تناولت حلقة برنامج "من واشنطن" ما كشفت عنه تحقيقات روبرت مولر حول تأثير روسيا ودول الخليج في السياسة الداخلية الأميركية. فإذا كانت الولايات المتحدة القوة العظمى في العالم التي تؤثر على سلوك ومصائر الأنظمة السياسية فيه حسبما تمليه مصالحها، فإنها تتعرض هي أيضا للتأثيرات والتدخلات الخارجية.

ليس هذا واقعا جديدا، بل هو جزء أصيل من نسيج النظام السياسي الأميركي منذ عقود طويلة، وقد وضع المشرع قوانين تحكمه. لكن الجديد في هذا الواقع هو ما تكشّف عن طبيعته ونطاقه في ظل إدارة الرئيس دونالد ترمب الذي كان قد وعد بما وصفه بتجفيف المستنقع، والقضاء على بيع وشراء النفوذ بما يؤثر على صنع قرارات الدولة الأميركية أو على أصوات الناخبين الأميركيين.

ومن يتابع المصادر الأميركية -ومن بينها وسائل الإعلام- هذه الأيام، يستخلص أن واشنطن عبارة عن سوق لبيع النفوذ وشرائه، بما في ذلك التأثير على السياسة الخارجية الأميركية.

فماذا تعني هذه المعارك لطبيعة الديمقراطية الأميركية؟ وماذا تعني لسياسة واشنطن في ملفات كالأزمة الخليجية؟ 

تأثير معروف
يقول مدير مكتب صحيفة "الإنترسبت" في واشنطن ريان غريم إن التأثير المالي الخارجي في السياسة الأميركية موجود قبل ترمب، لكن لم يكن الإعلام يتحدث عنه، غير أن ترمب نتيجة لطرده مدير مكتب التحقيقات الاتحادي تسبب في تشكيل لجنة تحقيقات يقودها المحقق الخاص روبرت مولر.

وأضاف أن المحقق مولر بدأ يحفر عميقاً خلال بحثه عن التأثير الروسي في الانتخابات، وكشف كل من مروا في طريقه، وتعقب التحويلات المالية وشبكات العلاقات العامة العاملة لصالح الدول الخليجية.

ويتابع غريم أنه في الثمانينيات كانت السعودية هي المستثمر الخليجي الأكبر في جماعات الضغط بالولايات المتحدة، لكن في العام 2006 بدأ الإماراتيون بالعمل على شراء عدد من الموانئ البحرية في العالم، وخسروا بعضها في أميركا، فقرروا أن يستثمروا في جماعات الضغط، وأصبحوا اليوم المستثمر الأجنبي الأكبر في الولايات المتحدة على هذا الصعيد.

المال الخليجي
بدوره، قال مدير دائرة البحوث في المركز العربي بواشنطن عماد حرب إن ترمب جاء بوعد انتخابي بأنه سيجفف المستنقع في البلاد، وقصد تأثير المال الخارجي في السياسة الأميركية، لكن الواقع يقول إن المستنقع يتوسع بشكل أكبر.

واعتبر حرب أن المال الخليجي أصبح يلعب دوراً كبيراً في واشنطن، وقد رأينا آثار ذلك في الأزمة الخليجية، ووقوف ترمب إلى جانب الحصار، وشبكة العلاقات الفاسدة لصهره كوشنر مع الإمارات والسعودية.

وأضاف أن تأثير الإمارات على ترمب لا ينفي أن لموسكو يداً في وصول ترمب، لكن اليوم لم تصبح موسكو وحدها في الواجهة، بعد ما كشفت عنه التحقيقات.

استثمار الأزمة
أما الصحفي والمحلل السياسي حسين عبد الحسين فيرى أن تأثير ترمب على الأزمة الخليجية موجود، لكنه ليس كبيراً، فترمب منذ اليوم الأول حاول هزيمة قطر، لكنه فشل في ذلك، كما أنه اتصل بعد ذلك بزعماء الخليج وحاول حل الأزمة، لكنه فشل في ذلك أيضاً. يبقى الأكيد فيما يحصل أن ترمب يحاول الاستفادة مالياً من هذه الأزمة.

ويتابع أن مولر توسع في التحقيق ليشمل أبعد من التدخل الروسي، معربا عن اعتقاده بأنه يهدف على المدى البعيد إلى صناعة قوانين ناظمة لعملية التأثير المالي في واشنطن.