تأمـــــلات

من العالم والطبيب مصطفى محمود؟ وكيف نازع المتنبي؟

الدكتور مصطفى محمود طبيب وكاتب ومفكر مصري، ترك للبشرية إرثا فكريا ضمّ مئات الكتب والمقالات والأبحاث في الدين والفلسفة والاجتماع والتصوف وغيرها من الآداب والفنون.

وترك وراءه عناوين متنوعة تحكي قصةَ طبيب كان قلمه مشرط جراحة ومبضعًا أخرج به لبَّ الحقيقة، وأنار قبس المعرفة؛ فنازع -بحقٍّ- المتنبي في لقبه "مالئ الدنيا وشاغل الناس".

وُلد مصطفى كمال محمود حسين آل محفوظ في محافظة المنوفية، كان والده موظفًا، وينحدر من أسرة متوسطة الحال، أولى العثرات في حياة مصطفى محمود كانت جسده الضعيف، إذ كان يعاني من مرض في طفولته أجبره على الغياب كثيرا عن مدرسته، مما تسبب في رسوبه 3 سنوات في المرحلة الابتدائية، كما أنه حُرم من اللعب كأقرانه من الأطفال بسبب المرض.

لم تمنعه حاله الصحية من أن يكون متفوقًا في دراسته، محبًّا للاكتشاف والاختراعات البسيطة، فأنشأ في منزل والده معملا صغيرًا صنع فيه الصابون والمبيدات الحشرية لمكافحة الحشرات، التي عمل على تشريحها أيضًا، ثم مرض والده، وأصيب بالشلل عدة سنوات، وتوفي عام 1939م.

أكمل مصطفى محمود دراسته الثانوية، وانتقل مع والدته من طنطا إلى القاهرة. وتابع دراسته في كلية الطب، ولقبه زملاؤه "بالمشرحجي"؛ نظرًا لخبرته في التشريح، ووقوفه طويلا أمام جثث المشرحة، حيث كان يغوص في فلك التساؤلات عن سر الحياة والموت وما بعدهما.

انقطع عن الدراسة سنتين بسبب مرضه، أمضاهما في المطالعة والتفكير في موضوعات أدبية، فامتهن الكتابة في سنوات دراسته الأخيرة، وكانت تُنشر له القصص القصيرة في مجلة "روز اليوسف"، مما دفعه لاحتراف الكتابة.

تخرج الدكتور مصطفى من كلية الطب جامعة القاهرة عام 1953م، متخصصًا في الأمراض الصدرية، واستمر يجمع بين الطب والتأليف، منتسبًا إلى نقابة الأطباء ونقابة الصحفيين، حتى صدور قرار جمهوري يمنع الجمع بين نقابتين، فآثر الانتماء إلى نقابة الصحافة، وفضل شغفه في عالم التأليف والكتابة والفكر، وترك الطب عام 1960م.

تزوج مرتين؛ الأولى كانت عام 1961، وأنجب طفلين: أدهم وأمل، وبعد 12 سنة انفصل عن زوجته عام 1973، وتزوج مرة ثانية بعد 10 سنين من السيدة "زينب حمدي"، وذلك عام 1983م، وانفصل عنها عام 1987، ولم ينجب منها أطفالاً.

أنشأ عام 1979 مسجده في القاهرة المعروف بـ"مسجد مصطفى محمود"، ويتبع له 3 ‏مراكز‏ ‏طبّية‏ تهتمّ بعلاج ذوي الدخل المحدود، ويقصدها كثير من أبناء مصر؛ نظرًا لسمعتها الطبية. ‏ويضمّ المركز‏ 4 ‏مراصد‏ ‏فلكية‏، ‏ومتحفًا ‏للجيولوجيا‏، يقوم عليه أساتذة متخصصون، ‏ويضمّ‏ ‏المتحف‏ ‏مجموعة‏ ‏من‏ ‏الصخور‏ ‏الجرانيتية،‏ ‏والفراشات‏ ‏المحنطة‏ ‏بأشكالها‏ ‏المتنوعة‏ ‏وبعض ‏الكائنات‏ ‏البحرية‏. كما شكّل‏ ‏قوافل‏ ‏للرحمة‏ ‏من‏ 16 ‏طبيبًا لخدمة أبناء القرى النائية.

يقول مصطفى محمود "احتاج الأمر إلى 30 سنة من الغرق في الكتب، وآلاف الليالي من الخلوة والتأمل مع النفس، وتقليب الفكر على كل وجه لأقطع الطرق الشائكة، من الله والإنسان إلى لغز الحياة والموت، إلى ما أكتب اليوم على درب اليقين".

وبسبب كل هذه الإنجازات أصبح الدكتور مصطفى محمود ظاهرة فكرية متفرّدة، شكلت كتبه مادة دسمة للمثقفين، في وقت شهد فيه العالم الإسلامي بداية نضوب فكري، بعد ثراء فكري شهدته الخمسينيات والستينيات.

أسلوبُه الجميل الممتزج بالعلم حبّب الناس إليه، وألف المشاهد العربي عبارة "أهلا بيكم" عند التاسعة مساء كل يوم اثنين على امتداد 400 حلقة من برنامجه الشهير "العلم والإيمان"، الذي أصبح من أشهر البرامج العلمية، وحظي بمتابعة واهتمام الجمهور لمدة ربع قرن، وحقق أرباحًا مادية كبيرة، إلى أن أوقف البرنامج بقرار سياسي؛ بضغط من منظمات صهيونية.

وللدكتور مصطفى محمود وثائقي عن "مفاعل ديمونا الإسرائيلي"، و"حروب المياه"… وعناوين أخرى قدمها بأسلوب علمي ولغة رصينة.

يقول الدكتور مصطفى "أهل الحقائق في خوف دائمًا من أن تظهر فيهم حقيقة مكتومة، لا يعلمون عنها شيئًا، تؤدي بهم إلى المهالك؛ فهم أمام نفوسهم في رجفة، وأمام الله في رجفة، وذلك هو العلم الحقّ بالنفس وبالله".

بعد رحلة علاج استمرت عدة شهور فارق الدكتور مصطفى محمود الحياة عن عمر ناهز 88 عامًا، وشُيعت جنازته من مسجده بالمهندسين. ورحل بعد حياة ملأى بالأحداث والتحديات، لكن امتداد كلماته وهمساته باقٍ أبدًا؛ فهو كاتب امتهن طبَّ الكلام فجعله بلسمًا وترياقًا.