى حد كبير- في خياراته، أحياناً عندما يفكر، وعندما يقرر، وعندما يفعل لا يفعل من منطلق قناعاته، ومن منطلق جدول أعماله الخاص، ولكن من منطلق قناعات وجداول أعمال قوى إقليمية وقوى عالمية، وبالتالي هذا يكبله كثيراً.

أسعد طه:

(لام أكول) محاضر سابق في جامعة الخرطوم للهندسة الكيميائية، من قبيلة الشلُك وزعيم إحدى فصائل المعارضة الجنوبية الموقعة على اتفاق السلام.

لام أكول (وزير النقل "جنوبي"):

كما تعلم أن المعارضة السودانية في الخارج وصلوا إلى اتفاق مع الحركة التي مازالت تحارب على أساس أن هدفهم الأساسي ليس الحوار أو الوفاق مع هذه الحكومة وإنما الإطاحة بها، وبالتالي لن يقبلوا بأي شي يأتي به هذه الحكومة حتى ولو يخدم مصلحة الجنوبيين زي.. أو مثل هذه الاتفاقية. فهم موقفهم ضد الاتفاقية ليس من حيث أن النصوص التي وردت غير مقبولة لديهم، أو أن الحكومة غير جادة، وإنما لأنهم يعتقدون بأن تحقيق السلام في الجنوب يدعم موقف الحكومة، ويقوي من موقفه، ويطول من عمره، وبالتالي هم هذه الاتفاقية، وسيحاربوا ضدها، وسيعملوا كل ما يستطيعون أن.. أن تفشل هذه الاتفاقية.

ولكن عندما تطرق الحكومة الباب، وتريد أن تحاور الذي حمل سلاح كان من باب أولى لهذا أن يطرح على المائدة كل ما يريد أن يحقق.. هذا هو العكس إن جارانج.. جارانج يتفادى لقاء الحكومة في (جنوب إفريقيا) عام 97 كان من المفترض أن يلتقوا مع رئيس الجمهورية، إلا أنه في آخر لحظة اختفى وهكذا حتى قريباً في ليبيا كان من المفترض أن يلتقي مع وفد من الحكومة، كذلك اللحظة الأخيرة سافر إلى القاهرة، وترك الوفد في طرابلس!! فهذا.. أو هذه المراوغة من جانب جارانج قد أفقده ثقة الجنوبين، وقد.. وأفهمهم بأن له أجندة مختلفة ليست لها علاقة بقضية الجنوب.

أسعد طه:

الحكومة إذن مع مَن تحالف معها من أحزاب المعارضة ترى أن فصائل المعارضة الأخرى الشاهرة لسلاحها إنما تحارب لأجندة ترعى مصالح إقليمية ودولية غير معنية بالمصالح الوطنية.

رياك مشار (رئيس مجلس الجنوب) :

نحن الآن متحركين إلى الديمقراطية والتعددية السياسية، ولكن مازالت الحرب مستمرة. هذا يرجع إلى العامل الخارجي. أتذكر أن في أغسطس 20 في عام 98 حصل ضربة على مصنع (الشفاء) من قبل الإدارة الأميركية، هذا تدخل أجنبي، وفي المحادثات أتذكر سنة 97 في نوفمبر بينما كنا في محادثات فرضت الإدارة الأميركية حظر اقتصادي وتجاري على السودان كانت إشارة على حركة جارانج أن لا تصل إلى اتفاق مع الحكومة.

من المعارك في الميدان نحن بنجد إما عتاد أو جثث من دول الجوار، وخاصة في.. ما حصل في سبتمبر الماضي من قبل يوغندا، لذلك التدخل الأجنبي في السودان عامل أساسي لاستمرار الحرب.

أسعد طه:

نقرر الانتقال إلى مدينة (جوربا) وهو ما يستلزم التوجه أولاً إلى العاصمة الخرطوم، فلا طرق برية ممهدة وآمنة تربط بين المدن الجنوبية، وليس من سبيل سوى العودة بالطائرة إلى الأُبيِّض، ثم بالطريق البري الطويل إلى الخرطوم، ثم نستقل طائرة شحن أخرى إلى جوبا، وهي طائرة يتكدس فيها المواطنون البسطاء مع أمتعتهم الخاصة والتجارية. والحق أنه قد حالفني الحظ هذه المرة فقد وجدت مواطئاً لقدمي الثانية بعد نصف ساعة من الطيران وقوفاً، وقبل أن نصل جوبا بعد ذلك بساعتين، وكانت تجربتي الأولى في الطيران وقوفاً.

جوبا. إنها عاصمة الجنوب إذن بسكانها الذين يبلغ عددهم 650 ألف نسمة وبمساحتها التي تقدر بـ 34 ألف كيلو متراً مربعاً، وهي كما تبدو هنا في هذه الخارطة تقع في أقصى الجنوب السوداني، هذا الجنوب الذي استثنته حكومة الإنقاذ من تطبيق الشريعة الإسلامية، وهي الخطوة التي لم تثمن فقد شكك البعض في مصداقية الحكومة، واعتبر الخطوة تكتيكاً مرحلياً، فيما رآها آخرون تناقضاً مع مساعيها المعلنة لأسلمة الدولة متسائلين عن مرجعية الخطوة!

حسن الترابي (رئيس المؤتمر الوطني):

منذ 64 الإسلاميون هم الذين قدموا اللامركزية حكماً إقليمياً ثم قدموها حكماً فيدرالياً فقط، فالإسلاميون هم الذين نهضوا على قوانين نميري، وقالوا: كلا الشريعة لا تفرض علينا أن نحكم بينهم كما نحكم بين أنفسنا في كل شيء، وهم كفوا بعض القوانين عن الجنوب -كالخمر مثلاً- كفوها عن الجنوب الإسلاميون، ولكن نميري بسط الشريعة على كل السودان مثلاً جملة واحدة.

والإسلاميون هم الذين يأتمنهم الجنوبيون، والإسلاميون هم الذين بدؤوا أحزابهم قديماً بأحزاب مؤسسة من الجنوبيين ومن الشماليين معاً من أول يوم، أما الأحزاب السودانية القديمة التي كانت تنتسب إلى الدين فهي شمالية محضة، إلى الدين القديم يعني القرن التاسع عشر، فهو الجنوبيون الآن يشعرون أن الإسلام جاءهم بلا مركزية، جاءهم بعدالة، وجاءهم بأنهم سواسية حتى في بناء القوى السياسية يعني تماماً، ويثقون في هؤلاء لأنهم يصدقون في السياسية أكثر ما يصدق السياسيون الآخرون يعني.

أسعد طه:

إذن هذا هو تكتيك مؤقت إلى حين، أم أنه مسألة مؤصلة عقائدياً ومنهجياً؟!

حسن الترابي:

هي مؤصلة بالفعل، وهذا الدستور مؤصل على الدين، حتى حق تقرير المصير، الوطنيون لا يحبون تقرير المصير، يقولون: هذا شق البلد، ولكن نحن نؤمن ديناً أن البلد مؤسسة على عقد اجتماعي، والعقد الاجتماعي بالطبع كعقد زواج وكالعقد التجاري، فلابد أن يقوم على الرضا، فلابد من أن نسألهم.

أسعد طه:

هكذا كان الخطاب الديني هو دوماً ما يعتمده رجال ثورة الإنقاذ لتحريك الشارع السوداني، وتعبئته، وحشد طاقاته لتحقيق الهدف المنشود، ولذلك فإن موافقة الحكومة على منح الجنوبيين حق تقرير لمصير، واستثناءهم من تطبيق الشريعة الإسلامية اعتبر خيانة للشهداء الذين سُيروا إلى الجبهات للحفاظ على وحدة البلاد، وإقامة الدولة المسلمة.

حسن الترابي (رئيس المؤتمر الوطني):

أنا مطمئن لذلك، وليس.. ليس هذا بتكتيك، وليس فيه من حظر، وفي سبيل هذا يقاتل الناس، لا يقاتلون من أجل أن يُكره الناس على الإسلام، (لا إكراه في الدين) لأن الإكراه لا يأتي إلا بنفاق المنافقين.

أسعد طه:

(...) رايات الجهاد هي التي تحكم أداء الجيش السوداني في حربه في الجنوب!!

حسن الترابي:

نعم.. نعم، حتى ينضبط الجيش، لأن الجيوش -يا أخي الكريم- في الحروب تشتط بقوتها، ورأيت الجيوش الغربية حتى في حرب الخليج يعني دفنوا بعض الناس.. دفنوهم دفن في مقابرهم، ويفعلون في (فيتنام) وفعلوها بعضهم لبعض في الحروب الماضية في أوروبا!! فحتى يكون الجيش يقاتل.. يدافع ضد المعتدي، فإذا غلب هؤلاء الفقراء، هؤلاء الجرحى، هؤلاء الأطفال عليهم -على الجيش كذلك المجاهد- أن يرعاهم، وأن يعلمهم، وأن يعالجهم كذلك. هذه أولاً ضبط للتعامل في وطن واحد لا نريد للجيش أن يسحق، وأن يقتل، وأن يبيد كما يحدث في بعض البلاد الإفريقية يا أخي الآن.

هذه قيمنا ولابد أن.. جيوشنا أن ترد إليها، لا فقط لدفع الناس بروح الدين أنهم يقاتلون ولو يستشهدوا، ولكن يتقون الله، كل آيات الجهاد (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا) (واتقوا الله إن الله يحب المتقين) دائماً فهذا التحويل -يا أخي- تحويل لكل مرافق الحياة.

أسعد طه:

مرة أخرى نعود إلى الخرطوم بنفس الطريق الشاق لنتوجه لاحقاً -هذه المرة- بالطريق البري إلى مدينة (ملوط) عبر رحلة استغرقت يومين، وكانت فرصة لأن نكتشف هذا الفضاء الرحب من المساحات الشاسعة التي تعد -لخصوبتها- من أفضل المناطق الصالحة للزراعة، فضلاً عما ذكرناه آنفاً من ثروات طبيعية وحيوانية عظيمة، وهي في كل الأحوال مازالت بكراً، وحتى مشاريع التنمية المقررة لم تفلح الحكومة في إنجازها رغم إنني كنت أعتقد أن مهلة الأربع سنوات التي قررتها الاتفاقية -كفترة انتقالية يجرى بعدها الاستفتاء- سوف تستغلها الحكومة في التنمية لاستمالة أهل الجنوب لخيار الوحدة.

غازي صلاح الدين (الناطق باسم الحكومة):

لأ، هذا انطباع ولو هو انطباع غير صحيح، وربما أوحى الإعلام بمعنى أننا لم نوافق على الفترة الانتقالية من خلفية انتهازية، بمعنى أننا قدرنا أننا في أربع سنوات سنرتب أحوالنا داخلياً، وسنقنع المواطن الجنوبي بأننا.. أو نرشد المواطن الجنوبي بخدمات وأموال، وبالتالي نضمن ولاءه في نهاية الأربع سنوات.

نحن عندما وقعنا الاتفاقية التزمنا -من حيث المبدأ- بفكرة تقرير.. تقرير المصير باعتبار أن هذه الحرب استمرت أكثر من أربعين عاماً، وأنه قد حان الوقت ليقول الناس كلمتهم، يقول الشعب، ليس الحكومات وليس الفصائل المتمردة التي تقول كلمتها ولكن أن يقول الشعب في.. في.. أو المواطنون في جنوب السودان كلمتهم..

أسعد طه[مقاطعاً]:

مع الأخذ في الاعتبار أن الشعب هناك في الجنوب يعني يعاني من الأمية ومن الجهل، وليست لديه الوعي السياسي اللي هو يخوله أن.. أن يختار يعني أن يقرر.

غازي صلاح الدين:

هذا يقودنا إلى نقطة تقدح في مبدأ الديمقراطية في البلاد التي تعاني من مثل هذه المشاكل، ولكن المجمع عليه الآن هو أن الشعوب بطبيعتها وبغريزتها يمكن أن تتوصل إلى.. إلى القرار المناسب عبر الإجراءات الديمقراطية دون النظر إلى.. إلى جهلها، وإلى غفلتها.

أسعد طه:

ولكن -سيادة الرئيس- الاتفاقية حددت شروطاً تعجيزية تقريباً لإجراء الاستفتاء مثل إعادة اللاجئين، وتوطينهم، ووقف الحرب، فهل يعني يمكن أن نعتبر أن الحكومة لن يكون بوسعها أن تفي بموعد الاستفتاء؟

عمر حسن البشير:

والله نحن مجتهدين طبعاً، فأنت عشان ما تستفتي الناس لازم تحصلهم الاستقرار، يرجعوا في مناطقهم، تكون في وسيلة الوصول إليهم وتسجيلهم قبل الاستفتاء، وعملية الاستفتاء طبعاً بتحتاج لجو آمن حقيقة، ونحن كنا يعني بنعتقد اعتقاد جازم أنه لو كان الناس أصلاً بتقاتل من أجل قضية الجنوب، فقضية الجنوب قد حُلَّت تماماً ومع فيه أي سبب للحرب!

أسعد طه:

غير أن أكثر ما لفت نظري في الحديث الذي جرى مع الرئيس هو ما أعلنه صراحة من استعداده لقبول مبدأ انفصال الجنوب إذا كان هذا هو ثمن السلام في البلاد!!

عمر حسن البشير:

واضح أن الحرب لن تحل القضية، وأن هذه القضية لا يمكن حلها عن طريق الحرب، فيبدأ الحل لقضية الجنوب هو عن طريق أنه إعطاء الفرصة كاملة من الجنوب أنهم يا إما يقرروا.. لأنه الحرب دي مما بدأت بدأت من أجل انفصال، رفعت شعار فيدرالية مرة، وكونفيدرالية مرة، كلها يمكن نوع من التكتيك بتاع الحركة، لكن إحنا كنا نعلم أن هي حرب من أجل الانفصال.

إحنا لا نستطيع أن نجزم أنه والله الاستفتاء هيجيب الوحدة، لكن إحنا نقول أنه خيار الوحدة موحد وممكن، وخيار الانفصال موجود وممكن، وإحنا في تقديرنا طالما أنه لا يمكن وضع نهاية للحرب، وحقيقة الآن الجنوب -يعني بوضعه الحالي-لا يمكن إن إحنا (ننساه) لأن الجنوب هو جزء من السودان، لأنه حتى في المناطق المسيطرة عليها الحكومة لا تتحرك إلا بحراسات، وبتكلفة عالية جداً، فيبدأ الناس.. يجب أن تقف هذه الحرب اللعينة، ومشاكل السودان كلها -شمال وجنوب- حقيقة من هذه الحرب سواء المشكلة الاقتصادية.. وكذلك تخيل أنه حرب بتدور الآن حتى من أربعين عام ما صرف على هذه الحرب هو الجهد اللي بذل في هذه الحرب، والأرواح اللي أزهقت في هذه الحرب، فيبدأ.. يصبح خيار الانفصال حتى مع السلام أفضل من خيار الوحدة مع استمرار الحرب.

أسعد طه:

ترى هل تنتهز قيادات فصائل المعارضة المتحالفة مع الحكومة هذه الفترة السابقة للاستفتاء لتكريس مبدأ الانفصال لدى أتباعها؟!

لام أكول:

المواطن الجنوبي يحتاج إلى إنه يشارك في السلطة، وياخد حقه من الثروة، ويعامل بالمساواة المطلوبة، كل هذه الأشياء إذا وجدها لا يستطيع أن يفكر في أن يخرج، ودائماً الذي يطالب بالخروج هو الذي يشعر بالظلم والغبن فنحن نقول: إن أمامنا فرصة بأن نقدم من الخدمات، بأن نصحح الماضي، بأن نخلي الجو يجعل المواطن الجنوبي في النهاية يشعر بأنه جزء من هذا العمل السياسي، جزء من هذا الوطن، جزء من هذا السودان، ولا.. ولا داعي لأن يخرج لشيء آخر مجهول، لا ننسى أن عندما تطالب بالانفصال أنت تدخل في.. في شيء مجهول لا تعرف ما هو.

أسعد طه:

غادرنا المناطق الجنوبية الخاضعة للحكومة وفي نيتنا التوجه إلى تلك التي تسيطر عليها قوات المعارضة، وعلى بعد حوالى 50 كيلو متراً من موقعنا الآن، لكن الحركة تستلزم العودة إلى الخرطوم، ومنها إلى (نيروبي) ومن ثَمَّ إلى المناطق الجنوبية الخاضعة للمعارضة تحديداً منطقة (ثيت). ما فهمته حتى الآن أن مطالب الجنوبيين كانت تتخلص دوماً في تقاسم السلطة والثروة مع الشماليين وإقرار هؤلاء بحق الجنوبيين في تقرير مصيرهم بالبقاء ضمن السودان أو الانفصال عنه، وهي المطالب التي أظن أن طرح الحكومة السودانية قد ضمنها. فما هي أسباب رفض الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة جون جارانج لهذا الاتفاق؟ منصور خالد من مكتبه في العاصمة الكينية نيروبي يجيب.

منصور خالد (المستشار السياسي لجون جارانج):

ما جاء به النظام ليس هو تقرير المصير، هو محاولة لخلق وضع يوحى فيه للجنوبيين بأنه نظام على استعداد لأن يمنحهم ما يريدون لكي ما يصل بذلك إلى فترة انتقالية يقتسم فيها السلطة مع الجنوبيين، ويتمنى أن يكون بين هؤلاء الجنوبيين الحركة الشعبية ومن ثم يحقق شيئين، الشيء الأول: أن يبعد الحركة.. الحركة الشعبية عن حلبة الصراع، وبالتالي يستطيع أن يضعف التجمع، والجانب الآخر: أن يخلق صراعاً جنوبياً - جنوبياً يكون فيه هو صاحب اليد العليا فالذي تقدم به النظام في الخرطوم -في رأيي أنا- ليس أكثر من مناورة خداعة.

أسعد طه:

وإذا كان هذا هو الحال، فما هو المطلوب الآن؟! نسأل الرجل الذي يشغل أيضاً مسؤول العلاقات الخارجية للتجمع، الوطني الديمقراطي، والذي يضم المعارضة الشمالية والجنوبية.

منصور خالد:

أولاً: الحكومة إذا جادة فيما تقول عندما.. وهذا عرض تقدمت به الحركة، حسناً لتكن هنالك فترة انتقالية تشارك فيها كل القوى، والقوى هي القوى السياسية التي نعرفها التي يمثلها التجمع، لا يستطيع الترابي ولا يستطيع البشير أن يحدد مَن هو صاحب الحق في أن.. أن يكون حزباً، ومَن الذي يُحرم مِن تكوين الحزب، هذه هي النقطة الأولى.

النقطة الثانية: أن القوانين التي تحكم هذه الفترة الانتقالية لابد أن يرتضيها كل أهل السودان، هذه الأحزاب التي يرفضها النظام، الحركة التي يرفضها النظام يجلسوا ويقرروا الدستور الذي يحكم السودان، مش النظام يضع له دستور، كله تخليط بين الأمور، وفي واقع الأمر لا يساوي ثمن الورق الذي كُتب عليه. إذن على النظام أن يقبل هذا، وفي هذه الحالة الذي سيقرر طبيعة الحكم في الفترة الانتقالية ليس هو النظام، ستقرره القوى السياسية السودانية مجتمعة.

أسعد طه:

ما لمسته من قيادات المعارضة أن فكرة وفاق يمكن أن يجمعها مع الحكومة في الخرطوم تبدو مستبعدة تماماً، ربما يعود ذلك لتناقض منطلقات الطرفين إلى أبعد حد!! وهو ما يذكرنا بما سمعناه سابقاً من رياك مشار ولام أكول اللذين انفصلا عن جون جارانج عام 91 من أن الخلاف ليس قائماً على هذا البند أو ذاك من الاتفاق الذي طرحته الحكومة، ولكن على هوية الحكومة نفسها، وتحديداً على فكرتها الإسلامية.

منصور خالد:

بلا شك الجبهة الإسلامية زادت من حد.. حدة الاستقطاب، لأن البعد الديني لم يكن بهذا العمق فيما قبل، والقضية كانت قضية سياسية ذات ظلال ثقافية، لكن العمق الديني زاد لأن هذا النظام أراد أن يفرض دولة دينية على كل أهل السودان، ودولة دينية لا يقبلها حتى المسلمين في شمال السودان!!

سالفا كبير (القائد العام القوات المعارضة):

حكومة السودان رفضت الفصل بين الدولة والدين، ولهذا السبب تعثرت المفاوضات بيننا على هذه البلاد ألا تبقى إسلامية أو عربية، لقد قلنا لهم: إن السودان ليس بلداً عربياً، وليس بلداً إسلامياً أيضاً، إنه بلد يتشكل من ديانات متعددة، وأعراق متعددة، ولا يمكن لمجموعة واحدة السيطرة على البلد، ويسمون كما يرون إذا قبلوا أن يبقى السودان دولة علمانية فسيكون حينها من الممكن التوصل إلى اتفاق.

بيتركوك (المستشار القانوني لحركة المعارضة):

الحقيقة في البداية الحرب ما كانت حرب دينية، لكن في تطور الحرب، الحرب اكتسبت بعد ديني خاصة في فترة حكومة الجبهة الإسلامية الحرب اكتسبت بعد ديني، بدليل إنه الجبهة بتقول: إن إحنا بنقول الجهاد، الطرف الآخر -طرف الجبهة- وهي اللي أدت.. وهو اللي أدى الحرب بعد ديني، وإذا حشد القوة بتاعته على أساس ديني، نحن بالتالي هنضطر نحشد القوة المسيحية الموجودة في السودان، والموجودة في العالم، والموجودة في أفريقيا للدفاع عن المعتقدات بتاعنا.

أسعد طه:

ما أن تحط بقدمك هنا إلا وكأنك عدت أدراج الماضي سنين، وربما قرون طويلة تماماً كما هو الحال في الشطر الآخر، الهواء نقي عليل، والشمس تبدو أكبر، القمر الذي يشتاق إليه أهل الحضر حتى وإن هلَّ حاضر هنا حتى وإن غاب، أكواخ تضم البسطاء من الناس الطامحين للخبز وللحرية ولنسمات السلام، الأرض حرفتهم والحيوان، والحرب تزيدهم جهلاً ومرضاً، وكبار القوم يعدونهم بوحدة يغيب عنها الوازع الديني أو انفصال يقيم لهم دولة.

سالفا كبير:

الخيار الأول: هو سودان علماني متحد، وهو أمر نقبل به جميعاً، إذا كان ذلك غير ممكن فسوف نلجأ إلى الخيار الثاني: وهو الكونفدرالية، عندها يصبح في السودان دستورين: في الشمال الدستور الإسلامي، وفي الجنوب يتم تطبيق القوانين العلمانية.

منصور خالد :

في هذه الحالة تقدم جون جارانج وتقدمت الحرب باقتراح الكونفدرالية وهو.. وهي تقول: حسناً إن ظننتم أن الاتفاقية التي تقوم بيننا -الحركة الشعبية ونظام الجبهة- نحن نقترح منذ الآن أن تكون هنالك دولتين، ويتم اتفاق كونفدرالي فيما بينهم. ديه يعني الحكومة وضعت أمام خيار، إما أن تقبل هذا إن كانت منطقية مع نفسها، أو أن ترفضه، وإن رفضته ده بيجعل الحركة أن تقول للجنوبيين: حسناً، النظام الذي يرفض الكونفدرالية، كيف يمكن أن تصدقون أنه سيمنحكم الاستقلال؟!

بيتر كوك:

حق تقرير لمصير برضه متوفر حتى لشمال السودان نفسه، يعني يوم من الأيام إذا الشمال الأول عنصر الموجود في الشمال شعر إنه هناك فيه ظلم وكده، وعايزين نمارس حق تقرير المصير ممكن برضه يمارسوه حق تقرير المصير ما بتعني بالضرورة انفصال، لكن ممكن برضه يعني انفصال.

أسعد طه:

الحقيقة التي تجب الإشارة إليها أن هناك صراعاً على الهيمنة في الجنوب بين الحركات الجنوبية المسلحة نفسها، وهو صراع أكثر حدة أحياناً من الحرب ضد الحكومة، غير أن الجنوبيين يتهمون هذه الأخيرة بأنها وراء صراعاتهم الداخلية بعد أن تبنت فكرة "فرق تسود" ومن ثَمَّ كان هذا الملتقى في بلدة ثيت بهدف إنجاز مصالحة بين أكبر قبلتين في الجنوب قبيلة الدنكا وقبيلة النوير.

القس ماثيو ماثينج (مجلس كنائس السودان الجديد):

سبب الصراع هو الانشقاق الذي وقع في صفوف الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 91، ثم بدأ الصراع بين العناصر القيادية، وهكذا فالشعب الذي كان متحداً فيما مضى كعائلة واحدة انقسم الآن، وبات من الصعب العبور بين المناطق المختلفة أو القيام بزيارات، وهذا الانقسام كان سبباً في استمرار الحرب، أعتقد أن الفقر هو السبب عندما تجد شعباً غير مستقر ولا يعيش بسلام تجد أن الثقافة منعدمة، لذلك نحن نسطو على مواشي قبيلة الدنكا وهم يسطون على مواشي قبيلة النوير. الفقر والجوع هو السبب.

أسعد طه:

وفي ظل الخلافات الجنوبية - الجنوبية ربما يكون من المفيد التساؤل عن هوية الحركة الشعبية لتحرير السودان، وعن رأس مالها خصوصاً قواتها الضاربة.

سالفا كبير:

الحركة الشعبية لتحرير السودان قوة حافظت على مواقعها منذ عام 83، وحتى الآن هذه القوات تتمتع بمعنويات عالية، المعدات التي تملكها تساعدها على محاربة القوات الحكومية، وذلك بغية تحقيق أهدافها. نحن نقاتل من أجل الحصول على حريتنا، نقاتل من أجل المساواة، من أجل العدالة في السودان.

أسعد طه:

سألنا أيضاً عن مصادر تمويلها؟!

سالفا كبير:

إنها مشاكل داخلية وتنظيمية لا يمكنني التكلم عنها، حتى الآن لم يقدم لنا أحد أية مساعدات.

أسعد طه:

عندما كنا في الخرطوم وكذلك في المناطق الجنوبية الخاضعة للحكومة كانت هناك تأكيدات على دعم خارجي تتلقاه المعارضة الجنوبية كان له الدور الأكبر في إطالة عمر الحرب، وصمود قوات المعارضة، ومع علمي أن تهمة الدعم الخارجي تتردد كثيراً في الوطن العربي، لكن لن يكون من اليسير تجاهل الحديث المتداول عن دعم ثالوثي للمعارضة الجنوبية، كنسي، إسرائيلي، أميركي.

منصور خالد:

أولاً: ليس هنالك دعم أميركي، الدعم الأميركي السياسي نعم، الدعم الدبلوماسي الأميركي نعم، وأميركا حقائق من حقائق الحياة، إذا كان يعني أميركا هي التي تحل أم قضايا العرب اليوم، ويسعى العرب إليها لحل هذه القضية، ما هو الغرابة أن يستعين بها السودان لحل مشكلاته؟ هذا أيضاً نوع من النفاق الذي يشهده المرء في مثل هذه التصريحات التي تصدر من بعض المعلقين العرب.

أسعد طه:

في الطريق إلى جبهات القتال أدركت أن الحصول على معلومات ما لمسار الحرب، وللمساحات التي يسيطر عليها كل طرف، ولميزان القوى بينها شيء مستحيل ليس فقط بسبب عادة العسكريين في إخفاء ما لديهم من معلومات.. ولكن لأن الخارطة العسكرية نفسها تتغير دوماً، والخطوط التي تفصل بين قوات الطرفين غير ثابتة وفهمت أن هناك بنادق لمن يدفع، بمعنى أن بعض القبائل تحدد موقعها في الحرب بين الحكومة والمعارضة بناء على الامتيازات أو المعونات التي يمكن أن تتحصلها من هذا الطرف أو ذاك، وهو أمر يختلف من وقت لآخر بحسب الصعقة وبحسب الحاجة.

كما أن شكل الحرب يختلف، فالمعارضة كانت تعتمد فيما مضى على حرب العصابات، ولكن ما وصلها من دعم غيَّر من تكتيكها العسكري، وأفرز تنسيقها مع المعارضة الشمالية آلية جديدة. إنها حرب من أجل العدل والمساواة، والقضاء على ديكتاتورية النظام الأصولي المتطرف في الخرطوم كما تراها المعارضة، وهي حرب ضد عصابات متمردة قام بتسليحها أعداء الأمة والوطن الراغبون في أن يبقى الإسلام دوماً غائباً عن سدة الحكم كما تراها حكومة السودان، وبين الصورتين مساحات من التناقض فشلت في طمسها طاولات المفاوضات فيما ميادين القتال عاجزة عن ذلك! والنتيجة المزيد والمزيد من النزيف البشري وطاقات الأمة المهدورة. قرارت الحرب لا يشارك في اتخاذها عادة جموع الناس، لكنهم في النهاية يدفعون ثمنها تقتيلاً، وتجريحاً، وإعاقة، ومزيداً مزيداً من التخلف، وهي حقيقة يتجاهلها المتحاربون على خطوط القتال، المزودون بالحديد والنار، وبالاعتبارات العقائدية والوطنية، وأحياناً بالمصالح الحسبية والشخصية.

في مستهل هذا الملف نعود إلى الخرطوم المحاطة بحزام من النازحين الجنوبيين، وبحسب الإحصاءات الرسمية فإن عدد النازحين من الجنوب قد وصل إلى ما يزيد عن مليونين ونصف المليون نسمة، أي أن ما يقرب من نصف سكان الجنوب قد لجأ إلى ما يفترض أنه عدوهم، وهو أمر يساعد في فهم الأبعاد الحقيقية لأزمة الجنوب، وفي هذه المعسكرات حول العاصمة بعيش ربع عدد النازحين، فيما يتوزع العدد المتبقي على ولايات الشمال الأخرى.

عباس حسن الجاك (مدير المنظمات بولاية الخرطوم):

الآن المعسكر اللي نحن فيه.. الموجودين نحن الآن هو معسكر السلام بأم درمان، وعدد السكان فيه 16 ألف أسرة، والغالببة هو من الولايات الجنوبية إضافة إلى بعض القبائل الأخرى، والمواطنين من مناطق أخرى من السودان من الشرق، ومن الغرب، ومن الشمال، ومن الوسط.

أسعد طه:

في مدينة (لوكيتشوكيو) الكينية الواقعة على مقربة من الحدود مع جنوب السودان تتمركز إدارة شريان الحياة، وهو الاسم الذي أُطلِق على العلميات الإغاثية التي يباشرها المجتمع الدولي لإنقاذ حياة المتضررين من الحرب الدائرة في البلاد.

آية شنيرسون (المسؤول الإعلامي لبرنامج الغذاء العالمي):

منظمة برنامج الغذاء العالمي تدير أكبر عملية جوية في العالم في جنوبي السودان. في العام الماضي سلمنا خمسة وأربعين ألف طن من المواد الغذائية، ونطعم حوالي مليون شخص شهرياً، ونحن لا نعمل فقط في حال وقوع حوادث طارئة، ولكننا نقوم بعمليات استطلاعية لاستكشاف حاجات الناس الملحة في ظروف الحرب.

أسعد طه:

في مدينة واو الخاضعة للحكومة، وفي حرارة الجنوب الملتهبة، وبين رياحه المتربة ندلف إلى معسكر يضم خياماً على امتداد البصر، نسأل لمن؟! يجاب: للهاربين من مجاعة لا تبقي ولا تذر، من أسبابها الحرب. يخيفنا مشهدهم، يقال: لا عليكم إنهم الآن ولدوا من جديد بعد أن كانوا هياكل عظمية لدى وصولهم، نسأل: وكيف وصلوا؟ يجاب: مشياً على الأقدام ليل نهار في غابات موحشة سقط موتاً من الأعياء منهم من سقط، والتهمت الحيوانات المفترسة منهم من افترست شيوخاً وعجائز وأطفال ونساء، والرجال احتجز معظمهم من قِبَل قوات المعارضة تقول المصادر الحكومية.

انظروا كم هو مفزع هذا المشهد!! مئات بل آلاف الأطفال فقدوا عوائلهم، لا أب ولا أم ولا إرث سوى المزيد من مشاعر الحقد والكراهية لمن أبدل لعبتهم سيفاً، وحلواهم علقماً. نغادر الجنوب السوداني وآلة الحرب تلتهم فلذات الأكباد وصنَّاع المستقبل وطاحونة الهلاك والدمار تدور في مشهد يتلذذ به تجار الموت، أصحاب الياقات البيضاء والقلوب السوداء، والنوايا الخبيثة، والأيادي الكثيرة الممتدة إلى هناك. هناك حيث يكاد للوطن.

من المنطق أن الغالبية تفرض على الأرض شريعتها، والشريعة تفرض على أتباعها العدل في توزيع الثروة والسلطة، والسلطة لا تحتكرها فئة دون أخرى، السلطة حق مشاع للجميع باستثناء كل من تحالف مع أعداء الأمة. السلام عليكم.