مقدم الحلقة محمد كريشان
ضيف الحلقة عبد الجليل التميمي، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بالجامعة التونسية.
تاريخ الحلقة 23/03/1999

د. عبد الجليل التميمي
محمد كريشان
محمد كريشان: دكتور عبد الجليل التميمي، أهلاً وسهلاً.

د. عبد الجليل التميمي: يا مرحباً.

محمد كريشان: منذ قرابة العشر سنوات أسستم وتشرفون على مدينة بحثية مؤسسة خاصة للبحث العلمي والبحث الجامعي والأكاديمي، نريد أن نسأل ما جدوى مثل هذه المؤسسات البحثية الخاصة؟ يعني، هل استجابة لوجود فراغ حقيقي في المجال العلمي العربي؟ ما الجدوى في نهاية المطاف من مثل هذه المراكز؟

د. عبد الجليل التميمي: سؤال مباشر وأساسي الحقيقة، للرد على هذا السؤال أنا أتيحت لي الفرصة أن أزور أميركا أكثر من مرة، وأزور أوروبا، وأزور تركيا والعالم العربي، وأدركت أنه حقيقة مردودية المعرفة في الفضاءات الجامعية العربية أقل ما يقال فيها أنها ضعيفة لأسباب عديدة، لأن البحث العلمي كان مرتبطاً أساساً بالمؤسسة الحكومية، هذه المؤسسة الحكومية تئن تحت وطأة البيروقراطية وتحت وطأة الإدارات التي غير فاعلة في جدلية المعرفة، وهناك علم الحسد وهناك أشياء كثيرة.

والذي يرى أميركا مثلاً أهم الجامعات الآن التي تمنح المعرفة والعلم والتكوين خاصة، أهم المتاحف في أميركا خاصة، أهم الإنتاجات العلمية عن العالم العربي صادرة من مؤسسات خاصة، وكنت مديراً لمؤسسة جامعية تونسية خلال ست سنوات وخرجت بدرسين أساسين، الدرس الأول: أن مستقبل الأمة العربية لكل ما يتعلق بالمعرفة والبحث العلمي لن يتوقف فقط على المؤسسة الحكومية، لأن هذه المؤسسة الحكومية منذ أربعين سنة لم تقدم المردود الإيجابي.

والعنصر الثاني: أن الذي اكتشفته في العالم العربي أن ليست لنا قوانين من شأنها أن تساعد الأفراد والأشخاص على إنشاء هذه المؤسسات، ومن هذا المنطلق أردت أن أنشئ هذا الفضاء وأدلل على أن المعرفة تستطيع أن تكون أيضاً من إنتاج المؤسسات البحثية الخاصة.

محمد كريشان: لكن هذه ربما فيها مجازفة في البداية، يعني ربما يفضل الباحث الجامعي سواء كان أستاذاً أو حتى طالباً أن يستند إلى مكتبة حكومية، وجامعة حكومية، وحتى ربما منحة حكومية حتى يشعر بنوع من الأمان والضمان، ربما الدخول في مشروع خاص علمي لا يخلو من مغامرة.

د. عبد الجليل التميمي: أعترف أن هذه الصعوبات اعترضتني ولم أجد أحداً حتى زوجتي يعني نبهتني إلى خطورة هذه المغامرة العلمية، ولكنني أعتقد أن المؤسسة البحثية العلمية المسؤولة والخاصة تستطيع أن تقدم من المعلومات ومن المرونة ومن التفاعل على صعيد المعرفة مالا يمكن أن تقدمه المؤسسة الحكومية، لماذا؟ لأن المؤسسة الحكومية لا تواكب المعرفة على الصعيد الدولي، لا تقتني المعرفة على الإطلاق.

معناه في فرنسا –مثلاً- ما بين 300 إلى 400 عنوان تغطي العالم العربي والإسلامي، من هي المؤسسة في العالم العربي سواء كان من المغرب أو من المشرق تقتني هذه الأشياء، وتحاول أن تقوم هذه الإنتاج؟ أبداً مستحيل، وقل مثل هذا بالنسبة لبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، معناه الآن الإنتاج العلمي لكل ما يتعلق بالعالم العربي والإسلامي لن تجده في الفضاءات الجامعية الحكومية، المؤسسة الخاصة الذكية تستطيع أن تستوعب هذه المعلومات وتوفرها للباحث، وهذا ما فعلناه في هذه المؤسسة التي أنشأناها منذ عشر سنوات.

محمد كريشان: يعني في السنوات الماضية أصبح هناك حديث عن الجامعات العربية الخاصة، ولكن ربما لم نسمع كثيراً عن مؤسسات بحثية خاصة، يعني عندما نقول مؤسسة بحثية خاصة ماذا نقصد بالتحديد؟ مكتبة؟ وحدة بحوث؟ ما هي بالضبط؟

د. عبد الجليل التميمي: آه، لما نقول مؤسسة بحثية خاصة، أولاً: أهم شيء هي مكتبة، ولما نقول مكتبة هي بنوك معلومات، بنوك المعلومات هذه البنوك تستطيع أن تتغذى من الإنتاج العالمي، وأيضاً لما يجيء باحث –مثلاً- يهتم بالأندلس -أعطيه مثال بالأندلس- يريد أن يدرس هذه الفضاءات في هذه المؤسسة نوفر له آخر المستجدات المعرفية لكل ما يتعلق بالأندلس في الفترة بعد سقوط غرناطة، مثلاً أعطيه مثال، الكل ما يتعلق بالعهد العثماني، معناه أي باحث يهتم بفضاء معين، أو ولاية عربية.
معناه إذن المؤسسة الخاصة هي هذا الفضاء الذي يمنحك المعلومة، ويمنحك راحة البال وحرية التعبير حتى تستطيع أن تموقع بحثك في هذه الجدلية المعرفية والسهولة والمرونة والمواكبة –مثلاً- في مؤسسنا الآن نحن باتصال من خلال الإنترنت بكل المراكز العالمية بدون حدود على الإطلاق، نعرف ماذا يجري في سويس [سويسرا] ونعرف ماذا يجري في أميركا، وفي بعض البلدان الأخرى، في طوكيو –مثلاً- في اليابان، فإذن الباحث العربي يستطيع أن يواكب آخر المستجدات من خلال المؤسسة البحثية الخاصة، الحكومية أبداً.. أبداً، نحن لا نواكب المعرفة في أفضل الجامعات الغنية، لا تقتنى الكتب بكل ما يتعلق بالعالم العربي الإسلامي.

محمد كريشان: لماذا برأيك دكتور؟ هل هناك فقط تقصير إداري؟ ما تفسيرك يعني؟

د. عبد الجليل التميمي: هناك فلسفة المقتنيات، هناك مواكبة، هناك معرفة، هناك أيضاً تواصل مع الجامعات، نحن لا نتواصل مع الجامعات.. الأوروبية والأميركية على الإطلاق، وإذا تواصلنا فللزيارات وللدعاية وللشعارات. أنا أنادي.. معناه أن رسالة المؤسسة الخاصة هي أنها تموقع الأمة العربية والمؤسسات في هذه الجدلية البحثية الدولية، ومن هذا المنطلق المشرفون على المكتبات في المؤسسات الخاصة لا.. ليسو بالدرجة الذكية حتى يستوعبوا ما تنتجه مخابر المعرفة في العالم الأميركي والأوروبي.

محمد كريشان: أنتم مؤسسة بحثية خاصة، هل هي –أيضاً- مؤسسة بحثية مختصة؟ يعني يبدو أن أغلب البحوث مركزة على العصر العثماني، على الأندلس وخاصة (المرسكين) يعني ما هي مجالات اهتمامكم بالتحديد؟

د. عبد الجليل التميمي: جميل.. سؤال جميل، الحقيقة، نظراً لاختصاصي في العهد العثماني، تعلمت اللغة التركية، وكنت أول عربي يصل إلى الوثائق العثمانية في استانبول، وهذا اختصاصي الأساسي، وبعد –أيضاً- فرعنا الاختصاص إلى الفترة الأندلسية المرسكين الأندلسيين.. ونظمنا كثير مؤاتمرات، لكن بعد بنائي لهذه المؤسسة، هذه المدينة البحثية كما ذكرتم في أول الحديث، فرعنا من اهتمام المؤسسة، أصبحنا نهتم بالبحث العلمي أو آليات التسيير البحثي في الوطن العربي.

وفي تركيا -أيضاً- فرعنا هذا الاهتمام لكل ما يتعلق بالآثار العثمانية في العالم العربي، ولا أحد يهتم بهذه الفضاءات، فرعنا الاهتمام أيضاً بالآداب العربية أيضاً، معناه سلمى الجيوشي.. نظمت مؤتمر هنا في هذا، إذن نحن نواكب آخر الاهتمامات العربية لكل ما يتعلق بالبحث العلمي، نظمنا مؤتمر حول الضمير الوطني في العالم العربي، نظمنا مؤتمر آخر حول الكمالية والكماليون وهو موضوع حرج ودقيق وهام.

محمد كريشان: بالنسبة لكمال أتاتورك ؟

د. عبد الجليل التميمي: نعم، معني هذا عتم عليه، لكن أردنا أن نضع النقاط على الحروف بدراستنا دراسة أكاديمية بعيدة عن التعتيم أو بعيدة عن البهرجة والدعاية، وبالتالي المؤسسة هي تستمع –الحقيقة- إلى كل الباحثين، وترسل حوار معهم، وتحاول أن تستشف وتتصيد المواضيع التي لا يمكن أن تعالج في الفضاءات الجامعية الحكومية، أعطي مثال، قبل عشر أيام نظمنا مؤتمر فريد من نوعه حول حرية التعبير الأكاديمية في المؤسسات البحثية، حول تقويم الإنتاج العلمي للباحثين العرب، ولا باحث عربي استطاع أن يقول الجامعة المصرية ماذا أنتجت خلال أربعين سنة؟ أو الجامعات اللبنانية أو الجامعات السورية أو الجامعات الأردنية أو أي جامعة أو الجامعات المغاربية.

نحن لابد أن نعرف مواطن الضعف حتى نستطيع أن نضع أولويات المعرفة والبحث العلمي، وإلا يبقى معناه كل مدى حياتنا ترقيع ونرقع، ونعطي شهائد بدون محتوى، وشهائدنا الجامعية من سوء الحظ معناه بها الغث لا السمين، هذه قضية وملف خطير وخطير جداً.

محمد كريشان: يعني تركيزكم على الدراسات العثمانية و.. يعني هل كيف طبيعة علاقاتكم؟ يعني هل ربما تكون علاقاتكم مع مراكز البحوث والدراسات والجامعات في تركيا أقوى منها مثلاً من غيرها في المشرق أو..؟

د. عبد الجليل التميمي: هو هذا موضوع أيضاً مهم جداً، لأننا بدأنا هذه الجدلية.. الاهتمام بتأريخ الولايات العربية في العهد العثماني قبل 1972م انظر الإنتاج العربي كله تعتيم، وكله كلمات بذيئة جداً وغير مقبولة وغير معقولة جداً: الاستعمار التركي، الاستعمار العثماني، الاحتلال و.. مع أن العالم العربي والباحثين العرب قبل 1972م لم يدرسوا الوثائق العثمانية اللي حوالي 100 مليون وثيقة أربعة أخماسها عن العهد العثماني، ولم يدرسها أحد.

وابتداء من 92 دخلنا في حوار أكاديمي هادئ وبناء مع الباحثين العرب من خلال مؤتمرات عديدة، من خلال إنشائي لمجلتين أكاديميتين عالميتين الآن، ونشرنا مئات الدراسات الأكاديمية، ونقلنا نوعية الوثائق العثمانية وما يمكن أن تقدمه من أرصدة لتأطير المعرفة، واعترف الآن، أنا معناه كنت في (...) مع الأستاذ (أندريه ريمون) وأندريه ريمون يعتبر من أشهر الأساتذة على الصعيد الخريطة المعرفية العربية، وهو مختص بالعهد العثماني، وكتب أشياء كثيرة عن القاهرة وعن المغرب العربي، معناه يؤكد على أن دور هذه المؤسسة أصبح إيجابي جداً لأنه استطاع أن يغير رأي جامعي للأكاديميين حول هذه الفترة الزمنية الهامة جداً من تاريخنا.

وبالتالي الآن لا يوجد -في رأيي- من خلال حواري مع الباحثين الأكاديميين مؤرخ واحد لا يقر بإعادة النظر في هذا الرصيد التاريخي العربي التركي العثماني أساساً، وأعتقد أنه ما أنتجناه سبعة وثلاثين كتاب معناه نشرناهم، ومئات الدراسات الأكاديمية بالعربية والفرنسية والإنجليزية معناه هو.. أظن من شأنه أن يغير.. وغير رؤية العالم العربي ولا بالأحرى وجب القول رؤية المؤرخين الأكاديميين العرب حول ملفات التاريخ العثماني.

محمد كريشان: يعني أنتم أنشأتم هذه المؤسسة، يعني هل كانت هناك بعض التحفظات التقليدية من جامعات عرفت على أنها حكومية وبدأت حكومية و.. ليس فقط في تونس في كل البلاد العربية أغلب الجامعات هي جامعات حكومية ومراكز البحوث مراكز جامعية، هل شعرتم ببعض التحفظ أو ربما حتى الغمز على أساس أن هذا المشروع قد لا يكتب له النجاح يعني؟

د. عبد الجليل التميمي: صحيح، معناه بادئ الأمر تعبنا من هذا الموقف اللاعقلاني من طرف العديد من المؤسسات والجامعيين وبالأخص في المغرب العربي، معناه في تونس وفي الجزائر، لكني أعترف الآن أن إيمانا بهذا الملف، ومواكبتنا لحركية المعرفة، وعقدنا لأكثر من 12 مؤتمر دولي يحضره أهم المتخصصين الدوليين الآن، كل هذا ساهم -أقول بكل أمانة- في تغيير الصورة.

الآن ما نشر من بحوث ومن وثائق، وكل الرسائل الجامعية التي نشرت في الجامعة التونسية أساساً إنما ركزت على هذه الصورة، وحتى ما يتم الآن في.. على صعيد الجامعات المصرية والجامعات السورية والأردنية والخليجية أيضاً والعراقية معناه مواقفها تغيرت تماماً، والآن كل سنة تأتيني معناها.. معناها بعض البحوث وبعض المواقف المشجعة والإيجابية في هذا الموضوع.

محمد كريشان: يعني برأيكم، هل.. هل يمكن أن تشهد السنوات المقبلة مزيد من التوجه نحو مؤسسات البحث الخاصة يعني؟

د. عبد الجليل التميمي: هذا مفروض علينا..

محمد كريشان: في البلاد العربية؟

د. عبد الجليل التميمي: مفروض علينا، هذه حتمية حضارية للأمة العربية، الآن انظر الآن للخريطة الجامعية معناه في أميركا، لا.. كل جامعة إلا ولها قسم عن البلاد العربية في العهد العثماني، هل يمكن أن نقبل وكل.. حتى المؤسسات الخاصة الآن في أميركا وفي أوروبا أصبحت تهتم بهذا.. بهذا المجال، وبالتالي أنا أدعو أنا إلى تعدد هذه المراكز الخاصة لأنها يتوقف عليها الحقيقة فتح هذه النوافذ المعرفية وتشريف هذه الأمة من خلال إنتاج علمي أكاديمي بعدة لغات.

محمد كريشان: ولكن هذه المؤسسات ستظل في النهاية مؤسسات بحثية أكاديمية صرفة يعني، إشعاع مثل هذه المؤسسات على المحيط، على الإعلاميين، على غيرهم من المهتمين بالشأن الثقافي، هل كتب على مثل هذه المؤسسات أن تظل نخبوية ومختصة ولأهل الاختصاص دون غيرهم؟

د. عبد الجليل التميمي: والله هذه.. هذا –أيضاً- موضوع آخر، الحقيقة أولاً الذي يعيق تعدد هذه المراكز هو عدم وجود قانون يسمح للأفراد في العالم العربي إنشاء هذه المراكز، إذن فيه فراغ قانوني، وأنا أنادي.. أنادي من هذا الموقع المؤسسات والحكومات والمسؤولين أن ينتبهوا إلى هذا الملف الدقيق جداً في أمتنا. وتقول لي أن هذه نخبوية.. نعم، لأن لما أنا أسافر والتقي بالأكاديميين الغربيين، والأميركان يستهزؤون بنا لأنه لا يوجد معناه علماء وباحثين يساهمون في المعرفة.. في المعرفة العالمية، وأعتقد أن مثل هذه المؤسسة تريد أن تنقل رسالة إلى الأميركان، والأوروبيين والأكاديميين في اليابان معناه أن العالم العربي لديه من الكفاءات الأكاديمية والعلمية ما يمكن أن يشرف الإنسان كإنسان.

ونحن نعمل في.. على تغيير صورة العالم العربي، الباحث العربي الأكاديمي في جدلية المعرفة، صحيح فيه مؤسسات أخرى تهتم.. تهتم معناه بتعميم المعرفة والثقافة، لكن هذه المؤسسة هي مؤسسة ذات طابع أكاديمي ووظيفتها أكاديمية نخبوية.. نعم، لأنه غير موجودة، ولكنا نسعى أن هذه المعلومات وهذا الإنتاج العلمي يصل إلى أكثر من مؤسسة وأكثر من جامعة في العالم العربي، ولكن لسوء حظي أقول: أن العالم العربي لا يواكب ولا يقرأ وحتى إذا قرأ لا يستفيد.

محمد كريشان: يعني هل هذا يعود –أيضاً- إلى أن ربما مثل هذه المؤسسات البحثية انطلقت أساساً بجهود فردية، يعني –مثلاً- المكتبة الموجودة هنا في هذا المركز هي مكتبة خاصة، مكتبتكم قبل أن تكون أي شيء آخر..

د. عبد الجليل التميمي: صحيح.

محمد كريشان: والخطوات الأولي في.. التمويل وغيرها كانت خطوات خاصة، يعني هل تشعرون بتقصير في المؤسسات الأخرى في المساهمة في مثل هذه المشاريع؟ يعني لا نجد بنوكاً تساهم، أو مشاريع اقتصادية تساهم، أو شركات كبرى تساهم؟

د. عبد الجليل التميمي: نعم صحيح، معناه لقد.. الحقيقة عندما بدأنا هذا المشروع -بناء هذه المدينة- وجدنا صعوبة، وأنا أقر أن فيه بعض الشخصيات السياسية العربية ساهمت في هذا المشروع، وكتبنا هذا في الكتاب الذهبي للمؤسسة، ولكن الملفت للانتباه أن الدول البترولية ولا أقول فقط الخليجية، لا جميع هذه الدول لم تساهم في إنشاء المراكز البحثية الأكاديمية العربية وهذا تقصير كبير، انظر مثلاً في أميركا الآن وفي أوروبا البنوك تساهم في إشعاع وتعميم المعرفة، البنوك العربية لم تساهم في تجذير والتعريف بالتراث الحضاري المعرفي العربي، وهي بعيدة كل البعد عن أن تفهم هذا، وهذا قصور خطير، وخطير جداً.

معناه أرجو للبنك الغربي أو الأميركي له حس حضاري وله أيضاً وعي بجدلية هذا القناة، لكن في العالم العربي معناه من سوء الحظ هذا مفقود لدينا، وكم من حديث أجريته مع هؤلاء المسؤولين والحقيقة وجدت معناها عدم الاستجابة تماماً، وبالتالي صرفت عن الاهتمام بهذا الموضوع، وأنا أقول.. وأنا أقول أن هذه البنوك والشركات استفادت من الاستقلالات العربية، لكن هذه البنوك لم تساهم في تعميم المعرفة وفي مساهمة جدلية البحث العلمي الأكاديمي العربي.

وأقولها -بكل أمانة- الباحث العربي يتألم ويتألم كثيراً، إحنا عندنا مئات الباحثين اللي لا يستطيعون أن يسافروا إلى أوروبا ويحضروا المؤتمرات، لأسباب سياسية وأسباب.. لكن أسباب مالية، وبعض الجامعات العربية ليس لها إمكانيات، لكن المؤلم أيضاً من جهة أخرى أن بعض الدول البترولية تساهم في المراكز الأميركية، والمراكز الأوروبية بسخاء، في أميركا اللاتينية، وفي روسيا، وفي أي مكان آخر، ولكنها لم تهتم بالفضاء العربي، وأنا أقولها وبكل أمانة وبكل إخلاص، آن الأوان أن.. أن يقع نوع من الاستفاقة الحضارية والعلمية في هذا المجال.

محمد كريشان: ولكن يقال أن مؤسسة التميمي استفادت من وجود تمويل خليجي، وأن المشروع ربما ما كان لينطلق لولا بعض الدعم من دول خليجية؟

د. عبد الجليل التميمي: صراحة أقولها، إحنا استفدنا.. أقولها بكل أمانة في بداياتنا من صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني –كان ولي عهد يومئذ- واستقبلني، ونقلنا صورة عن هذه الإنجازات، كما أيضاً أنوه أيضاً بالدكتور سلطان القاسم حاكم الشارقة وهو من الرجالات الخليجيين الذين أدركوا دور المعرفة في تكوين الإنسان العربي، تقريباً هاتان الشخصيتان هم معناه ساهما بشكل مباشر في هذه (...) ونحن نأمل معناه لأنه ما تم إنجازه في هذه المؤسسة لم يعد ملكاً لتونس بل هو ملك للمعرفة العربية الإسلامية، ونحن نشرنا 82 كتاب، وحوالي 120 من المجلات الأكاديمية، وأصبحت المؤسسة عندها 140 صفحة في الإنترنت الآن، هذا كله وجه من وجوه المعرفة، وأي.. أي -معناها- أي مبلغ مالي يقدم لنا إنما نخدم به المعرفة بشكل ذكي، وفاعل، وتفعيلي وهذا هو.. هذا المطلوب.

محمد كريشان: عندما نشير إلى ربما تقصير بعض المؤسسات البنكية العربية أو غيرها، نجد مع ذلك بعض الاستثناءات مثلاً في الأردن هناك مؤسسة عبد الحميد شومان، ولها تصور فريد في البلاد العربية لدعم البحث العلمي ولديها جوائز، يعني هل هذا التقليد يحتاج إلى مزيد من التعميق؟ يعني نحتاج إلى تحثيث رؤوس الأموال ورجال الأعمال لضرورة المساهمة في مثل هذه المشاريع العلمية؟

د. عبد الجليل التميمي: هو بنك شومان.. مؤسسة شومان أعرفها جيداً، هي تدير المليارات من الأعمال ورؤوس الأعمال ماذا تقدم؟ شيء بسيط معناه ولا 1.2% من مرابيحها للبحث العلمي، أنا أنادي –معناها- البنوك على الأقل 1% مش فقط –بارك الله فيهم- معناه الإداريين في مؤسسة شومان قاموا ولكن شيء ضئيل وضئيل جداً أمام 250 جامعة عربية، حوالي 240 جامعة تحتاج إلى الدعم، وآلاف من الباحثين من يستفيد من جوائز هذه.. اللي تتم معناه.. سواء كان في الكويت أو في المملكة العربية السعودية بعض الأفراد، ولكن جيش الباحثين، الشبان بالأخص، الأكاديميين الشبان يعانون ولا تجد من.. من يقدم لهم الدعم.

وأنا أنادي بإنشاء هيئة علمية عربية تساهم وتساعد الباحثين الشبان المخلصين للمعرفة والبحث العلمي والذين يحتاجون فعلاً، وليس الذين –معناها- يتجاوز عمرهم 70 سنة وتقديم المنح وكذا.. نحن نريد بنوك معلومات، ونريد فاعليات جديدة،س وتصور جديد، وأيضاً ذكاء لدعم الحركة المعرفية ومسيرة البحث العلمي، لأن القرن القادم قرن لا يرحم، وخطير جداً، والباحث الأميركي الآن باتصال بكل شبكات المعلومات، والباحث العربي معزول تماماً، وهذه مسؤولية كبيرة.

وأنا لا أقول حتى العلوم التكنولوجية، لا.. لا، حتى العلوم الإنسانية والاجتماعية، أنا أخشى على هذه الأمة العربية بعد 20سنة حتى لكل ما يتعلق بالعلوم الإنسانية سوف نحتاج إلى أميركا وأوروبا لتأطير معارفنا، وهذا أكبر خطر، وبالتالي نحن نطالب الآن معناه كل باحث وكل دولة عربية أن تعزز من شبكة الاتصالات وتنشئ المراكز وتتضافر جهودنا حتى نموقع المعرفة والبحث العلمي في هذه العولمة الخطيرة جداً على صعيد ذلك الكون.

محمد كريشان: يعني على ذكر أميركا وأوروبا، هل مثل المؤسسات البحثية الخاصة في البلاد العربية، هل تجد -بحكم العقلية السائدة في الغرب- هل تجد أكثر تفهم وربما أكثر دعم؟ يعني هل تتلقون مثلاً دعماً ما من مؤسسات ربما تكون مشابهة في أوروبا أو في.. في أميركا؟

د. عبد الجليل التميمي: أقولها -بكل أمانة- لم نستلم ولا دعماً من أي مؤسسة أوروبية على الإطلاق، الأوروبيين –معناها- يدعمون مراكزهم، لأنهم في نظرهم العرب أغنياء وبالتالي لا تحتاجوا إنتو إلى مؤسسة، ولكنني أقول من جانب آخر نحن وجدنا تفهماً من الباحث الأميركي ومن الباحث الأوروبي، ولما أدعو مؤتمرات معناه نصف المؤتمرين عندي أجانب، وهذا عنوان ثقة، هذا هو الدعم العلمي والأكاديمي للعالم الغربي، والحوار الذي أرسيناه في حرم هذه المؤسسة لا يمكن أن يتم في أي مؤسسة عربية أخرى على الإطلاق.

ونحن ننظم ما بين ست إلى سبع مؤتمرات سنوياً، وندعى بعض الأحيان 140، 150 باحث أكاديمي لا ننظر إلى دينه ولا إلى عنجهيته، لا ننظر إلى أي شيء إلا إلى إيمانه بالبحث وإيمانه بالتواصل مع هذا العالم العربي، والغريب جداً أن الباحثين الأكاديميين الأميركان الآن أصبحوا يتقنون العربية، ويعرفون كل شيء عن.. عن مواقعنا، ومن خلال هذا التواصل استطعنا أن نكسر الجليد الحقيقة، ونجد لغة الحوار.. لغة الثقة بين العالم العربي وبين العالم الأكاديمي الغربي والأميركي.

محمد كريشان: مؤسسة.. مؤسسة التميمي فيها جانب كبير من الطرافة في التصور، يعني هي أولاً تقع خارج العاصمة في مدينة (زغوان) في موقع بعيد عن الضوضاء والمدينة، في موقع جميل، وهناك المكتبة، وهناك التوثيق، وهناك المبيت، وهناك المطعم، وهناك.. يعني هذا التصور لمؤسسة بحثية خاصة بهذا الشكل هل هو تصور جديد؟ يعني هل استفدتم من تجربة معينة في الشرق أو في الغرب حتى استطعتم أن تجدوا مثل هذا التصور لهذه المؤسسة؟

د. عبد الجليل التميمي: الحقيقة أنا استفدت من تجربة في (ساليز بور) في النمسا، الأميركان اشتروا قصراً قديماً وحولوه إلى منتدى للقاءات الدولية سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو تكنولوجية، وعندهم حوالي خمس شقق، وعندهم مكتبة، وعندهم ميزانية، وكل شهر عندهم لقاء، لغة الحوار معناها، فالحقيقة استفدت أنا من هذه التجربة وقلت لماذا لا توجد في العالم العربي فضاء مستقلاً بعيداً عن الالتزامات السياسية، يوفر المعلومة، ويوفر القضاء، والمكتبة، والسكن للباحثين الأكاديميين العرب؟

ومن هذا المنطلق التصور جديد ولا يوجد في العالم العربي فضاء بهذا الحجم، أنا عندي 25 شقة فيها 60 سرير، وعندي قاعتين للمحاضرات، قاعة تسع 200 شخص، وقاعة 600 شخص، وعندما مكتبة، هذه المكتبة التي نحن فيها الآن فيها 18 ألف كتاب وعندنا مطعم فقط يفتح للمؤتمرين، ومن هذا المنطلق الحقيقة أتيح لي أن أتحادث مع مهندس تونسي، وأعطانا هذه الهندسة المعمارية الجميلة المستمدة أريحيتها من خصوصيات الآثار العربية والإسلامية وزوجناها بنوع من الرؤية التجديدية التحديثية العالمية، وبالتالي هندسة المؤسسة ومحتوياتها الأكاديمية فريدة في العالم العربي، وأتمنى أن تتكرر هذه التجربة في فضائيات عربية لأنه فعلاً هذا هو المخرج –أقول- الأساسي لمجابهة العالم في القرن الواحد والعشرين.

نحن الآن في صراع حضاري وفكري ومعرفي، وإذا لم نوفر الأرضية لوجود معناه إنتاج علمي جديد يتموقع على الخريطة العالمية، سوف نذبح حضارياً ومعرفياً، وهذه مسؤولية السياسيين، ومسؤولية رؤساء الجامعات، ومسؤولية.. وزراء التعليم العالي الذين لابد أن يدركوا ويموقعوا الأمة العربية في موقع جديد غير الموقع الذي نحن عليه الآن موقع معناه ضعيف علمياً، معرفياً.. موقع لم يساهم فيه العالم العربي في المعرفة الكونية، وهذا شيء مؤسف، وحتى جوائزنا معناها تعطى بشكل اعتباطي بدون.. بدون دراسة للنبوغ، فيه.. فيه علماء، وعلماء ممتازون مغيبون لأسباب سياسية وإقليمية وعديدة –معناه- في الحقيقة، وأنا أنادي أنه موقع الأمة العربية في هذه الخريطة المعرفية الجديدة.

محمد كريشان: ولكن هذا الفضاء المعرفي، ما هي صلته بالجامعات العربية يعني يفترض في مثل هذا الإطار أن يحتضن طلاب –ربما- يأتون لإعداد بعض الدراسات الجامعية، أطروحات دكتوراه، ربما عن طريق مؤسسات أخرى يحصلون على منح للإقامة هنا لفترة يعني ما هي طبيعة علاقاتكم بالجامعات العربية؟

د. عبد الجليل التميمي: أولاً: لكل ما يتعلق بتخصصات المؤسسة أي الفترة العثمانية والأندلسية، والبحث العلمي، والآثار العثمانية، والحركات الوطنية المغاربية، نحن على اتصال مع أهم المتخصصين العرب والدوليين، وبالتالي مع اتصال مع الجامعات العربية ومع رؤسائها لأن إحنا نبلغهم كثير من المعطيات حول هذا، أيضاً المؤتمر العثماني الأخير، أقترح علينا، وكان اقتراح من طرف أستاذ أميركي أن نجد في داخل المؤسسة خلية لدكتوراه الحلقة الثالثة، لأن المنهجية الأكاديمية في كل ما يتعلق بالدكتوراه تتأرجح صعوداً وهبوطاً في الوطن العربي.

والحقيقة نسعى من خلال الرسائل الجامعية، من خلال البحث، من خلال المنشورات أن نترجم على رؤية جديدة للبحث الأكاديمي التاريخي، ولكنني فكرت في الموضوع كثيراً، وإذا فتحت الحلقة الثالثة في هذه المؤسسة، أنا سوف يطبق على.. معناها كجامعة حرة، وأنا أريد بالعكس أنا أريد أن يكون هذا الفضاء للبحث العلمي، ويساهم في دعم الشبان العرب الباحثين الأكاديميون، ومن هذا الموقع يأتينا العديد من الباحثين العرب للإقامة هنا، عندما يأتون إلى هذه المؤسسة نوفر لهم مكتب، نوفر لهم حاسوب، نوفر لهم شقة لإقامة الباحثين، وخدماتنا العلمية والأكاديمية مجاناً، لأن الذي يهمنا هو خلق جيل جديد يتواصل مع العالم العربي ومع غيره من الباحثين الأكاديميين.

والحقيقة بعض الباحثين اليونانيين وغيرهم المهتمين بالآثار العثمانية، وحضروا لهذه المؤسسة –معناها- وقدموا بحوث حول الآثار العثمانية في اليونان، معناها اعترفوا أنهم لا يستطيعون أن يقدموا هذه البحوث في تركيا مثلاً، وكثير من البحوث.. كثير من.. من الفضائيات العربية لظروف سياسية وظروف مناخ سياسي لا يساهم في تعميق وتجذير الحوار، هذا الفضاء جيء به.. أولاً هو فضاء حر أكاديمياً، وأعتقد بكل أمانة وبكل إخلاص ما نعالجه في هذه المؤسسة وما نمارسه من حرية لا يمكن أن يتم في أي فضاء عربي على الإطلاق.

لست أنا أقول كل الباحثين يقولون هذا، لماذا؟ لأن فيه منطق.. منطق المسؤولية ومنطق الأمانة، ونعمل على أن نتناول القضايا الدقيقة جداً، المؤتمر الذي عقدناه مؤخراً في هذه المؤسسة حول حرية التعبير الأكاديمية لا يمكن أن يتم في غير تونس، أقولها بكل.. وفي غير هذا الفضاء، وبالتالي نريد أن نشجع الباحثين على أن يزوروا هذه المؤسسة، على أن يستفيدوا من هذه البنوك، بنوك المعلومات، معناها كل ما يتعلق بالأندلس، معناها يكفي من الشعارات، ويكفي من الكلام الذي لا..لا يغني شيئاً، نحن عندنا.. عندنا من المعلومات ومن.. ومن الكتب، ومن التراث الأندلسي ما لا يمكن أن يتم في غير هذا الفضاء، أعطي مثال بسيط: سيدة باحثة من الأرجنتين كاتبتني على أساس تريد الإقامة ليومين، مهتمة ببدايات الوجود العربي بالأرجنتين، فبقت أسبوعين، واعترفت أنها لم تجد إلا في هذا الفضاء لكل ما يتعلق بموضوعها، وهذا مهم جداً في الحقيقة.

إذن هذا الفضاء هو عبارة عن فضاء لدعم المعرفة، لدعم مسيرة الحركة المعرفية بعيداً عن الأدلجة، وعن الشعارات، وعن المواقف.. معناها التي لا يمكن أن تساهم في تشريف المعرفة على الصعيد الكوني.

محمد كريشان: يعني مثلما مثل ما لديكم تصور فيه نوع من إعادة تقييم العلاقات العربية التركية، بتصور جديد علمي بحثي بدون خلفيات سياسية –ربما- قد تبعده عن النزاهة العلمية..

د. عبد الجليل التميمي: نعم ، صحيح، صحيح، نعم.

محمد كريشان: هل لديكم نفس الهموم فيما يتعلق بالأندلس؟ يعني الأندلس تثار دائماً بكثير من.. من الحنين، بكثير من الحزن، ما هو هدفكم فيما يتعلق بالأندلس؟ ما الذي تريدون إيصاله؟

د. عبد الجليل التميمي: أولاً: عندما حضرت مؤتمراً في (مونبليه) عام 1981م وكان يجمع أهم المتخصصين الدوليين حول سقوط الأندلس ومآسي المسلمين فيها، اكتشفت أن الباحثين الأكاديميين يجهلون تماماً الفضاء العربي، وهم يمنطقون بحوثهم وفقاً للوثائق محاكم.. التفتيش والوثائق الأسبانية، وأعتقد أن هذه المأساة التي عاشها الأندلسيون بعد سقوط غرناطة إلى طردهم في 1609م جديرة بأن يعرفها كل عربي على الإطلاق، وأعتقد أن ما عاناه هؤلاء المرسكيون الأندلسيون لم يشهد التاريخ البشري مثيل له على الإطلاق.

وهدفي من هذه –الحقيقة- الرسالة التي أريد أن أبلغها للعالم العربي، انتبهوا إلى هذا التراث، انتبهوا إلى هذه المآسي حتى لا تتكرر اليوم، وغداً من سوء حظنا أنها متكررة لماذا؟ لأن العالم العربي لم يدرس تاريخه، ولم يدرس هذه الخصوصيات الأندلسية، وكيف أن هذا الفضاء الأندلسي الذي ساهم فيه أجدادنا بتراث فكري وحضاري ساهم في.. في المعرفة الأوروبية الآن لا يجد من يطلع عليه ويعرفه من العالم العربي إلا من خلال التسميات الاعتباطية: مقهى الأندلس، ونادي الأندلس، ونادي غرناطة ولكن المحتوي الحضاري والمحتوي الفكري غائب تماماً وأخيراً كنت في أسبانيا وفي برشلونة عرضوا متحف كامل عن الوجود العربي في الأندلس.
وأتمنى.. أتمنى من رجال البنوك –الذين عندهم أموال- أن.. أن يقدموا المساعدات لشبابنا الجامعي، ويزوروا الأندلس حتى يعرفوا كيف أن هذا التراث بلور المعرفة الإنسانية في العصور الوسطى، وكان وراء.. وكان وراء فعلاً انطلاقة حركة النهضة الغربية.

إذن معناها دراستي للأندلس توعية العالم العربي، لأنه من غير المعقول أن هؤلاء.. أن هذا الفضاء لا يعرفه إلا قلة قليلة، وكانت وظيفتي أن.. أن عددنا من المؤتمرات، وعقدنا حوالي 9 مؤتمرات دولية ونشرنا 27 كتابا تعد اليوم مراجع أساسية من وجهة نظر عربية، وشوف الآن الجامعات الإسلامية -ما شاء الله- جامعات كثيرة ولقاءات كثيرة وموائد كلها لا تخدم هذه القضية من قريب أو بعيد.

نحن معناها حاولنا أن نكون معناها من موقع آخر موقع الفهم، والفاعل في هذه الحركية لتاريخ الأندلس، نفس العملية بالنسبة إلى.. إلى تركيا، الحقيقة أنا تأثرت بموضوع تركيا وأنا أحب أن أقول كلمة بالنسبة للعلاقات العربية التركية، أنا يؤلمني أن أقولها بكل أمانة، وتركيا الآن فضاء دقيق (...) الخطورة، وقوة ضاربة اقتصادية ومائية وسياسية وعسكرية وتكنولوجية، ولا يوجد في العالم العربي ولا (موريكس) واحد عن تركيا.

كان يجب أن يكون في الفضاء العربي وبالأخص في بلاد الشام، أكبر المراكز في العالم توجد في سوريا، وفي لبنان، وفي العراق، معلومات العالم العربي السياسية والاستراتيجية تؤخذ من بنوك المعلومات الغربية، وهذا غير معقول. وأنا أعتقد أن دور الصحافة ودور الإعلام يجب أن يكون ذكياً في فهم الاستراتيجيات الجديدة في خريطة الشرق الأوسط، وواجبنا –أعتقد- واجب العالم العربي أن يجد لغة أخرى وحوار آخر مع الأتراك لأن الأتراك يستطيعوا أن يسيؤوا إلى العالم العربي، وأساؤوا فعلاً، لأننا أثبتنا أننا لا.. لم ندرس، وليس لدينا استراتيجيات فهم المتغيرات السياسية والدينية والفكرية والاقتصادية في العالم التركي.

وواجبنا –أعتقد- واجب.. واجب العالم العربي أن ينحوا منحى جديد، منحى الفهم الدقيق، والدقيق جداً من خلال دراسة ما ينتج الآن في أميركا وفي أوروبا وفي تركيا بالذات، ويجب أن يكون لدينا عشرات المتخصصين عن تركيا في الوطن العربي، لا يوجد إلا 3 أو 4 أفراد، وهذا هو الذي أوقعنا في جدار اللا تفاهم، في جدار سوء الفهم، وموقعنا الآن موقع ضعيف في تركيا، وأحاول.. هذه المؤسسة حاولت، وأعتقد أننا وجدنا لغة الحوار مع الأتراك، فليدرك العالم العربي أن منطق القرن القادم ليس منطق القوميين الناصريين اللي هم أصدقائي كلهم منطق معناها (...) جمال باشا، هذا موضوع تاريخي، لندرسه في إطار التاريخي، لكن علينا الآن أن نموقع تركيا الآن في جدلية المتغيرات الخطيرة جداً لمستقبل الأمة العربية.

محمد كريشان: هذا الفضاء مؤسسة التميمي، ربما تقوم على أساس شخص أساساً هو شخصك يعني هل يمكن لمثل هذه المشاريع بمثل هذا الطموح أن ترتكز فقط على شخص؟ يعني كيف يمكن أن تبقى لمثل هذه المؤسسات هيكلة معينة تضمن لها الديمومة والاستمرار حتى يستمر الإشعاع؟ يعني بمعنى آخر، هل لديكم نوع من الاستراتيجية المعرفية الواضحة التي تتجاوز شخص المؤسسة رغم أهمية الانطلاقة الأولى؟

د. عبد الجليل التميمي: جميل.. السؤال جميل، وهذه من المشاغل الكبرى التي أعانيها اليوم، الحقيقة أنا الذي يهمني هي مسيرة هذه المؤسسة المعرفية بعدى أنا، كما بينت ليست لدينا قوانين إنشاء المؤسسات، واضطررت الحقيقة أن أجد لغة الحوار مع مؤسسات أكاديمية.. أوروبية بالذات مثل اليونسكو، مثل provence(...) La moison de lio a على أنه في حياتي أعطيها نوع من أحقية الإشراف الأكاديمي على المؤسسة، لأن هذه المؤسسة هي تونسية الموقع، ولكنها عالمية الاهتمام والتأثير على الصعيد الدولي وبالتالي أنا الآن بصدد إيجاد هيكلية علمية معرفية دولية لا تونسية ولا عربية أيضاً وتقوم وظيفتها على أساس تأمين استمرارية هذا الدور الأكاديمي ولو وجدنا قوانين ولو دول عربية منحتنا هذه القوانين التي من شأنها أن تساهم في تأمين استمرارية هذه المؤسسات لكسبنا الكثير، وبالتالي وظيفة المؤسسة الخاصة دقيقة جداً في عدم وجود قوانين تأمن.. تؤمن استمرار هذا.

وأنا الآن في حوار مع اليونسكو، وفي حوار مع بعض الباحثين الأتراك، وفي حوار مع بعض الدول العربية على إيجاد.. إيجاد هيئة أكاديمية ترتبط لا بالأشخاص بل بالمؤسسات، وصحيح أن الآن هذه المؤسسة قائمة على شخصي أنا، لأنني أنا مؤمن بها، وأصبحت الحقيقة هي مثابة.. معناها وجود أكاديمي، ولكن أؤمل.. أؤمل أن أوفق في إيجاد الإطار القانوني المستقبلي الذي يؤمن استمرارية دور هذه المؤسسة على الصعيد العربي الإسلامي والدولي.

محمد كريشان: دكتور عبد الجليل التميمي، شكراً جزيلاً.

د. عبد الجليل التميمي: أهلاً وسهلاً، وأشكركم على عنايتكم.