من برنامج: تأمـــــلات

روعة التأدب.. ما قصة الحسن والحسين مع الرجل العجوز الذي لا يحسن الوضوء؟

يروى أن الحسَنُ والحُسينُ رضيَ اللهُ عنْهُما أرادا أن يقدما نصيحة لرجل كبير في السن، فاختارا أسلوبا مهذبا يحمل في طياته الكثير من العبر النبيلة. فكيف كان أسلوبهما مع الرجل؟ وما القصة؟

وسلطت حلقة (2022/10/24) من برنامج "تأملات" الضوء على أسلوب الحسَن والحُسين رضيَ اللهُ عنْهُما في نصيحة رجل كبير في السن كان يتوضأ فلا يحسن الوضوء.

فلمّا شاهدا أن الرجل لا يحسن الوضوء، قالَا له: نُريدك أن تحكُم بيننا بتبيان من فينا لا يحسن الوضوء، وعندما قاما بالوضوء أمامه ضحك، وقال: أنا الذي لا أحسن الوضوء.

وعن صفتي الكرم واللؤم، قالَ الشَّعْبِيُّ: "إن كرام الناس أسرعهم مودة، وأبْطؤُهم عداوة، مثلُ الكوب من الفضَّة يُبطِئُ الانكسار ويُسرع الانجبار. وَإِنَّ لِئامَ النّاس أبطؤهم مودة، وأسرعهم عداوة، مثلُ الكوب من الفَخَّارِ يُسرع الانكسار يُبطِئُ الانجبار".

زعيم الهجاء في العصر الأموي

وتناول برنامج "تأملات" مسيرة الشاعر الأموي جرير بن عطيّة الكلبيّ اليربوعيّ التَّميمي، الذي تزعم فنّ الهجاء مع الفرزدق والأخطل، وامتاز بقدرته الفائقة على الحط من الشخصية المهجوة، وبرع أيضا في المدح، كمدحه الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان.

وولد جرير في نجد (653م)، ورث النَّسب من جدّه حذيفة بن بدر؛ فوالده كان يحمل في نفسه وضاعةً أعابته، كما ورث البلاغةَ في القول والفصاحة ونظم الشعر من جدّه أيضا، وامتلك بداهةً في الرد والقول، وهو ما ظهر حين صادف الفرزدق في مناسك الحج وكان جرير محرما فقال الفرزدق والله لأفسدنّ حجّه وأنشد قائلا له:

فإنك لاقٍ بالمحصب من منى / فخارا فخبرني بمن أنت فاخرُ

فسكت عنه جرير وقال: لبيك اللهمّ لبيك

اشتهر جرير بشعر النَّقائض وتحديدا مع الفرزدق، فقد كان هجاؤهُما مَضْرب الأمثال، واستمرَّ 40 سنة. كما اشترك في هذه المساجلات طرف ثالث، هو الأخطلُ. فحمل هذا الفن ترسيمةً ثلاثيةَ الأبعاد مثلَت بهم.

وتفوّقَ جرير فنيًّا في شعر الهجاء فأدخل ما يملكه من رؤية فنية في قصائده فجّرها هجوما على خصومه بأسلوب فاضح.

ومن هجائه:

أَعْدَدْتُ لِلشُّعراءِ سُمًّا ناقِعًا                 فَسَقَيْتُ آخِرَهُمْ بِكَأْسِ الأَوَّلِ

لَمَّا وَضَعْتُ على الفَرَزْدَقِ مِيْسَمي     وَضَغَا البَعِيثُ جَدَعْتُ أَنْفَ الأخْطَلِ

إنّي انصببتُ من السّماء عليكم     حتى اختطفتك يا فرزدق من علِ

وبعد مسيرة هجاء طويلة مات الفرزدق فرثاه جرير برثائية عظيمة.

ومن أهم ما تتميز به قصائد جرير مقدماتها قبل الدخول إلى الغرض الأساسي، فأتت تحمل المعاني الغزيرة، وتتدفق من قريحة شاعر فرض موهبته في عصره الأموي، فتلتمس عاطفة صادقةً تعلن عن هواجسها برقة وانسيابية عذبة.

كما حرص جرير على وصول قصيدته إلى السامع بأسلوب سهل بعيد عنِ الصياغات اللغويّة المعَدة، الصعبة، وهذا ما ساعدَها على الانتشار وفرض هيمنتها في عصره وصولا إلى العصر الحالي، محافظا على التقليد في نظم قصيدته، متقيدا بالأوزان الشعرية المعروفة، منوِّعا، ساعيا إلى السهولة والتميز.

وتوفي جرير عام 110 من الهجرة عن 78 عاما، وعن قصائد لا يبليها الدهر.

وتناولت حلقة برنامج "تأملات" مواضيع أخرى، من أبرزها: الفرق بين الخطأ والخطء في فقرة "تأملات لغوية"، وأصل كلمة "السمَيْدَعُ" أو "السمَيْذَعُ" في فقرة "أصل الكلمة".