من برنامج: أولى حروب القرن

تداعيات التوتر الهندي الباكستاني على حرب الإرهاب

كيف سيؤثر التوتر الهندي الباكستاني على الحرب الأميركية على الإرهاب في أفغانستان؟ هل تسمح الولايات المتحدة باندلاع حرب قد تكون نووية في شبه القارة الهندية؟ من يقف وراء التهديدات الهندية لباكستان؟
مقدم الحلقة: محمد كريشان
ضيوف الحلقة: حسن مدن: باحث وكاتب صحفي
حسن أبو طالب: باحث مصري
تاريخ الحلقة: 02/01/2002

– تأثير الحرب في أفغانستان على الأزمة بين الهند وباكستان
– تصعيد الموقف، وإلى أي مدى يمكن أن يصل؟
– انعكاسات المفهوم الأميركي للإرهاب على الموقف الباكستاني
– علاقة الحكومة الانتقالية الأفغانية مع الهند وباكستان
– مستقبل الأزمة الهندية الباكستانية في ظل الضغوط الخارجية والداخلية

undefined
undefined
undefined

محمد كريشان: مشاهدينا الكرام، السلام عليكم ورحمة الله، أهلاً بكم في حلقة جديدة من (أولى حروب القرن)، وذلك في موعدها وتوقيتها الجديدين، حيث أصبح البرنامج يأتيكم الاثنين والأربعاء والجمعة، الجمعة من واشنطن والاثنين والأربعاء من الدوحة، وذلك في تمام الخامسة وعشر دقائق بتوقيت جرينتش، الثامنة وعشر دقائق بتوقيت مكة المكرمة.

حلقتنا هذه المرة نتناول فيها الأزمة الباكستانية الهندية، وخاصة من زاوية علاقتها بالحرب في أفغانستان وما يوصف بالحملة الأميركية ضد الإرهاب.

ضيوفنا في هذه الحلقة هم هنا في الاستديو الدكتور حسن مدن (كاتب صحفي متابع للشأن الآسيوي)، وعبر الأقمار الاصطناعية من القاهرة الدكتور د. حسن أبو طالب (من مركز الدراسات الاستراتيجية بصحيفة الأهرام المصرية).

إذن حلقتنا نتناول فيها الأزمة الباكستانية الهندية، ونبدأ هذه الجلسة بهذا التقرير لحسن إبراهيم.

تقرير/ حسن إبراهيم: حدود الهند وباكستان تحولت من ساحة للحركات الاستعراضية لحرس حدود البلدين إلى مظاهرة عسكرية مخيفة، بل وأمسك العالم أنفاسه بعد أن لوح البلدان باستخدام أسلحتها النووية. أتى التصعيد بين البلدتين بسبب الهجوم على البرلمان الهندي من قبل مسلحين تقول الهند إنهم ينتمون إلى جماعتي لشكر طيبه وجيش محمد، وتتهم الهند باكستان بتسليحهما وإيوائهما. ودقت طبول الحرب في البلدين، وأغلقت الحكومة الهندية الحدود ما بين البلدين منهية خدمات السكك الحديدية عبر الحدود، وكذلك أغلقت مجالها الجوي أمام الرحلات الباكستانية التي تعبر أجواءها وقطعت كذلك خطوط الاتصالات الهاتفية. وتوسط الرئيس الأميركي (جورج بوش) بين الدولتين وحث باكستان على اتخاذ إجراءات رادعة ضد ما أسماه بـ"إرهاب الجماعات الكشميرية المسلحة". فبوش يعلم أن أي حرب بين الدولتين ستؤدي إلى خلط الأوراق الإقليمية، وقد تشكل خطراً على الجنود الأميركيين المرابطين في أفغانستان وبعض القواعد في باكستان نفسها. واستجابت باكستان باعتقال زعيمي جماعتي لشكر طيبه وجيش محمد لتثبت جديتها في منع هذه الجماعات.

الهند من جهتها أعلنت أن الإجراءات الباكستانية خطوة في اتجاه الصحيح، لكن يبدو أنها ستستغل الظروف الحالية لإملاء كثير من الشروط التي ما كانت لتستطيع إملاءها في الماضي. فالهند تطالب بإغلاق ملف كشمير إلى الأبد مؤكدة على هوية الإقليم الهندية، وتريد استبعاد فكرة الاستفتاء على استقلال الإقليم أو تبعيته لباكستان. وتطالب الهند بإنهاء أي نشاط للجماعات الكشميرية المسلحة عبر حدودها، وهو ما سيزيد من الضغوط على حكومة مُشرَّف من قِبَل الجماعات الباكستانية التي ترتبط بالتنظيمات الكشميرية. ما يقلق باكستان كذلك التنسيق المتصاعد ما بين الهند وأفغانستان التي ما عادت تدور في الفلك الباكستاني، وتعتبر باكستان ذلك من الأنشطة الهندية المعادية. ورغم أن احتمالات الحرب الشاملة تراجعت بعض الشيء، إلا أن كثيراً من المراقبين يعتقدون أن الأمور مازالت مرشحة للمزيد من التصعيد والانفجار.

محمد كريشان: تقرير حسن إبراهيم في بداية هذه الحلقة والتي نتناول فيها الأزمة الباكستانية الهندية ارتباطاً بالحرب في أفغانستان وارتباطاً بما يوصف بالحملة الأميركية ضد الإرهاب.

دكتور حسن مدن، في كل زلزال يقال الزلزال ثم توابع الزلزال، إلى أي مدى يمكن أن نعتبر ما يجري الآن من أزمة بين باكستان والهند هي من توابع زلزال الحرب في أفغانستان؟

تأثير الحرب في أفغانستان على الأزمة بين الهند وباكستان

حسن مدن: إلى مدى كبير يمكن أن نقول إن الأزمة الهندية الباكستانية هي من توابع ومن تداعيات الحرب التي جرت في أفغانستان أو التي لا تزال تجري، لأن هذه الحرب ترتب عليها نتائج يمكن تلمس مظاهرها منذ الآن، يعني يبدو لي أن المتضرر الأكبر –إذا حسبنا حساب القوى الإقليمية الموجودة في المنطقة- هي باكستان، هي في الوضع الأضعف، وهذه الحرب أعطت –بنتائجها- أعطت امتيازات للهند، وضعت الهند في الموقع القوي الذي من خلاله هي تحاول أن تملي شروطها على باكستان لتسوية أو.. لتسوية النزاع –إن جاز القول- بين.. بين البلدين بالصيغة التي تلائم الهند وتستجيب لشروطها، يجب ألا ننسى أن..

محمد كريشان [مقاطعاً]: يعني الهند أرادت أن تستغل هذا المناخ الدولي الجديد؟

حسن مدن: هذا المناخ الدولي يعني في كل الأحوال مناخ ملائم للهند، لأن باكستان تعتبر –من وجهة نظري- تعتبر لاعباً خاسراً الآن في الذي جرى، أخذاً بعين الاعتبار الترتيبات الداخلية في.. في أفغانستان التي أخرجت باكستان ولو.. ولو جزئياً ولو لمدى معين من اللعبة، بعد أن كانت باكستان هي اللاعب الرئيسي في أفغانستان أصبحت يعني هي الخاسر الكبير، هذا من جهة من الجهة الأخرى يجب أن نتوقف أمام التفاهم الذي يكاد يبلغ حتى درجة التحالف الأميركي الهندي في المعطيات الجديدة، طبعاً هناك هدية قدمت على طبق من ذهب للهند عبر الهجوم الذي نُفِّذ على مقر البرلمان الهندي، واعتبرته الهند إهانة كبيرة، وصعَّدت الموقف. في تقديري حتى لو لم يحدث هذا.. هذا الهجوم لكانت الهند في كل الأحوال ستجد صيغة من الصيغ لتصعيد شروطها في العلاقة مع باكستان.

محمد كريشان: نعم، دكتور حسن أبو طالب في القاهرة، هل فعلاً باكستان والجماعات الكشميرية قدمت هدية على طبق من فضة، والهند وجدت أن المناخ الدولي بهذه الهدية أصبح أفضل بالنسبة إليها؟

د. حسن أبو طالب: بالتأكيد، بس أنا أتحفظ على إن الهند.. على إن باكستان كانت وراء هذا الهجوم الذي حدث ضد الطالبان الهندي في 13 ديسمبر الماضي، أتحفظ لذلك لأن حتى هذه اللحظة لا.. لا توجد هناك دلائل قوية قدمتها الهند للرأي العام الدولي تثبت التورط الباكستاني المباشر في هذا الهجوم. لكن إذاً رجعنا للمناخ الدولي العام بعد الحرب التي جرت في أفغانستان وبعد انهيار نظام طالبان، والذي بيمثل نوع من أنواع الخسارة الاستراتيجية الكبرى لباكستان، وأيضاً المناخ الدولي المتمثل في الهجمة المضادة تجاه كل ما يسمى أو يرتبط بحركات جهادية إسلامية، أتصور إن الهند وجدت إن هذا المناخ بيعطيها فرصة كبيرة جداً للانتفاضة على الحركات الجهادية الإسلامية التي تعمل في كشمير ضد الوجود الهندي هناك، هذا من جانب.

من جانب آخر إذا رجعنا إلى القيم اللي فرضتها الولايات المتحدة في أثناء الحرب في أفغانستان، وتمثلت في مبدأين أساسيين وهو: حق الدفاع عن النفس دون العودة للأمم المتحدة، وأيضاً الحق في العمل العسكري المنفرد ضد ما يعتبر يعني جهة ما تمثل تهديد للأمن الداخلي والأمن القومي لدولة من الدول، وإذا ربطنا دوره بموضوع.. إن الجماعات التي تعمل في كشمير هي جماعات إسلامية، فكل ذلك بيعطي الهند ميزة استراتيجية للتقدم لتصفية القضية الكشميرية، وإعادة تنفيذ أو إعادة تطبيق ما طبقته الولايات المتحدة في أفغانستان لصالحها في هذا الموضوع.

من هذا الجانب أستطيع أن أقول إن البيئة الاستراتيجية العامة والبيئة السياسية الدولية كانت بتعطي للهند ميزة للتحرك لتحقيق بعض أهداف كانت تعجز –في الحقيقة- عن تحقيقها في ظل المناخ الدولي السابق.

محمد كريشان: ولكن هل هذه اللقطة استطاعت الهند أن تلتقطها في المشهد السياسي الحالي أم هناك ربما إيعاز؟ إلى أي مدى ترى الأمور كمبادرة هندية ذاتية أم إيعاذ من ربما الولايات المتحدة أو غيرها من الأطراف؟

د. حسن أبو طالب: لأ، في الحقيقة يعني أنا أميل إلى ترجيح أن ذلك استغلال هندي مباشر، هناك كما نعلم فيه مشاكل كبيرة جداً بين الائتلاف الحكومي الحاكم بقيادة الحزب.. بقيادة زعيمه (فاجباي)، وأيضاً هناك بعض المشاكل داخل الحزب الهندوسي القومي الحاكم، وهذه الأمور بتحتاج إلى تغطية بصورة أو بأخرى، المناخ الدولي هنا هو بيقدم للهند، إضافة إلى الهجوم الذي حدث ضد.. البرلمان، بيقدم يعني فرصة.. فرصة قوية جداً لاستغلالها لتحقيق بعض الأهداف السياسية اللي تلغي أو تُلهي الرأي العام الداخلي في الهند عن التركيز على القضايا الداخلية، عند القضايا المتعلقة بالفساد، القضايا المتعلقة بعدم قدرة الحزب الحاكم والائتلاف الحاكم على تحقيق بعض الأمور التنموية، وأيضاً عدم قدرته على محاصرة الحركات الانفصالية في عدد آخر من الولايات الهندية، إضافة إلى كشمير كما نعلم هناك عدة ولايات خمس ولايات أخرى فيها حركات انفصالية، وبالتالي هذا الوضع أدى إلى أن يتصرف الهند من وحيها ومن تصورها بأن الظروف الدولية بتعطيها ميزة قد لا تتكرر في المستقبل.

محمد كريشان: دكتور مدن، هذه الفرصة التي قد لا تتكرر مستقبل، هل.. تجعل من ملامحها الأساسية عندما جعلت واشنطن هذه الجماعات الكشميرية ضمن قوائم الإرهاب التي حددتها واشنطن؟ أيضاً لا يمكن لأي نظام حكم –مهما كانت حساباته، مثلما ذكر الدكتور أبو طالب- أن.. أن يفوت هذه الفرصة.

حسن مدن: بالطبع، لأن –كما أشرنا منذ قليل- الهند تتحرك في مناخ دولي مؤاتي تماماً قد لا يتكرر، تماماً هذا تشخيص صحيح، لأن الهند تعوِّل كثيراً على تفاهمها مع.. مع الولايات المتحدة، تتفهم على المناخ.. الذي المناخ الدولي الذي يقرن الإسلام بالإرهاب أخذاً بعين الاعتبار إن الجماعات الكشميرية المعنية بالموضوع والتي يدور عنها الحديث هي جماعات إسلامية أيضاً، وفضلاً عن ذلك طريقة إملاء الشروط، يعني الولايات المتحدة أرست قاعدة أو رسَّخت منهجاً جديداً في العلاقات الدولية بموجبه يستطيع الطرف الذي يدعي إنه تضرر لسبب أو لآخر أن يأخذ حقه بنفسه دون العودة إلى.. إلى المعايير الدولية أو إلى الهيئات الدولية، ولذلك لاحظنا إن الخطاب الأميركي.. ردة الفعل الأميركية تجاه التصعيد الهندي كانت أقرب إلى الحياد إن لم يكن إلى.. التواطؤ، يعني الرئيس (بوش) تحدث عن..

محمد كريشان: تقصد التواطؤ مع الهند أكثر؟

حسن مدن[مستأنفاً]: نعم، نعم.. تحدث عن.. يعني الباكستان بوصفها ضحية، وأشاد.. عن الهند –عفواً- بصفتها ضحية للهجوم الذي حدث وأشاد بخطوات الحكومة الباكستانية عندما ألقت القبض على زعماء الجماعات الكشميرية..

محمد كريشان: اعتبرها لفتة طيبة يعني..

حسن مدن: طيبة، ويمكن حتى يتداعى المرء يعقد مقارنة حتى بين الطريقة التي يتحدث بها رئيس الوزراء الهندي الآن مثلاً والطريقة التي يتحدث بها (شارون)، دون طبعاً يعني الرغبة في خلط الأمور، ولكن أيضاً كل خطوات..

محمد كريشان: تعتبر خطوة وتحتاج إلى المزيد..

حسن مدن: نعم، نعم كلما تحدث يعني..

محمد كريشان: يعني تقريباً نفس اللغة تعاد.

حسن مدن: السلطة الفلسطينية على خطوات فشارون يقول أنها خطوات غير كافية ولازال من المتعين أن تُبذل جهود إضافية. نفس هذا الخطاب موجود تسمعه في الهند الآن كما لاحظنا.

محمد كريشان: عندما يشير الدكتور أبو طالب بأنها فرصة قد لا تتكرر وأنت أيضاً تشاطره هذا التحليل، هل معنى ذلك بأن عدم تفويت هذه الفرصة هو الهدف الأساسي للهند، بهذا المعنى قد لا تؤدي أية مساعي إلى التهدئة أكلها يعني، أم ليس بالضرورة يعني؟

حسن مدن: ليس بالضرورة، لأن أنا يعني أخذاً يعني بالاعتبار كل التطورات التي نتابعها الآن نجد أن الوضع قد لا يصل إلى حد الاصطدام العسكري أو المواجهة العسكرية، ربما هناك يعني شكل من أشكال التصعيد العسكري أو الاحتقان الذي يصل أبلغ مدى ممكن دون أن يتحول إلى فعل عسكري يعني مواجهة واسعة بين البلدين، من خلالها تستطيع الهند يعني من التلويح باستخدام القوة، وطبعاً لو عدنا إلى موازين القوى العسكرية بين البلدين للاحظنا أن يعني الهند متفوقة بشكل كبير بشكل لا يقارن، يعني يمكن نقطة القوة الوحيدة التي يمكن تراهن عليها الباكستان هي القنبلة النووية، وأعتقد هذا غير مسموح باستخدامها لا إقليمياً ولا دولياً، فميزان القوى ليس لصالح الباكستان في كل الأحوال، وتدرك الحكومة الهندية أنها تضغط على خصم ضعيف، ولنلاحظ أن الحكومة الباكستانية تقدم تنازلات، تقدم المزيد من الخطوات استجابة أو رضوخاً، ليس فقط للضغوط الهندية وإنما أيضاً للضغوط الدولية والإقليمية الأخرى.

محمد كريشان: نعم، إذن الدكتور مدن والدكتور أبو طالب يتفقان في نقطة أساسية وهي أن اللحظة التاريخية لحظة مناسبة بالنسبة للهند فرصة قد لا تتكرر، ولكن إلى أي مدى يمكن أن تصل الأمور، هي النقطة التي سنحاول أن نبحثها.

[فاصل إعلاني]

تصعيد الموقف وإلى أي مدى يمكن أن يصل؟

محمد كريشان: معنا الآن من نيودلهي ظفر الإسلام خان وهو من صحيفة "مللي جازيت". سيد خان، ضيفانا في الأستديو وفي القاهرة يؤكدان بأن اللحظة التاريخية مناسبة بالنسبة للهند، حتى تقضي على ما تعتبرها جماعات مناهضة في كشمير، وتواصل إدارة الأزمة مع باكستان بطريقة أفضل. إلى أي مدى يمكن أن تصل الهند في استغلال هذه اللحظة التاريخية؟

د. ظفر الإسلام خان (صحيفة مللي غازيت): لا، أنا لا أظن أن اللحظة التاريخية مناسبة، المناخ كان مناسباً ولكن الولايات المتحدة لا تريد للهند أن تواصل التقدم في هذا الاتجاه، لأن أميركا خايفة على جنودها وعلى عتادها وعلى برنامجها لمحاربة ما تسميه بالإرهاب في العالم، فأميركا لا تريد في الوقت الحالي، وأيضاً هناك ضغوط دولية طبعاً أميركية على.. في مقدمتها لمنع أي اصطدام، لأن أي اصطدام سوف يؤدي بطبيعة الحال إلى مواجهة نووية، وكما نعرف أن أميركا بالذات وزارة الدفاع الأميركية أجرت خمس ألعاب وهمية للحروب بين الهند وباكستان، وكل هذه الألعاب الوهمية وصلت إلى أن هناك حرب نووية بين البلدين، فأميركا لا تريد، وأميركا في الوقت الحالي لها يعني قدرة عظيمة للضغط على كل من.. من الهند وعلى باكستان، وإن كان المناخ مناسباً.. لتقوم الهند بتسوية هذه الأزمة وفق ما كانت تريده كل هذه السنوات، إلا أن حاجات أميركا في الوقت الحالي تحول دون ذلك.

محمد كريشان: يعني الأمور دكتور يعني قد لا تصل إلى المواجهة العسكرية المفتوحة، ولكن هل تعتقد بأن اللحظة مناسبة للهند (للابتزاز السياسي) –بين قوسين- تجاه الباكستان حتى تتحسن ظروف الموقف السياسي الهندي بشكل أفضل بكثير؟

د. ظفر الإسلام خان: لأ، في الحقيقة قدرة الهند على الابتزاز السياسي ليست يعني كبيرة جداً، وقد رأينا أن باكستان رفضت العمل بقائمة المطلوبين التي قدمتها الهند أمس لباكستان، وقد وضعتها في سلة المهملات، وهي قالت لن نعمل بهذا إلا لو قدمت الهند الأدلة التي يمكن أن تؤخذ بها.. يعني الأدلة القضائية لاتخاذ إجراءات ضد هؤلاء، طبعاً الأدلة القضائية في مثل هذه الحالات غير موجودة.

محمد كريشان: نعم، دكتور ظفر الإسلام خان، شكراً جزيلاً، وأعطانا فكرة عن وجهة النظر الهندية، الآن مع وجهة النظر الباكستانية، معنا الجنرال حميد جول وهو (رئيس المخابرات الباكستانية السابق).

جنرال جول، هناك مؤشرات تصعيد عسكري وفي نفس الوقت هناك مؤشرات تهدئة سياسية، أين ترى الأمور في هذه الأزمة؟ كيف يمكن أن تسير؟

الجنرال/ حميد جول (رئيس الاستخبارات الباكستانية السابق): أعتقد أن.. أن هناك المؤشرات على تهدئة الموقف، ولكن الهند وبالطريقة التي تحشد فيها وتصعِّد فيها من تحشيد قواتها، قد يقوّض من فرص التهدئة هذه، وإنهم ربما قد يلجؤون إلى عمل شيء لم يكن شيئاً كبيراً، وربما يكون مؤثراً على أية حال.

محمد كريشان: يعني ما هو هذا الشيء ربما؟

الجنرال حميد جول: فيما يخص خط الحدود في كشمير الفاصل بين الهند وباكستان ربما قد يلجؤون إلى عبور الخطوط في منطقة ما إلى الجانب الباكستاني، وعندها يجبرون.. يجعلون.. يجبرون الجيش الباكستاني على الرد عليهم، وربما يكون هذا ما هو موجود في أذهانهم الآن من أجل إلحاق الأذى بباكستان وانتقاماً لما حدث عام 99 لهم.

محمد كريشان: باكستان اعتقلت عشرات من جيش محمد وعسكر طيبه، هل تعتقد بأنها يمكن أن تواصل إلى ما هو أبعد من ذلك؟

الجنرال/ حميد جول: لا أدري حقيقة، ولكن أعتقد إن الضغط يأتي من واشنطن وليس من نيودلهي، وربما كان سابقاً من دلهي، ولكننا بينّا لهم إننا مستعدون للتعامل معهم، ولكن واشنطن هي التي تمارس الضغوط الآن، ولا أدري ربما باكستان لا تستطيع تقبل المزيد من الضغط من قبل دلهي وواشنطن أيضاً، ولا أدري ماذا بوسع باكستان أن تفعله أكثر مما فعلت؟

انعكاسات المفهوم الأميركي للإرهاب على الموقف الباكستاني

محمد كريشان: جنرال جول شكراً جزيلاً لك. دكتور حسن أبو طالب في القاهرة، أريد أن أطرح تساؤل فيما يتعلق بموضوع الإرهاب هل باكستان –إلى حد ما- وقعت ضحية تبنيها لمفهوم الإرهاب الأميركي في أفغانستان وبالتالي لا تستطيع الآن أن تتنصل من نفس المفهوم عندما يتعلق بكشمير، وكشمير مدرجة أو على الأقل بعض حركاتها أميركياً مدرجة على قوائم الحركات الإرهابية.

د. حسن أبو طالب: هذا الموضوع موضوع معقد للغاية لسببين، السبب الأولاني إن التعريف الأميركي للإرهاب ليس محل إجماع من كافة الدول وهو تعريف مطاط للغاية، ويكاد يكون موجه ومركز إلى الجماعات الإسلامية الجهادية أو التي يعني تناهض بعض ملامح الغرب في أسلوب حياته اليومية أو في أسلوب يعني قيمه وفي رؤيته للحياة وبالتالي هذا المفهوم المطاط بيتيح للولايات المتحدة التصرف، لأنها في نفس الوقت بتتغاضى عن كثير من ما يمكن أن يدخل تحت أعمال الإرهاب الدولي كما نرى -على سبيل المثال- في فلسطين المحتلة، وبالتالي فنحن نستطيع أن نقول من زاوية معينة أن باكستان حينما تبنت العمل أو قبلت العمل مع الولايات المتحدة في أفغانستان ضد طالبان وضد تنظيم القاعدة بصورة أو بأخرى كان قدامها أحد خيارين، إما أن تتعاون مع الولايات المتحدة أو إما أن تستمر في مناهضتها لهذا التعاون وتدفع ثمناً غالياً قد يمس وجود الدولة الباكستانية نفسها، ومن هنا قبلت باكستان أو الحكومة الباكستانية التعاون مع الولايات المتحدة رغم غموض التعريف، وفي نفس الوقت رغم اختلافها الكبير مع المفاهيم الأميركية أو التعريف الأميركي الواسع لهذا الموضوع في سبيل الحفاظ على الكيان الباكستاني والأمن القومي الباكستاني، وأنا أتصور إن امتداد هذا الموقف لن يكون على امتداده فيما يتعلق ببعض القضايا الأخرى وخصوصاً في.. فيما يتعلق بكشمير، لأن كشمير لها وضع خاص جداً في السياسة الباكستانية ولها وضع خاص جداً لدى الرأي العام الباكستاني، وأيضاً لدى النخبة الباكستانية الحاكمة رغم اختلافها مدارسها الفكرية والسياسية وتوجهاتها يعني الدينية في نفس الوقت، وبالتالي أنا بأتصور إن باكستان سوف تحاول أن تضع بعض الشروط أو بعض الخطوط التي تفصل بينها وبين المفهوم الأميركي المطاط الذي سبق الإشارة إليه، وقد وضح ذلك بالأمس، سأنهي سريعاً، فيما يتعلق رفض التعامل مع كافة الحركات الجهادية في كشمير باعتبارها حركات إرهابية وأنها حركات بتدافع عن قيمة سياسية مشروعة منها اللي حق الاستقلال وحق الانفصال عن الاحتلال الهندي من وجهة نظر باكستان.

محمد كريشان: دكتور مدن، هل نشاهد عودة سيناريو موضوع العرب وغير العرب، إذا ما اعتمدنا ما قالته اليوم (نيويورك تايمز) من أن الاستخبارات الباكستانية لن تدعم عناصر عربية توجد في كشمير وضمن حركات كشمير، وكأنها تريد أن تنأى بنفسها هذه المرة من الكشميريين العرب إذا أردنا أن نأخذ اقتباس الأفغان العرب، هل هذه أيضاً نقطة تحاول باكستان أن تكون حذرة فيها وهي تتعامل مع هذه الأزمة؟

حسن مدن: يعني ليس أمام باكستان خيار آخر، أنا أعتقد إن من الأصل يعني.. باكستان دُفعت مكرهة إلا أن تُصبح في نطاق التحالف الذي خاض الحرب ضد طالبان، لأننا يعني هذه الخطوة كانت تمس المصالح الاستراتيجية والعمق الجغرافي والبشري والاستراتيجي للباكستان كانت مكرهة ومجبرة.

وأعتقد إن الولايات المتحدة وضعت الجيش جنرالات الجيش الباكستاني أمام محك، وخلال ساعات قليلة الآن يعطوا جواباً بالإيجاب، بالموافقة على دخول هذا التحالف، ويبدو لي أن.. أن نرجع بالأمور إلى بدايتها أنا أعتقد إن باكستان ارتكبت –يعني- خطأ عندما.. بتبنيها لحركة طالبان.

محمد كريشان: يعني لا نريد أن.. أن نغوص أكثر في هذا الموضوع.

حسن مدن: أيوه، ومن ثماره أنها تضطر الآن مثلاً للحديث عن إنها تفرق بين مثلاً الكشميريين وبين الكشميريين الباكستانيين أو الهنود ليكونوا.. وبين غير الكشميريين، يعني هذه هي إحدى تداعيات المأزق الذي وجدت باكستان نفسها فيه، ورغم التطمينات التي أُعطيت، يعني (كولن باول) عندما زار إسلام أباد أعطى للجنرال مشرف ضمانات بأن الولايات المتحدة لن تدير ظهرها مجدداً للباكستان، وستأخذ بعين الاعتبار مصالح الباكستان في المستقبل، ولكن الطريقة التي تتعاطى بها الآن الولايات المتحدة مع الأزمة الراهنة على خلاف ما ذهب إليه الصحفي الهندي لا يشير إلى أن الولايات المتحدة أميل مثلاً إلى الموقف الباكستاني، وإنما هي أقرب إلى الموقف الهندي بطبيعة الحال.

محمد كريشان: نعم، دكتور أبو طالب في القاهرة، إذا أردنا أن نتحدث قليلاً عن المساعي السياسية الآن، هناك قمة دول جنوب آسيا، وهناك مساعي لعقد لقاء بين الهند وباكستان، سواء على مستوى وزراء الخارجية أو حتى على مستوى القمة، هناك حديث عن جولة لـ (بلير) سيصل الاثنين إلى إسلام أباد، هناك أيضاً حتى إيران أعربت عن استعدادها للعب دور وساطة، كيف ترى حظوظ هذه الوساطات جميعاً؟

د. حسن أبو طالب: أنا أتصور أن مثل هذه الوساطات نابعة من إدراك قوي جداً بأن تدهور الوضع ما بين الهند وباكستان وإلى حرب مفتوحة سوف يقضي على كثير من الجهود الدولية لإعادة بناء التوازن الاستراتيجي الجديد.. في منطقة وسط آسيا وجنوب آسيا بما يتناسب مع المفاهيم والقيم والسياسات والمصالح الغربية بصفة عامة، وبالتالي ليس هناك مسموح أن تتطور الحرب بين الهند وباكستان إلى أو المواجهة العسكرية إلى حرب نووية أو إلى حرب مفتوحة أو إلى إعادة بناء الحدود ما بين الهند وباكستان، سواء في منطقة كشمير أو بين الهند وباكستان.. نفسيهما بطريقة عسكرية، لأن ذلك سوف يؤدي إلى توترات بعيدة المدى لن يستطيع أحد لا في الغرب ولا في الشرق أن يتحمل نتائجها، ومن هنا مثل هذه المساعي بتعكس مثل هذا الإدراك، وبتعكس أيضاً رغبة في محاصرة التصعيد العسكري في أقل مستوى ممكن له بما لا يتجاوز تبادل القصف.. القصف المدفعي ذو الطابع الروتيني والذي اعتاد عليه البلدان طوال العشرين سنة الماضية، وبالتالي أنا أتصور إن بدايات المؤشرات لتهدئة وللدخول في العملية السياسية بدأت بالفعل في هذا الاجتماع في كتمندو في نيبال ما بين وزيري الخارجية لباكستان وللهند، بأتصور إن هذه مقدمة لكي يكون هناك حوار أو للاتفاق على حوار لكيفية احتواء هذا الموقف ومعالجة القضية الكشميرية أو ما يُسمى بـ "قضية الجماعات الإسلامية الكشميرية المناهضة للوجود الهندي في كشمير" هذه البداية بأتصور إنها سوف تتصعد في الأيام القادمة.

محمد كريشان: دكتور أبو طالب، إشارتك إلى الموضوع النووي، وهو الموضوع المقلق بين البلدين، (زائيف شيف) وهو من أبرز المعلقين العسكريين في صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية أشار أن ما يهم إسرائيل على الصعيد الاستراتيجي هو..، وهنا افتح القوس "كيف يدار صراع محدود يستخدم فيه الإرهاب وحرب العصابات في الوقت الذي يمتلك فيه الطرفان سلاحاً نووياً وصواريخ"، هل تعتقد على الصعيد الاستراتيجي الموضوع فعلاً جدير بمثل هذا الاهتمام؟

د. حسن أبو طالب: بالتأكيد جدير لأكثر من سبب، السبب الأولاني هو إن الهند وباكستان بعد تحولهما إلى قوة نووية لم يصلا بعد إلى ما يمكن أن نسميه بمعايير إدارة صراع إقليمي في ظل وجود قوة نووية، هذه التجربة جديدة على العالم لم تحدث من قبل، نحن وجدنا إن كافة المقاييس الدولية التي حكمت الصراع النووي العالمي ما بين في أثناء الحرب الباردة ما بين قوتين كبيرتين لكل منهما استراتيجية دولية وعالمية كبرى، الولايات المتحدة من جانب والاتحاد السوفيتي السابق من جانب آخر، كان هناك عملية ممتدة منذ بداية الحرب، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، واستمرت حتى سنة 1972م، و1972م تم توقيع الاتفاقية خاصة بتنظيم الصراع النووي في.. بين هاتين القوتين العظيمتين، الوضع يختلف تماماً ما بين الهند وباكستان، الهند وباكستان منذ مايو 1998م بعد أن يعني تحولت الباكستان إلى قوة نووية معلنة لم تصل الأمور بينهما إلى أن تكون هناك عقائد استراتيجية خاصة باستخدام القوى النووية لكلا الجانبين بصورة واضحة، ولم يصل الطرفان بعد حتى هذه اللحظة إلى معايير محددة لتحكم هذه العلاقة، ومن هنا إذا يعني وجدنا غياب في هذا الجانب وفي نفس الوقت التأكد بإن كلا البلدين لديهما قوة نووية، وفي نفس الوقت هناك صراع إقليمي يمتد إلى نصف قرن، وتستخدم فيه البلدان كافة الوسائل بما فيها المنظمات، وبما فيها تخليق هذه المنظمات للعمل عبر الحدود، وهذا ينطبق على الهند كما ينطبق على باكستان، وبالتالي هذه حالة جديدة للغاية في العلاقات الدولية تستحق فعلاً الاهتمام، لكن أنا لست متصوراً إن القيادتين أو النخبتين في كل من الهند وباكستان يعني ليستا بدرجة معينة من الرشادة في اتخاذ قرار باستخدام القوة النووية ما لم يكن الوضع قد وصل إلى مرحلة تهديد الوجود، وهنا لا الهند مهددة في وجودها ولا باكستان مهددة في وجودها حتى هذه اللحظة على الأقل.

محمد كريشان: دكتور مدن، الأمور لم تصل إلى.. إلى حد تهديد الوجود، ولكن من يتحكم.. يبدو أن كل طرف يسعى إلى دفع الأمور إلى حافة معينة حتى يصبح الوضع قادر على.. كل طرف يقدر على المساومة بشكل أفضل، من الذي تراه يتحكم أكثر في السيطرة على دفع الأمور نحو حافة معينة؟

حسن مدن: طبعاً أتصور أن الهند هي في الوضع الأقوى الآن، ولكن لا يعني إن الباكستان أيضاً خارج اللعبة، يعني تحدثنا بشيء من التفصيل عن وضع الهند والامتيازات التي تمتلكها الهند في اللحظة الراهنة، ولكن أيضاً تظل الباكستان يعني حليف للولايات المتحدة هي ليست مصنفة بأنها خصم، رغم كل المتغيرات الإقليمية التي حدثت، ورغم الرهان الأميركي على الهند بصفتها ندَّاً محتملاً للصين في المستقبل، لأن الدور الذي لعبته باكستان في الحملة ضد ما يسمى بـ "الإرهاب في أفغانستان" وضد حركة طالبان وتنظيم القاعدة دور مهم ومحوري لا تستطيع الولايات المتحدة أن تتغاضى عنه، أيضاً واشنطن لن تسمح للأمور بأن تصل إلى درجة المواجهة ولا الإخلال بموازين القوى القائمة، يعني في البلدين، طبعاً هناك وسائل ضغط تمتلكها الولايات المتحدة على باكستان بشكل أكبر أعتقد في اللحظة الراهنة، من ضمنها طبعاً موضوع السلاح النووي، يعني بالكاد مؤخراً رُفعت العقوبات التي كانت مفروضة على باكستان بسبب الاختبارات النووية، وأيضاً موضوع حقوق الإنسان وموضوع الديمقراطية، هذا موضوع مسكوت عنه تقريباً، يعني الولايات المتحدة تغاضت عن هذا الموضوع في الفترة الراهنة، نظراً للحاجة الملحة لكسب ود الجيش الباكستاني في المعركة داخل أفغانستان، ولكن هذا الموضوع يمكن أن يُثار أيضاً، لأن لو قارنا الوضع الداخلي الباكستاني مع نظيره في الهند لجاز الحديث عن ديمقراطية هناك مستقرة وممتدة ولم تشهد انقطاعات على خلاف الباكستان التي هي دولة محكومة في كل الأحوال من قبل الجيش وحتى الفترات التي جاء فيها المدنيون إلى السلطة كانوا يعني.. كان الجيش هو اللاعب الرئيسي من وراء الكواليس وعند المنعطفات الرئيسية أزاح هذا الجيش الحكومة المدنية أعتقد هذا أيضاً ملف لم يُفتح وأتصور أن الجنرال مشرف يدرك جيداً يعني نقاط ضعفه التي تجعل من..

علاقة الحكومة الانتقالية الأفغانية مع الهند وباكستان

محمد كريشان: الإدارة الأفغانية الانتقالية بالطبع علاقاتها مع باكستان أساساً التحالف الشمالي علاقات سيئة الآن، علاقاتها مع الهند أفضل ولو أن الجانب الأفغاني يؤكد على ضرورة فتح صفحة جديدة مع باكستان، هل هناك تخوف له جدية من أن تكون باكستان الآن وكأنها وقعت بين كماشة أفغانية وكماشة هندية، هل يمكن أن تصل الأمور إلى.. إلى هذا الحد؟

حسن مدن: يعني ربما، أعتقد أن الوضع الباكستاني بالفعل وضع دقيق، خاصة وإن يعني السلطة المركزية في باكستان يعني ليست بالقوة التي تجعلها مثلاً.. يعني شمال باكستان لا يزال خاضعاً، يعني هناك أشكال من السلطة لا تستطيع الدولة أن تخترقها، ولذلك يكثر الحديث مثلاً عن إن أسامة بن لادن ربما تسلل إلى باكستان أو بعض مقاتلي القاعدة أو قيادات من طالبان.. إلى آخره، بعدم رضا الحكومة الباكستانية، هذا موضوع.

الموضوع الآخر إن أيضاً يمكن الحديث عن نوع من ازدواجية السلطة داخل باكستان، يعني النفوذ الكبير للمخابرات القادرة على إملاء شروطها يعني نحن نعلم بخلفيات الصراع دون العودة إلى التفاصيل إن هذه الأجهزة لعبت دوراً كبيراً، وبالتأكيد يعني الباكستان الآن في وضع حرج هي تحت.. لم تعد أفغانستان كما كانت بالنسبة لها امتداداً جغرافياً واستراتيجياً، وفي نفس الوقت واجهت الضغوط الهندية المسكوت عنها أو حتى المرضي عنها دولياً.

محمد كريشان: دكتور أبو طالب، يعني من هذه الزاوية هل يمكن أن نتوقع أن تكون اللحظة أيضاً مواتية للولايات المتحدة، حتى تفك عقدة باكستان –إن صح التعبير- في المعادلة الجديدة في المنطقة؟ هل يمكن أن تعمل على ترتيب الوضع الباكستاني في الداخل بطريقة تُريح واشنطن أكثر مما أرضاها عندما تعاملت باكستان مع الملف الأفغاني الأخير؟

د. حسن أبو طالب: أنا أتصور إن الوضع الداخلي في باكستان الآن وتفهم القيادات العسكرية الحاكمة في باكستان للمطالب الاستراتيجية والسياسية والأمنية للولايات المتحدة يمثل يعني إضافة للتحولات التي أصابت السياسة الأميركية تجاه القضايا العالمية المختلفة وتجاه قضايا جنوب ووسط آسيا، وبالتالي أي محاولة من الولايات المتحدة لتغيير هذا الوضع في هذه المرحلة التاريخية لن يكون أمراً مناسباً إطلاقاً، ربما يكون المناسب هو ممارسة بعض الضغوط، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الحكومة العسكرية في باكستان لتقديم بعض التنازلات فيما يتعلق بكشمير، فيما يتعلق بالجماعات الإسلامية الجهادية وغيرها، ولكن أكثر من ذلك الوضع لا يحتمل، لأن إذا تصورنا أن هناك ضغوط قد تعطي الفرصة للتخلص من هذه الحكومة في هذه المرحلة الدقيقة التي لم تنته فيها بعد الحرب في أفغانستان أو إعادة –يعني- بناء أفغانستان بالطريقة التي تتناسب مع الأهداف الأميركية، فسوف يمثل ذلك عبئاً على السياسة الأميركية، السياسة الأميركية الآن لم.. تعطي ما يسمى بحقوق الإنسان الكثير من الاهتمام، ولكن تعطي الآن الكثير من الاهتمام للحكومات القادرة القوية التي تستطيع أن تناهض الجماعات الإسلامية والتنظيمات المختلفة التي لا تتوافق مع السياسة الأميركية وبالتالي أنا لا أتصور أنه سوف يكون هناك جهود أميركية لتغيير الوضع في باكستان، وإنما إعادة ترتيبه بما يتناسب مع الملامح الكبرى للسياسة الأميركية في العالم الآن.

محمد كريشان: ولكن في هذه الحالة هل يُخشى أن تكون واشنطن حذرة في حسم الموضوع بين الهند وباكستان، انتظاراً لاتضاح الصورة في أفغانستان، هل هذا وارد مثلاً؟

د. حسن أبو طالب: وارد بدرجة، ولكن الأكثر ترجيحاً من وجهة نظري هو إن الولايات المتحدة الآن تحاول أن تقوِّم من وضع الحكومة الباكستانية لكي تكون أكثر قدرة على السيطرة على الحدود الكبيرة ما بين باكستان وأفغانستان، حماية للوجود الأميركي الجديد الذي بدأ يتزايد ولا أحد يعلم إلى أي مدى سوف يستمر في أفغانستان وبالتالي سوف يكون هناك نوع من أنواع الضغوط المحسوبة على باكستان لاتخاذ إجراءات ضد الجماعات الإسلامية في كشمير بما يهدئ الوضع الاستراتيجي العام في المنطقة ويرضي الهند من جانب ويرضي السياسة الأميركية من جانب آخر، ويعطي الفرصة أكبر وأكبر للحكومة العسكرية في باكستان للسيطرة على الحدود بينها.. بين بلادها وبين أفغانستان، وفي ذلك ما يحقق –يعني- جملة من الأهداف التي تدخل في صلب السياسة الأميركية والاستراتيجية الأميركية الجديدة تحت مسمى مواجهة الإرهاب في العالم.

مستقبل الأزمة الهندية الباكستانية في ظل الضغوط الخارجية والداخلية

محمد كريشان: دكتور مدن يعني هناك هذه الضغوط التي أشار إليها الدكتور أبو طالب، ماذا عن الضغوط الداخلية؟ الهند هناك ضغوط داخلية لحسم هذا الموضوع مرة واحدة مع باكستان، وربما البعض يدفع حتى في اتجاه تشديد الموقف الهندي، وهناك ضغوط داخلية باكستانية هذه المرة، وربما حتى لا تدفع باكستان مرتين الثمن مع الهند ومع أفغانستان، كيف تنظر إلى موضوع الضغوط الداخلية في تسيير مجرى الأمور مستقبلاً؟

حسن مدن: يعني لنبدأ بالهند، يعني نلاحظ أن الاجتماع الذي عقده رئيس الحكومة الهندية مع أحزاب المعارضة هو يعني حصل على دعم واسع وكبير من أحزاب المعارضة رغم الخلافات الكبيرة، ورغم الوضع المهزوز أيضاً لحزب.. للحزب الحاكم في بعض المناطق، في بعض الدوائر الانتخابية، وبعض الولايات الانتخابية التي تتهدد فيها مواقعهم، فأتصور إن.. يعني الوضع الداخلي في.. في الهند يعني يدفع.. يدفع الحكومة لشيء من المزايدة إن جاز القول لا تستطيع الحكومة أن تظهر بمظهر الضعيف أمام.. إزاء.. إزاء الاعتداءات –إن جاز القول- أو الهجوم مثلاً، على سبيل المثال موضوع الهجوم على البرلمان هو الذي أثار كل هذه التداعيات الأخيرة، ونُظر إليه على أنه مساس بأحد مراكز السيادة ورمز وطني لدولة مثل الهند، بيت الأمة –كما كان يسميه نهرو- وهناك من يشبه حتى الهجوم على البرلمان بالهجوم على المركز التجاري في نيويورك، يعني كيف الولايات المتحدة، يقارن بين ردود الفعل كيف ردت الولايات المتحدة على الهجوم الذي تعرضت له هناك، وكيف يتعين للهند أن ترد عليه بالتأكيد هناك ضغوط لدفع الحكومة للمزيد من التشديد.. التشدد والتصلب في مواقفها وليس بوسع الحكومة إلا أن تأخذ هذا بعين الاعتبار، حتى لحسابات انتخابية تكتيكية لا تريد أن تظهر بمظهر الضعيف وتعطي فرصة للمعارضة في أول انتخابات قادمة. فيما يتصل بالشأن الباكستاني فالصورة لا تقل تعقيداً، لأننا لاحظنا طبعاً من ردود فعل الشارع الباكستاني فترة.. بداية الحرب ضد طالبان في الشارع الإسلامي والتيارات الإسلامية الناشطة هناك، وقفت ضد تحالف الحكومة الباكستانية مع الولايات المتحدة، وحتى بعض المراقبين والمعلقين كانوا يتوقعون أن يعني تتداعى الأمور داخل باكستان بما لا يحمد عقباه، ولكن يعني استطاع الجنرال مشرف أن يحتوي هذه الفرصة، ليس بوسعه الآن طبعاً في الظرف الجديد أن..

محمد كريشان: أن يبدو مرناً أيضاً مرة.. مرة أخرى.

حسن مدن: مرناً الآن.

محمد كريشان: دكتور أبو طالب، يعني في نهاية الحلقة نريد أن نعرف برأيك من الذي يتحكم أكثر في قرار إغلاق ملف هذا التصعيد بين البلدين؟ كل بلد يشير إلى رغبته في السلام، ولكن من الذي يمسك بالخيوط بشكل أفضل الهند أم باكستان أم ربما الطرف الثالث والأميركي أساساً؟

د. حسن أبو طالب: لا أستطيع أن أقول أن هذا الطرف في موضع أفضل من الطرف الآخر أتصور أن الثلاثة أطراف التي ذُكرت الهند وباكستان باعتبارها الأطراف المباشرة إضافة إلى الولايات المتحدة وكافة الدول التي يعني تعمل الآن، سواء بريطانيا أو غيرها بإيعاز من الولايات المتحدة، وأيضاً بإيعاز من مصالحها الذاتية، كل هذه الأطراف لها نصيب في التحكم في مسار الأزمة، وأتصور أن –في النهاية- الهند وباكستان سوف يفضلان نوعاً من التهدئة السياسية المتدرجة وأيضاً نوعاً من الخروج من هذا المأزق الذي يوحي بأن ثمنه غالي على كلا الجانبين، وليس هناك مخرج أفضل من احتوائه عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية المختلفة.

محمد كريشان: وتعتقد بأن واشنطن في لحظة معينة ستضغط بشكل حاسم في هذا الاتجاه؟

د. حسن أبو طالب: أنا يعني على حسب معلوماتي إن الولايات المتحدة مارست مثل هذا الضغط على البلدين في خلال الأربعة أيام الماضية، ومن خلال اتصالات مباشرة ومن خلال أيضاً بعض الرسائل ذات الانطباعات القوية حول أنه هناك حدوداً معينة لا تستطيع الولايات المتحدة أن تقبلها في أي مواجهة عسكرية بين البلدين، أتصور إنه يمكن أن يتم تبادل قصف مدفعي عبر الحدود لمدة معينة شهرين أو شهر أو شيء من هذا القبيل لتسريب ولتخفيف من حدة الاحتقان الداخلي، خاصة في الهند، لكن لا يتطور الأمر أكثر من ذلك، لأن البديل –كما أذكر، وكما أتصور- لن يكون إلا استخدام قوة نووية لحماية باكستان وحماية الوجود الباكستاني وهذا أمر لا يحتمله لا الأمن العالمي ولا الأمن في وسط وجنوب آسيا.

محمد كريشان: نعم، دكتور مدن كيف ترى مسار الموضوع في الفترة القريبة المقبلة؟

حسن مدن: يعني أنا أرى أن الأمور تسير إلى التهدئة، يعني في اتجاه التهدئة كما أشار الدكتور حسن منذ قليل، يعني الضغوط الأميركية التي يعني، حتى لو تركتها مثلاً للعب بين البلدين، فإنها ستضبط في الأخير قاعدة هذه اللعبة ولن تسمح لها بأن تتخطى الحدود، أتصور أن الأمور ستسير بالتهدئة، وحتى لو حدثت اختراقات هندية مثلاً لخط الحدود أو إلى آخره، فإنها ستكون جزئية ولن تغير من يعني ميزان القوى القائم، لا يعني أتصور إن هو غير مسموح الآن دولياً أو إقليمياً بأن تجري لعبة خطيرة في هذه المنطقة في ظل الوجود العسكري الأميركي الكثيف، وحاجة أميركا لـ.. يعني تحييد –على الأقل- المحيط الإقليمي المجاور لأفغانستان وهي تتصدى لمهمتها التي كما أعتقد يعني لا تزال أمامها يعني بنود كثيرة وبعيدة.

محمد كريشان: نعم، دكتور حسن مدن شكراً جزيلاً لك، دكتور مدن هو (كاتب صحفي متابع للشأن الآسيوي)، وكان معنا من القاهرة الدكتور د. حسن أبو طالب (من مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام)، وأيضاً شارك معنا في هذه الحلقة مداخلتين.. مداخلتين كانت مداخلة من الهند دكتور ظفر الإسلام خان، ومن باكستان الجنرال حميد جول.

في نهاية الحلقة نشكر فريق البرنامج حسن إبراهيم، أحمد الشولي، والمخرج فريد الجابري. في أمان الله.