من صدق كل ما قيل خلال الحملة الانتخابية للرئاسة الأميركية كان عليه بالضرورة أن يتوقع أن تكون العلاقات بين واشنطن وموسكو في أفضل حالاتها الآن، لأن الروس تدخلوا لمساعدة مرشحهم المفضل، بل وصف البعض للرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب بأنه بيدق موسكو في البيت الأبيض، لكن 59 صاروخا قلبت التوقعات رأسا على عقب.

أسباب الأزمة تبدو مزمنة، بعضها يعود لأيام الحرب الباردة ومعظمها بعد انهيار جدار برلين، لكن سلوك ومصير الرئيس السوري بشار الأسد ارتقى إلى واجهة الأزمة بين البلدين.

حلقة الجمعة (14/4/2017) من برنامج "من واشنطن" ناقشت العلاقة الأميركية الروسية على ضوء غارة أميركية على قاعدة جوية سورية الأسبوع الماضي.

ومع أن ترمب امتنع عن الحديث بأي سوء عن الرئيس الروسي، فإنه يُعد الرئيس الأميركي الرابع على التوالي الذي يفشل في تحسين العلاقات مع موسكو.

فكيف كانت حدة المواجهة الأخيرة بين الدبلوماسيين الروس والأميركيين قبل أن تنتهي المعركة كسابقاتها بفيتو روسي يحمى النظام السوري؟ وإلى أي حد كان مفاجئا تشدد المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة ضد روسيا؟ وهل يبدو أن موضوع سوريا والدعم الروسي غير المشروط لنظام الرئيس السوري بشار الأسد هو العقبة الرئيسية أمام تطبيع العلاقات بين موسكو وواشنطن؟ أم إن هذه الأزمة تخفي الكثير من ورائها؟ وهل أسباب الأزمة في العلاقات الأميركية الروسية الحالية مرحلية أم مزمنة؟

تباينات كبيرة
حول هذا الموضوع، يقول الباحث الزائر في برنامج كارنيغي للشرق الأوسط جوزيف باحوط إن هناك تباينات كبيرة بين الولايات المتحدة وروسيا حول سوريا، لكن لا يمكن الجزم بأن هناك ترمب جديدا على الساحة الدولية، والأكيد أن ترمب القديم بدأ يتغير، وهذا له علاقة بوضع داخلي أميركي.

وذكر باحوط أنه عندما اجتاح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شبه جزيرة القرم، وعندما تدخلت روسيا في سوريا، كان هناك تراخ أميركي كبير في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما في التعامل مع هذا التحدي.

واعتبر أن السؤال الأهم الآن هو هل تصعيد ترمب ضد روسيا ناتج فقط عن رغبة منه في هزيمة نهج سلفه أوباما، أم هو موقف أصيل وإستراتيجي لإعادة الولايات المتحدة إلى مركزها العالمي القيادي؟ ويجيب "هذا ما لم تكشفه بعد شخصية ترمب".

هامش مناورة
بدوره يرى أستاذ تسوية النزاعات في جامعة "جورج ميسون" محمد الشرقاوي أنه بين الأعوام 1990 و2010 عاش المحور الغربي عموماً والأميركيون خصوصاً حالة نشوة وشعور بالانتصار بعد تفكك الاتحاد السوفياتي.

ويتابع أنه عندما أتى بوتين إلى السلطة عاش شعور الانتقام هذا والرغبة في العودة إلى أيام المجد الإمبراطوري السوفياتي، وهذا ما رأيناه في سلوكه السياسي والعسكري وحروبه المتعددة التي بدأت في الشيشان وجورجيا ثم أوكرانيا والآن سوريا وليبيا.

وأعرب الشرقاوي عن اعتقاده بأننا بصدد نهاية نظام عالمي استفردت فيه الولايات المتحدة بالزعامة، معتبرا أن ما نشاهده الآن بين أميركا وروسيا هو "هامش مناورة"، لكنه استبعد أن يتطور الأمر إلى صدام حقيقي بين البلدين.

ارتباك روسي
أما المحلل السياسي والكاتب الصحفي الروسي يفغيني سيدروف فخفف من حدة الصدام المتوقع، معتبرا أن ما حدث في شعيرات لم يكن مفاجئا لروسيا، التي أُبلغت رسميا من أميركا بالغارة.

ويرى سيدروف أن روسيا تشعر حاليا بنوع من الارتباك فيما يتعلق بتفهم واضح لموقف ترمب، الذي غيّر موقفه مرات عدة من الأسد، ولذلك لا يمكن توقّع تصرفاته.

ويدل على هذا الارتباك أنه رغم كل التصريحات الروسية الاتهامية ضد الولايات المتحدة، فإن موسكو تجنبت الإشارة لترمب مباشرة، وهذا يدل على أنها تتوقع أن تجد نقاطاً مشتركة معه في المستقبل.