مقدم الحلقة محمد كريشان
ضيوف الحلقة - حنا ناصر، رئيس جامعة بيرزيت
تاريخ الحلقة 06/07/1999




حنا ناصر
محمد كريشان
محمد كريشان: أهلاً بالدكتور حنا ناصر رئيس جامعة بيرزيت، والقضية التي سنخوض فيها هي المستوى التعليمي.. المستوى الجامعي، والأكاديمي في الجامعات الفلسطينية في هذه المرحلة.

دكتور، في البداية ترأسون جامعة بيرزيت التي كانت -ولا تزال- ذات سمعة
عالية، هل هذا الصيت يعود فقط إلى تاريخ الجامعة النضالي ضد الاحتلال
الإسرائيلي أم يعكس -أيضاً- مستوى أكاديمي جيد؟

د. حنا ناصر: الحقيقة، يعني الاتنين مع سوا بيساعدوا بعض، سمعة جامعة بيرزيت هي سمعة قديمة، هي أنشئت سنة 24 كمدرسة، ومنذ أن أنشئت عام 24 وهي مدرسة معروفة بصلابتها، ومعروفة بمستواها الأكاديمي، وكان يقطنها ويجي عليها الطلاب من جميع أنحاء فلسطين، من حيفا، ومن يافا، ومن غزة، وبقيت بهذا المستوى العالي، وبقيت مدرسة حتى -الحقيقة- بدايات الستينات، وبعد الاحتلال تطورت بيرزيت لتصبح جامعة، وعندما أصبحت جامعة تحت الاحتلال عرف عنها في ذلك الوقت الموضوع الوطني بشكل مكثف، وأنا أعتقد إنه المستوى الأكاديمي والمستوى النضالي للجامعة تزامنا في وقت واحد، ولهذا السبب يوجد سمعة جيدة لجامعة بيرزيت.

محمد كريشان: أثناء فترة الاحتلال، كيف استطاعت الجامعة أن توفق بين الحفاظ على هذا المستوى الأكاديمي الجيد، وبين سلسلة الإضرابات، والمصادمات، عموماً هذه الأحداث -غالباً ما- تؤثر على المستوى التعليمي؟ كيف استطاعت أن تنجح بين الاثنين؟

د. حنا ناصر: الحقيقة يعني أنا بأعزي الوضع لأعضاء الهيئة التدريسية، وتكاتف أعضاء الهيئة التدريسية، وعملهم الجاد خلال سنوات الاحتلال، والتي لازالت الحقيقة سنوات الاحتلال، مازالت موجودة في فلسطين، ولكن الحقيقة كان دائماً الهاجس في جامعة بيرزيت هو موضوعين: أن يبقى المستوى الأكاديمي رغم كل المشاكل أن يبقى المستوى الأكاديمي مستوى جيد، وأن يبقى النضال ضد الاحتلال دائماً مستمر.

والحقيقة قاست الجامعة كثيراً بسبب هذا النضال، فقد أغلقت أكثر من 15 مرة زمن الاحتلال، كانت آخر مرة حوالي 4 سنوات ونصف متواصلة، وبالرغم من هذا الإغلاق المتواصل إلا إنه الجامعة استمرت في تقديم التعليم، وتوفير فرص التعليم للطلبة في أماكن مختلفة: في البيوت، في المساجد، في صفوف المدارس
الثانوية، وتمكنا أن نحافظ على مستوى أكاديمي لا أقول أنه ممتاز ولكنه جيد، ضمن الظروف التي كانت موجودة، وتخرج الطلاب بعد هذا الإغلاق المستمر، وكان فعلاً يعني نوع النضال هو اللي ساعد الطلاب أن يحافظوا على مستواهم الأكاديمي الجيد.

محمد كريشان: قوات الاحتلال هل كانت تتعامل مع الجامعة كبؤرة أمنية بين قوسين فقط؟ أم أيضاً كانت تنظر إلى البعد الأكاديمي؟ هل كانت مهتمة بالجانب المعرفي؟

د. حنا ناصر: الحقيقة سلطات الاحتلال أو قوات الاحتلال الحقيقة لم تتدخل قطعياً في جامعة بيرزيت كجامعة أكاديمية، لم تتدخل في البرامج، لم تتدخل في ماذا نعلم، أو لغة التدريس، أو أي شيء متعلق بالتدريس، إنما كان همها الأساسي هو الحفاظ على -ما تسميه هي- الأمن في داخل هذه المنطقة، وبالتالي تمكنا الحقيقة -ربما صدفة- تمكنا أن نحضر أساتذة جيدين من داخل فلسطين، ومن خارج فلسطين معظمهم فلسطينيين من الخارج.. كانوا قاطنين في الخارج، وكان الهم الوحيد أمامنا هناك هو مقارعة الاحتلال، ومنع الاحتلال من التصدي وإغلاق جامعة بيرزيت، ولكننا نقول هذا الكلام بدون ما ننجح كفاية في وقف هذا الإغلاق المتواصل لجامعة بيرزيت.

لما بأقول 15 مرة أغلقت جامعة بيرزيت لاشك أن العملية التعليمية تأثرت بشكل عام فيها، وعانت الجامعة -كما عانت غيرها من الجامعات الفلسطينية- من هذه الإغلاقات، ولكن بسبب ما قام به الأساتذة -اللي كنا نسميه- التعليم الموازى للتعليم بالجامعة تمكنا من جث الهوة، وتمكنا -في الحقيقة- من الحفاظ على هذا المستوى الجيد في الجامعة.

محمد كريشان: دكتور حنا، منذ قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية، ما الذي غيره ذلك في وضع الجامعة؟

د. حنا ناصر: الحقيقة تغير كبير، أهم شيء -ربما- أنه فيه سلطة وطنية على الأرض الفلسطينية، وهذا بحد ذاته هو إنجاز -نعتبره- إنجاز كبير، والإنجاز الثاني من الناحية الرسمية بالجامعة، أن الجامعة منذ 93 لم تغلق البتة، يعني هايدي أول فترة 6 سنوات من 93: 99 لم تغلق الجامعة، ويجب أن تدرك أن الجامعة موجودة في منطقة (ب) التي حتى الآن يسمح -أو ضمن الأنظمة الحالية- أن تدخل سلطات الاحتلال وتقوم باعتقال الطلاب، وتقوم إغلاق الجامعة..

محمد كريشات [مقاطعاً]: لم تفعل ذلك؟

د. حنا ناصر: هي لم تفعل ذلك، لم تغلق الجامعة منذ 93، ولكنها اعتقلت الكثير -الحقيقة- من الطلاب، يعني الإشي الوحيد اللي وقف منذ قدوم السلطة هو إغلاق الجامعة، أما اعتقال الطلبة -الحقيقة- ظله مستمر، وهو مستمر منذ أن بدأت الجامعة عام 72 حتى يومنا هذا، والآن في سجون الاحتلال فيه عندنا حوالي 50 طالب معتقل، وهي اعتقالات إدارية، ولا ندري ما هو السبب لهذه الاعتقالات!!

محمد كريشان: يعني بين قوسين، هل العلاقة مع هؤلاء المساجين من الناحية التدريسية متواصلة، هل توصلتم إلى حل ما فيما يتعلق باجتياز الامتحانات أو..؟

د. حنا ناصر: لا، الحقيقة لأنه لا يسمح لنا بزيارتهم، وما فيه طريقة للواحد يتواصل معهم، أحياناً أهاليهم بيزوروهم، أحياناً.. هم في اعتقال إداري، وبالتالي التواصل مش سهل مع هؤلاء الطلاب، وإحنا ننتظر إذا أفرج عن هؤلاء الطلاب، وبالتالي نعمل لهم التسهيلات الكافية، حتى يعودوا إلى مقاعد الدراسة.

والحقيقة هذه كانت فلسفة الجامعة منذ 72، أي طالب يعتقل نحاول -قدر الإمكان- أن نسهل له الأمور، حتى لما يخرج من السجن إنه يقدر يكمل دروسه بطريقة من الطرق، وبالتالي فيه كان نوع من التعاطف بين
الطلبة وبين المدرسين، أن هذه الاعتقالات هي اعتقالات قمعية، ولا دخل لها بالنواحي الأمنية، ولا دخل لها بأي شيء، وإنما هو عمل تعسفي ضد طلاب الجامعة، وهذا هو -أنا في رأيي- نوع من الترابط القوي اللي موجود بين طلبة الجامعة وبين أساتذة الجامعة.

محمد كريشان: في هذه الفترات العصيبة، هل وجدتم بعض التعاطف من جامعات إسرائيلية؟ هل هناك تضامن أكاديمي إن صح القول؟

د. حنا ناصر: الحقيقة، لسوء الحظ -أنا بأقول- لسوء الحظ لم يتوفر هذا التعاطف الأكاديمي، يعني عندما أغلقت جامعة بيرزيت، وغيرها من الجامعات -ومعظم الجامعات الفلسطينية- 4 سنوات ونصف لم تقم جامعة إسرائيلية واحدة بإصدار بيان يشجب ما حصل في الجامعات الفلسطينية، نعم.. كان فيه بعض الأفراد الإسرائيليين اللي قدموا احتجاجات، أما الجامعات الإسرائيلية كمؤسسات أكاديمية، وكمؤسسات نقول إنها خارجة عن الخط السياسي لم تقوم بأي عمل التي تثبت فيها أن هنالك علاقة أكاديمية بين الجامعات الإسرائيلية وبين جامعات وقعت في هذه المحنة.

في الحقيقة لازم نعرف إنه لما أغلقت جامعة بيرزيت -وغيرها من
الجامعات- لم يكن هناك أي عمل قامت بيه هذه الجامعات اللي يعتبر مخل للأمن، وإنما هذا كان قصاص كبير على الشعب الفلسطيني أثناء الانتفاضة، إنه إذا فيه انتفاض إحنا راح نقاصص الشعب الفلسطيني ونغلق الجامعات، فكان هو إجراء عام على كل الجامعات.

محمد كريشان: إجراء عقابي.

د. حنا ناصر: الجامعة، إجراء عقابي.

محمد كريشان: دكتور حنا، ما تفسيرك لغياب هذا الموقف من الجامعات الإسرائيلية؟

د. حنا ناصر: يعني الحقيقة، صعب الواحد يعرف إيش السبب؟ إحنا حاولنا عدة مرات أن نخترق هذه الحدود للجامعات الإسرائيلية، ونكون بعض الصداقات مع بعض المجموعات المتفتحة، وبالفعل نجحنا يمكن في إيجاد شخص أو شخصين في بعض الجامعات الإسرائيلية، ولكن بشكل عام لم يحصل الاختراق اللي كنا نفكر إنه ممكن يصير.

أحد الأسباب إنه الإسرائيليين كانوا يعتقدوا إن جامعة بيرزيت هي فعلاً -كما ذكرت أنت- هي بؤرة للعمل الوطني، أنا لا أفهم -تماماً- ماذا يعنى بؤرة للعمل الوطني، ولكن هي فعلاً كانت -زي ما تقول- مركز لإشعاع وطني أكثر من بؤرة لعمل وطني هو إشعاع وطني، وربما ما كان يميز بيرزيت أن فيها حرية فكر كبيرة.. هي ليست حرية فكر، لأنه فيه الاحتلال، وإنما فلسفة الجامعة مبنية كلها على حرية الرأي، والتعددية الفكرية، وهي ممارسة في داخل الجامعة.

وأنا أعتقد إنه هذه الأمور يعني خلت الإسرائيليين يعتقدوا إنه هذه جامعة ستعمل لهم مشاكل كبيرة، وأنا بافترض إنه -فعلاً- عملت لهم مشاكل كبيرة، وأنا -نوعاً ما- أفتخر بهذه المشاكل اللي عملتها، ولكن أهم ما يمكن أن يقال: إنه هذا النوع من التدريب التفكير الحر، والتعددية الفكرية هي التي أنجبت قادة، والآن خريجين جامعة بيرزيت تجدهم -عدد كبير منهم- تجدهم في المجلس التشريعي الفلسطيني، أو تجدهم وزراء في السلطة الفلسطينية.

فالحقيقة فيه تناقض.. هذا التدريب هو اللي بيساعد على وجود الناس في السلطة المحلية، وهذا التدريب وهذا الفكر النير هو اللي بيخلي الاحتلال يخاف منه، فهكذا صار، وإحنا الآن -الحقيقة- في الوضع اللي بنقدر نقول: إنه جامعة بيرزيت أرست في داخلها قواعد قوية من الحرية الفكرية، والتعددية الفكرية، التي خلت الإسرائيليين يخشوا من هذا النوع من الفكر.

أنا بأقول همه بيخشوا من هذا الفكر، لكن لو فكروا كتير.. إذا بدهم يعملوا في
النهاية سلام.. السلام يعمل مع ناس اللي عندهم هذا النوع من الفكر، وأنا -دايماً- كنت أجادل إنه هذا النوع الشخص الفلسطيني اللي يجب أن يخرج من التعليم العالي رجل متحرر في فكره، منفتح ليس منغلق، وله الفكر الديمقراطي، ويؤمن بالتعددية الفكرية، وهذا هو -فقط- نوع التعليم الذي نقوم به، إن كانت هذه هي تعتبر هي بؤرة للعمل الوطني..هذا تعريفهم، ولكن أنا أعتبر أنها هي بؤرة أو مكان للإشعاع الفكري الحديث الذي نفتخر به.

محمد كريشان: هذا الخط هل تواصل حتى مع قدوم السلطة، يعني من ناحية الفلسفة العامة للجامعة ظلت متواصلة؟

د. حنا ناصر: أنا بافتكر هذه الفلسفة، هي فلسفة يعني هي قديمة في الجامعة، وهي متمركزة بشكل قوي جداً في الجامعة، اللي ما بافتكر إنه تتزعزع.. داخل الجامعة، وأنا بافتكر إنه الجامعة -أي جامعة- هي إلها بعدين: البعد الأكاديمي، يعني صلابة البعد الأكاديمي.. أو جدارة البعد الأكاديمي، وقوة البعد الأكاديمي، ولكن الشيء التاني -الذي هو أنا أعتقد في نفس المستوى من الأهمية- هو التحرر الفكري، وبدون تحرر فكري لا يمكن أن يكون عندنا جامعة، وأنا بافتكر إنه عندنا هامش كبير.. وبالعكس يمكن كلمة هامش هي مش الكلمة المناسبة، وإنما ما فيه إشكال عندنا في استمرار هذا النوع.. هذا النهج من التعليم.

وأنا بافتكر هذا اللي يميز جامعة بيرزيت عن -ربما- كثير من الجامعات، أن الحرية الفكرية، والتعددية تجدها متأصلة في الجامعة، وإذا أنت مشيت في الجامعة، وشوف كيف الطلاب بيتعاملوا مع سوا كيف بيتعاملوا مع الأساتذة، كيف الإدارة بتتعامل مع الأساتذة، والعكس بالعكس، تجد أن هذه الحرية ليست كلام، وإنما هو فعل تقوم به أسرة الجامعة بأكملها.

محمد كريشان: دكتور، أشرت -قبل قليل- إلى أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي لم تكن تتدخل في عمل الجامعة بالمعنى البرامجي، والأكاديمي، وغير ذلك من التفاصيل العلمية، بالنسبة للسلطة الفلسطينية المعروف -عادة- أن الكثير من السلطات العربية لها بعض الحساسية تجاه العمل الجامعي، وتعتقد بأن هذه مساحة خارج السيطرة، كيف كان لكم التعامل مع السلطة الوطنية؟

د. حنا ناصر: يعني أنا بأقول محظوظين إحنا، لأنه -الحقيقة- السلطة الفلسطينية بجميع الرموز اللي فيها هي تعاملت مع الجامعات كمان بشكل نير، أنا لا أعرف من بدأ هذا التعامل..هل الجامعات أرست هذه القواعد والسلطة استجابت وقبلت بيها، أو السلطة هي نفسها كانت -بصفتها سلطة جايه من ثورة- أنها قبلت بهذا النوع من التعليم؟ ولكن لا يوجد إشكال قطعياً من الناحية الفلسفية بين الجامعات والسلطة الفلسطينية، وفي جامعة بيرزيت -مثلاً- تقام الانتخابات الطلابية، وينجح من ينجح..وينجح الذين يقاومون، أو لا يوافقون على عمل السلطة الفلسطينية دون أي إشكال، وتمر الانتخابات بشكل ديمقراطي.

وأنا فافتكر هذه من الأمور المميزة التي يجب على السلطة أن تفتخر أنها جزء من الحياة الجامعية، وإذا خرج الطلاب الذين ليس لهم نفس الفكر لإدارة الجامعة -مثلاً- كمان أنا ما عندي إشكال، أهمية الانتخابات -مثلاً- الطلابية هو تدريب الطلاب على العمل الديمقراطي، وليس تدريبهم أن ينجح فئة معينة، أهم ما في الأمر هو التدريب، أن تمر الانتخابات بشكل ديمقراطي، وعندما تنتهي الانتخابات يقوم الطرف الذي لم يحالفه الحظ بتهنئة الطرف الذي حالفه الحظ، هذه هي الفلسفة الوحيدة اللي أنا بتهمني في الانتخابات الطلابية.

ولكن أنا لا أنظر من ربح الانتخابات، ولا يهمني من ربح هذه الفئة، أو هذه الفئة السياسية، المهم أن يكون فيه نوع من التوافق الديمقراطي، وأن هذه الفئات كلها تعمل من أجل المصلحة العامة، وما فيه فئة تتعدى على الحرية الفكرية لفئة أخرى..لا في النواحي الاجتماعية، أو في النواحي الفكرية، أو في النواحي السياسية، والكل بيقدر يقول اللي بده إياه، والحقيقة عندنا إحنا منبر حر، بيقدر يوقف الطالب، ويقول ما يرغب أن يقول، ويعمل منشورات اللي بيحب أن يقولها دون أي وازع، ولا حد… بتفرق معاه.

والحقيقة بعد مدة ما حدش بيطلع عليهم ها الأوراق يعني، وأنا في رأيي هذا هو الأسلوب الصحيح في تدريب القيادات الجديدة الطلابية على العمل السياسي، وأحياناً أنا بأسمع من ناس يقولوا الطلاب منهمكين بالسياسة كتير، وأنا أقول يعني القيادات تخرج من الطلاب، وبالتالي ضروري أن يكون فيه مكان الذي يتدرب، ويمارس هذا العمل السياسي تحت إطار، أو ضمن إطار هذه الجامعة.

محمد كريشان: دكتور، أنتم تنظرون إلى المسألة من هذه الزاوية، ولكن هل السلطة تنظر أيضاً من هذه الزاوية، بمعنى -مثلاً- إذا نظمت انتخابات، ورفعت شعارات من بعض الأطراف السياسية ضد ممارسات للسلطة، أو ضد سياستها، وقد ينجح طرف يساري معادي للسلطة أو لنقل معارض للسلطة، أو تيار من حماس، أو غيره، هل تشعرون ببعض الامتعاض في الدوائر الرسمية؟ هل يتدخلون؟ هل يعربون عن استياء معين؟

د. حنا ناصر: الحقيقة.. يعني بصراحة عمره ما حصل أي نوع من الامتعاض، أنا أدرك إنه أحياناً يمكن يشعروا بنوع من الاستياء الداخلي..ولكن لا يعبروا عنه بأي أفعال، أو ردود فعل صعبة، والحقيقة يعني نحافظ إحنا على العلاقة مع السلطة، على أساس إنه هذه جزء من تاريخنا النضالي هذه السلطة، وهم يعرفوا إنه اللعبة الديمقراطية هي إلها وجهين: إما معك أو ضدك، يعني لا يمكن أن تمارس الديمقراطية فقط في اتجاه واحد.

وبالتالي أنا بأعتقد إنه السلطة الفلسطينية تتفهم هذا الموضوع، وأنا أوافقك إنه فيه شعارات تصدر.. اللي هي غير مؤيدة للسلطة، ولكن إحنا نحاول أن تكون
الشعارات كمان هي ضمن الإطار المهذب، يعني فيه فرق بين المعارضة وبين الشتم، إحنا ما فيه عندنا -داخل الجامعة- ما نسميه الشتم لا على السلطة، أو شتم ضد أي شخص تاني، ونحافظ على هذا النوع من الحياة الجامعية... المستوى اللائق من الحياة الجامعية، أن النضال السياسي هو نضال على مستوى عالي، وليس ضروري أن يكون شتم في فلان أو في فلان.

وبالتالي أنا -الحقيقة- راض على هذا الموضوع، ولكن أنا أدرك إنه فيه -مثلاً-بعض الطلبة من بعض التنظيمات اعتقلوا لدى السلطة، ونحن في الجامعة هنا...

محمد كريشان [مقاطعاً]: على خلفية ما قاموا بيه..

د. حنا ناصر [مستأنفاً]: على خلفية سياسية، ونحن نتصل مع السلطة، ولنا مكتب خاص في الجامعة- مكتب نسميه مكتب حقوق الإنسان -وبغض النظر عن أي مشكلة تحصل مع الطالب، نحاول أن نحلها بالطريقة القانونية، نحن نقول: لك الحق يا سلطة أن تعتقلي فلان.. ولكن يجب أن يوجه لهذا الطالب تهمة معينة، ولا يجوز أن يبقى بالسجن جمعة، أو جمعتين، أو تلاتة بدون توجيه اتهامات، والحقيقة نجحنا في هذا بالطريقة السلسة المهذبة، وحالياً لا يوجد عندنا -ربما- إلا طالب واحد في السجن.

محمد كريشان: موقفكم الحازم -هذا- في التعامل مع أية اعتقالات، هل ساهم -أيضاً- في أن السلطة تتعامل معكم بطريقة أكثر حذر، فيما يخص اعتقالات الطلبة؟

د. حنا ناصر: يعني الحقيقة، أنا باعتبر حالنا إحنا علية واحدة -يعني هيك أنا بانظر لها- رغم تباين وجهات النظر (بين الناس)، ولكن نحن نحل القضايا هاي الصعبة بالحوار، وأنا أجد إنه فيه فرق كبير بين المشاكل التي كانت معنا مع الاحتلال، التي لا تحل قطعياً -إلا بالقوة- والمشاكل اللي من نوع تاني مع السلطة الفلسطينية، هذه تحل بالحوار وبالاجتماعات، وأنا بأقدر أقول إنه نجحنا -إلى حد كبير- في إيجاد الصيغ الملائمة لهذا الموضوع.

محمد كريشان: دكتور، أشرتم أن منذ 93.. يعني هنالك نوع من الاستقرار في عمل الجامعة في 6 سنوات متواصلة، هل هذا أثر إيجابياً في القيام بنوع من وقفة التأمل، أو المراجعة للبرامج، لطرق التدريس، لمستوى الخريجين؟ يعنى هذه الفترة فترة لا بأس بها، ربما تجعلكم تراجعون بعض الخيارات.

د. حنا ناصر: الحقيقة يعني هذه كانت فترة مهمة جداً، وخلال هذه الفترة يعني الجامعة قامت بقفزات نوعية كبيرة في توسيع البرامج اللي فيها، وفي رفع المستوى من برامج بكالوريوس -مثلاً- إلى برامج ماجستير، والحقيقة انفتحت في الجامعة يمكن من 93 إلى الآن حوالي يمكن 10 أو 12 برنامج جديد وحديث، إن كان في الصحة، إن كان في الحقوق، إن كان في المياه.. هندسة المياه، إن كان في البيئة.

والحقيقة الجامعة تحاول -وهذا هو النهج اللي مفروض يكون بالجامعة- أن تتلاءم مع البيئة الجديدة، مع الوضع الجديد، وأن نخرج أحياناً كمان الناس اللي بيقدروا يساهموا بالعمل بالسلطة بشكل جيد، إحنا نعطيهم -مثلاً- دراسات عليا في الدراسات الدولية التي يحتاجها الموظفون في السلطة الوطنية، فعندنا اهتمام كبير -الحقيقة- في خلق كوادر جديدة التي ترفد السلطة الوطنية الفلسطينية، بنخرج أعداد كبيرة من الطلبة في مجال التربية، على أساس إن المدارس -بعدما صارت المدارس تحت السلطة الفلسطينية- تحتاج إلى المئات إن ما كانش الآلاف من المدرسين الجدد، كل هذه أعمال جديدة قمنا فيها من بعد 93.

فالحقيقة، إذا تفكرنا قبل 93، يمكن كان الهم الأساسي هو النضال ضد الاحتلال، بعد 93 صار الهم الأساسي هو المشاركة في بناء الوطن، والدولة الفلسطينية.

محمد كريشان: هل هذه الأجواء ساعدت -مثلاً- بعض الكفاءات الفلسطينية العلمية والأكاديمية في الخارج -ربما- للعودة إلى الوطن، والمساهمة في هذا المجهود، يعني نعلم -مثلاً- أن الدكتور إبراهيم أبو اللغد يدرس في جامعة بيرزيت، يعني هل هناك حالات أخرى -أو على الأقل- استعداد في المرحلة القادمة؟

د. حنا ناصر: يعني خليني أقول يمكن إبراهيم أبو اللغد هو حالة فريدة، لأنه أنا أعتبر إنه هو كسر هذا الحاجز اللي كان موجود بالأول، ولكن لسوء الحظ لم يحضر ناس كثيرين من الخارج، وأنا دايماً يعني أتكاتب مع الفلسطينيين بالخارج، وأطلب منهم -على الأقل- زيارتنا، ربما تحتاج أكثر من 6 سنوات من 93 إلى 99 ربما بعد 2000م بنأمل إنه يرجعوا ناس أكتر، وخاصة إذا صار فيه نوع من التحرك السياسي اللي يصير فيه انفراج، أنا لا أعرف إذا راح يصير فيه انفراج أو لا، ولكن إذا صار فيه انفراج سياسي داخل البلد، أنا باتصور إنه أعداد كبيرة من الفلسطينيين -ومن الأكاديميين بالذات- بيرغبوا إنه يرجعوا ويشاركوا في العمل التربوي في الجامعات الفلسطينية.

محمد كريشان: وما هي طبيعة علاقتكم -مثلاً- مع جامعات عربية أخرى، أو غيره؟ لأنه يقال إنه هناك نوع من الفقر على مستوى الكتب، والمراجع الموجودة هنا في فلسطين يعني -أكاديمياً- كيف يمكن أن تحافظوا على مستوى جيد في التدريس؟

د. حنا ناصر: في الحقيقة.. شوف، أنا بافتكر إنه الناس بتعمل أعذار كتيرة حتى أيام الاحتلال، أنا بأقدر أقول لك: إنه كانت مجلة "شؤون فلسطينية" اللي كانت تصدر عن منظمة التحرير الفلسطينية، ما بأحكيش عن مجلة عربية فلسطينية عادية، كانت مجلة "شؤون فلسطينية"، تدخل إلى داخل مكتبة جامعة بيرزيت، ربما قبل ما تلاقيها في مكتبات الجامعات العربية.

والحقيقة اللي بده يدخل كتب، كان بيقدر يدخل كتب، والحقيقة مكتبة الجامعة كانت مليئة بالكتب العلمية، وأنا بأعتبر مجلة "شؤون فلسطينية" كتاب علمي، وليس كتاب دعاية، وإنما هو أبحاث وأبحاث جيدة، والحقيقة مكتبة الجامعة بالنسبة لهاي الكتب العربية، كانت -دائماً- مليئة بالكتب.

المشكلة هي كانت -دائماً- اللقاء، وأنا بأعتبر إنه اللقاء كان مهم جداً، ما كان فيه إمكانية كبيرة للقاء بين الأساتذة اللي في الداخل هنا مع الأساتذة العرب في الخارج، لأنه فيه كانت قيود كثيرة على سفر الناس، اللي أسوأ ما فيه كان إمكانية للطلاب -خاصة لأنه معظمهم كان دون سن 19 أو العشرين- إنه يتركوا البلد، ويشوفوا زملاء إلهم في الجامعات العربية التانية.

وأنا بافتكر هادي -أنا بافتكرها- من المشاكل الصعبة اللي جابهت الطلاب، منعتهم من الاندماج مع زملاء إلهم في الجامعات العربية، وأنا بافتكر هذا الانفتاح -لحسن الحظ- الآن فيه عندنا انفتاح، وهذا الانفتاح في الجامعة -إن كان على الجامعات العربية، أو حتى على الجامعات الأجنبية- هو سمة من أهم سمات الجامعات، يعني ما بيصير نقول: إنه هاي الجامعة هي جامعة وطنية ومتقوقعة حول نفسها وهيك.

بالعكس، الجامعة الجيدة هي الجامعة المنفتحة اللي بتسمح للطلاب، أو تتيح لهم الفرص إنه يشاركوا مع طلاب عرب، وطلاب أجانب في جميع
المجالات، وفي نفس الوقت بنجيب كمان طلاب أجانب يقعدوا مع الطلاب، وإحنا الحقيقة في بيرزيت عندنا -مثلاً- برنامج خاص للطلبة الأجانب، بيجوا الطلبة الأجانب -هنا- بيتعلموا اللغة العربية، بيتعلموا التاريخ، وبيسكنوا مع الطلاب الفلسطينيين.

فأنا باعتبر الفائدة هي فائدة للأجنبي.. للطالب الأجنبي، وللطالب الفلسطيني، الطالب الفلسطيني بيعرف إنه فلسطين مش هي مركز العالم -خاصة بعد الاحتلال الطويل- إحنا بنفتكر مرات إنه هي مركز العالم، والأجنبي بيتعلم عن الفلسطينيين وبيشوف المأساة، وبالتالي هي عملية تداخل -أنا في رأيي- من الناحية التربوية هي عملية ممتازة، وإحنا بنحاول في بيرزيت أن نشجع قدر الإمكان هذا الاختلاط بين الطلاب، إن كانوا عرب، أو أجانب، أو طلابنا يروحوا -مثلاً- يلعبوا رياضة في الخارج، ولحسن الحظ -الآن- بدأت هذه العمليات، بيروحوا على الأردن، على قطر بعد فترة من الزمن، في حفلات رياضية مع فرق رياضية جماعية..

محمد كريشان: يعني الوتيرة مع الجانب العربي تتقدم رويداً.. رويداً.

د. حنا ناصر: تتقدم الحقيقة بشكل جيد جداً، وكان عندنا أول وفد شارك من الجامعات الفلسطينية مع وفود عربية في الأردن، وأنا بافتكر يمكن قسم من الطلاب يمكن هادي أول مرة خرج خارج حدود فلسطين، ولازم تعرف إيش معناته إنه صار له 25 سنة يمكن هذا الطالب -فقط- موجود في بقعة صغيرة، يمكن أبعد محل راح فيه يعني من بيرزيت يمكن رام الله، والآن هو وصل إلى عمان.

محمد كريشان: على ذكر الـ25 سنة -دكتور- أنتم قضيتم زهاء العشرين عاماً خارج الوطن، أبعدتم من قبل سلطات الاحتلال، وعدتم في 93، هذه الفترة من الابتعاد اشتغلتم فيها بالعمل السياسي مع منظمة التحرير، وغيره من الأعمال الأكاديمية، هل أعطتكم نوع من البعد الذي جعلكم تنظرون إلى عملكم الجديد -هنا- برؤية مختلفة عن ربما زميل آخر لم يحظ بهذه الفرصة -هي فرصة، وعقاب في نفس الوقت- بالاحتكاك بمؤسسات جامعية في الخارج، وتجارب أخرى في الخارج؟

د. حنا ناصر: يعني لا شك إنه هي تجربة -زي ما قلت أنت- هي عقاب، ولكن -في نفس الوقت- هذا العقاب فيه منه تجارب كبيرة، وأنا أتيحت لي الفرصة أن أشارك كعضو في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وأعتبر إنه هذه تجربة كبيرة، خاصة إني كنت مسؤول عن أمور متعلقة بالتعليم العالي في وقت من الأوقات، وتمكنت من لقاء عدد من المسؤولين في التعليم العالي في الدول العربية.

وهذا كمان ساعدتني -أنا- في فتح آفاق حول التعليم العالي في المنطقة العربية، وربما بسبب هذا الانفتاح، كمان أنا صرت أشوف إنه هذا الانفتاح - اللي بأحكي عنه يمكن من أول اللقاء- أصبح هو نوع من الهاجس اللي لا يمكن أتصور أن تكون جامعة -ونسميها جامعة- دون أن تكون السمة المميزة إلها، ليس فقط التعليم الجيد وإنما الانفتاح.

والجامعة المبنية على الانفتاح -بغض النظر- الانفتاح السياسي، الانفتاح الاجتماعي، الانفتاح الثقافي، ودون خلط، يعني إحنا أحياناً في اللغة العربية نرتعب إنه منفتحين ونعتقد إنه الثقافة تغزونا -الثقافة الأجنبية- أنا لا أفهم ماذا تعني هذه الكلمة، غزو الثقافة الأجنبية، لنا ثقافتنا، ونتفاعل مع ثقافات مختلفة، والناس هي بهذه التعددية من الثقافات تتعامل، الإنسان ليس إنسان فقط فلسطيني، وإنما هو جزء من المجتمع الدولي، وننظر إلى الإنسان الفلسطيني، والإنسان العربي إنه يجب أن ينطلق من إنه يكون عربي -وهذه النقطة الأساسية هو عربي، أو فلسطيني- وينطلق إلى الآفاق الكبرى، وأنا بافتكر هذه الأمور اللي يمكن أنا ساعدتني -وأنا بالخارج- أشوفها بقوة أكثر.

محمد كريشان: دكتور، هناك مشكلة -الحقيقة-لم نخض فيها منذ البداية، وهو الوضع المالي للمؤسسات الجامعية، نحن -الآن- في جامعة بيرزيت، وهناك إضراب على أساس أن هناك إشكالات مالية من رواتب وغيرها، ما حجم هذا المشكل المالي؟ ما مدى تأثيره على الإنتاج الأكاديمي والعلمي في الجامعة؟

د. حنا ناصر: يعني الحقيقة كل الجامعات الفلسطينية -أو معظمها خليني أقول- هي تعاني من مشكلة مالية كبيرة، وأنا بأقول: ممكن تكون جامعة غنية، ولكن لا تقوم بعملها الأكاديمي جيد، أو لا يكون عندها فكر، ولكن ليس من الممكن أن تقوم بأعبائك التعليمية وبالفلسفات، وأن تنجز الفلسفات إذا ما كان فيه مصادر مالية جيدة.

لسوء الحظ فيه إشكال، هو فيه إشكال لدى كل الجامعات، وكنا نعتقد في إنه من المفروض أن تقوم السلطة الفلسطينية بتوفير أموال لازمة للتعليم العالي.. كافية للتعليم العالي، ونتكلم عن مبالغ -أنا أقول- ليست باهظة، ولكن يمكن في حدود الأربعين مليون دولار سنوياً، وإذا توفرت هذه الأموال لجميع الجامعات، فإن التعليم العالي سينهض بشكل رئيسي، المشكلة أنه السلطة الفلسطينية نفسها تعاني من مشاكل مالية، وضعها الآن في وضع صعب، الوضع السياسي صعب، والوضع الاقتصادي صعب، لأنه الوضع السياسي صعب، والحلقة يعني واحدة ورا التانية بتيجي.

وإحنا الآن وقعنا في هذا الفخ، نأمل.. ونعمل.. أنا لا أقول نأمل بهذا الشكل نعمل مع المجلس التشريعي، ونعمل مع السلطة التنفيذية من أجل إيجاد حل لهذه المشاكل، وأنا -الحقيقة- حريص إنه ما نخلي هذه المشكلة تقف عائق أمام تقدم الجامعة، وبالرغم من كل هذه المشاكل، وأحياناً فيه إضرابات، وأحياناً فيه ابتهاجات.. يعني مش كل.. يعني لا شك إنه فيه إضرابات، ولكن إحنا كل يوم والتاني بنشوف فيه احتفال في بيرزيت.

قبل يومين تلاتة كان عندنا احتفال بتكريم أحد الشخصيات الفلسطينية، وقبل فترة افتتحنا معهد الحقوق الكبرى في إخوان إلنا وأشقاء إلنا في دولة قطر، وقبل فترة كمان افتتحنا مبنى (أل مكتوم) للطلبة، فالجامعة الحقيقة.. مظبوط فيها مشاكل مالية، ولكنها في نفس الوقت هي تنظر ليس بالنظارات السوداء، وإنما تنظر بالنظارة البيضاء، إنه فيه واجب علينا نعمله، وسنقوم به، وسنحل المشاكل المالية إن عاجلاً أو آجلاً.

محمد كريشان: هل المساعدات العربية أو التبرعات العربية.. هل هناك إمكانية لأن تتدفق بشكل أفضل، يعني مثلاً الدول المانحة في تعاملها مع السلطة، تركز أكثر ربما على جوانب الشرطة الفلسطينية، مؤسسات السلطة، أحياناً قليلة البنية التحتية، ولكن من يهتم بالجانب الأكاديمي والعلمي؟

د. حنا ناصر: يعني الحقيقة كلامك مظبوط، لأنه لما تركت سلطات الاحتلال بعض المناطق، هي تركتها ببنية تحتية كتير سيئة، فالشارع اللي ما بين رام الله
و بيرزيت -مثلاً- هو شارع كان سيئ جداً، وكان في كل يوم يحصل حوادث، وإحنا الحقيقة ظلينا نحكي مع السلطة حتى أنجزت شارع متميز الآن -نوعاً ما- فالحقيقة فيه متطلبات للسلطة كبيرة، وإحنا علينا كمان نقنع السلطة إنه التعليم العالي هو أحد الأولويات المهمة..

محمد كريشان [مقاطعاً]: واستثمار أيضاً.

د. حنا ناصر [مستأنفاً]: واستثمار.. تمام، أنا بأقول لو فيه عندنا 50 ألف طالب..لو 50 ألف طالب بدهم يسافروا للخارج، لو كل واحد بيكلف حوالي 5 آلاف دولار حتى يترك للخارج كان كمية الأموال اللي بتترك فلسطين حوالي 250 مليون دولار سنوياً، كل هذا -الآن- عمال بيتوفر في الداخل، فالحقيقة أنا أنظر للتعليم العالي هو استثمار مالي -إذا بنطلق عليه مالي- لأنه المال بيبقى داخل البلد، وأيضاً هو استثمار في الطلاب، كل هؤلاء الطلاب، بيتعلموا في داخل الوطن، ومنهم من يخرج إلى الخارج، وهو استثمار في الأساتذة، الأساتذة بيشتغلوا في بلدهم، فإذا بتحسبها من جميع النواحي هي مراكز إشعاع كبيرة، وبكلفة أقل، وأكثر من ذلك إنه يمكن كل قرش، أو كل دولار بيجي من السلطة الفلسطينية، فيه يأتي كمان أموال من المتبرعين من الخارج، فالحقيقة إذا زرت بيرزيت، وزرت الحرم، ستجد عدة مباني في الجامعة، وكل هذه المباني هي تبرعات من فلسطينيين، ومن عرب، وهذا مهم جداً إنه الجامعة ليست مبنية -فقط- من أموال الفلسطينيين، وإنما هي من أموال العرب، لأنه أنا أعتبر أن جامعة بيرزيت هي جامعة.. مظبوط موجودة في فلسطين، ولكنها البعد القومي فيها هو البعد الراسخ، إن هي جامعة عربية موجودة في فلسطين.

محمد كريشان: هناك من شبه الجامعة بأنها يمكن أن تكون (أكسفورد)، العرب، يهل هل هناك مبالغة في هذا الوصف؟

د. حنا ناصر: يعني أنا بدي أقول ياريت، ولكن الأمل إنه تكون جامعة بيرزيت فعلاً أن تبقى مميزة.. مميزة أكاديمياً، ومميزة بالروح العالية فيها، وبالفلسفة اللي فيها، وأنا بافتكر إنه يمكن ركزت كتيراً على الفلسفة، ولكن أعتقد إنه الفلسفة، والرؤية.. للمستقبل هي مهمة، ويجب أولاً -زي ما قلت الأول- إنه تكون الجامعة متحررة، ومتحررة بالكامل.

يجب أن تتعامل مع السلطة بطريقة مناسبة، فيه استقلالية للجامعة، ولكن هذه الاستقلالية لا تعني تعارض، وإنما هو تعاون مع السلطة، ولكن استقلالية.. القرارات تؤخذ في داخل الجامعة، ولكن فيه تعاون، وإحنا نقوم بعدة مشاريع -بالمناسبة- مع السلطة الوطنية، نحن نعمل -مثلاً- نفحص الأدوية، نفحص المياه.. كلياتها في برامج مع السلطة، نقوم بعمل دراسة للتشريعات الفلسطينية في مركز الحقوق في الجامعة لصالح السلطة الفلسطينية، فالحقيقة ما لازم الواحد ينظر للسلطة بشكل سلبي، وإنما لازم ينظر للسلطة بشكل.. كيف تقدر تنمي العلاقة الإيجابية بين المؤسسات العلمية والسلطة الموجودة.

محمد كريشان: إذاً، فالجامعة ليست قلعة للباحثين مقفلة، هي في تفاعل دائم مع.. حتى خدمات يجب أن توفر في المجتمع.

د. حنا ناصر: تماماً.. تماماً.

محمد كريشان: في النهاية شكراً لضيفنا الدكتور حنا ناصر (رئيس جامعة بيرزيت) وقد خضنا معه في قضية العمل الجامعي والأكاديمي في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، ومختلف الصعوبات، وأساساً من خلال جامعة بيرزيت، شكراً جزيلاً.

د. حنا ناصر: شكراً.