مدة الفيديو 05 minutes 19 seconds
من برنامج: تأمـــــلات

لم يكن أسود ولا ظالما.. ماذا تعرف عن مؤسس علم النحو أبي الأسود ظالم الدؤلي؟

يعدّ أول من وضع علم النحو في اللغة العربية، وأول من ضبط قواعد النحو، وأول من نقط المصاحف، عرف بمنهجه الخاص في نقط الحروف وله قصة في ذلك مع الخليفة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- كما نقلت روايات.

وعرّفت حلقة (23/11/2021) من برنامج "تأملات" بأبي الأسود، وهو أبو الأسود ظالم بن عمرو بن سفيان الدؤلي الكناني، وُلد قبل الهجرة النبويّة بـ16 سنة، وكان يعيش مع قومه جنوب مكة المكرمة، ولم يدخل المدينة إلّا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه نهل فيها من العلم الشرعي، فأخذ الحديث عن عدد من الصحابة، منهم الخليفة عمر بن الخطاب، وقال أبو عمرو الداني "قرأ القرآن على عثمان وعلي".

هاجر إلى البصرة بعد الفتح، وتولى هناك عددا من المناصب في خلافة عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان. ولما قامت الفتنة، كان أبو الأسود في شيعة علي بن أبي طالب، وقاتل معه في موقعة الجمل وصفّين، وولّاه علي قضاء البصرة.

طغت كنيته "أبو الأسود" على اسمه فاشتهر بها، علما أنه لم يكن ذا بشرة سوداء، وليس له ولد اسمه أسود. ورضي أبو الأسود لنفسه هذه الكنية لأن اسمه -أي "ظالم"- ثقيل على السمع، ويتنافى مع مكانته الاجتماعية، ومع كونه قاضيا يتّصف بالعدل.

واضع علم النحو

ويعدّ أبو الأسود واضع علم النحو، وقد كان مشهورا بالفصاحة، وقال عن نفسه "إنّي لأجد للّحن غمزًا كغمز اللحم"؛ فكان أوّل من ضبط قواعد النحو، فوضع باب الفاعل، والمفعول به، والمضاف، وحروف النصب والرفع والجرّ والجزم، وكانت إسهاماته في تأسيس النحو الأساس الذي تكوَّن منه لاحقا المذهب البصري. ونقل الواقدي أن عليًّا -رضي الله عنه- أمره بوضع شيء في النحو لمّا سمع اللحن، فأراه أبو الأسود ما وضع، فقال علي "ما أحسن هذا النحو الذي نحوتَ"، فمن ثمّ سمّي النحو نحوا.

وفي رواية أخرى سمع أبو الأسود رجلًا يقرأ من الكتاب ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ…﴾ بكسر كلمة "رَسُولُهُ" بدلًا من ضمّها، وذلك يغير معنى الآية، ويفيد بأنّ الله يبرأ من رسوله.

فانطلق أبو الأسود لوقته إلى الأمير يومئذ زياد بن أبيه، وقصّ عليه ما سمع، وسأله أن يدفع له كاتبًا ليضع كتابًا في اللغة فأتى به، فقال له "إذا رأيتَني قد فتحتُ فمي بالحرف فانقطْ نقطة أعلاه، وإذا رأيتني قد ضممتُ فمي فانقط نقطة بين يدَي الحرف، وإن كسرتُ فانقط نقطة تحت الحرف، فإذا أتبعتُ شيئًا من ذلك غُنّة فاجعل مكانها نقطتين"، فكان هذا نهج أبي الأسود في تشكيل الحروف، لذا يعدّ أوّل من نقط المصاحف، وأخذ عنه هذا النحو عنبسة الفيل.

وقد أخذ العديد من التلاميذ بنهج أبي الأسود، واستهدوا بما وضع، ومن بينهم عبد الرّحمن بن هرمز الأعرج ويُعدّ أول ناقل لعِلم النّحو إلى المدينة، وعطاء بن أبي الأسود الذي قام بتبسيط النّحو، وتعيين أبوابه ومقاييسه، ويحيى بن يعمَر الذي عيّن الأبواب النّحويّة، وغيرهم كثير.

ولأبي الأسود شعر جيّد، منه في الحكمة:

فاترُك مُحاوَرةَ السفيهِ فَإِنَّها                 نَدمٌ وَغِبٌّ بَعدَ ذاكَ وَخيمُ

وَإِذا جَريتَ مَع السفيهِ كَما جَرى           فَكِلاكُما في جَريهِ مَذمومُ

وكان أبو الأسود الدؤلي من سادات التابعين وأعيانهم وفقهائهم وشعرائهم ومحدِّثيهم، أصيب في آخر حياته بمرض الفالج فسبّب له العرج، وتوفّي في البصرة في ولاية عبيد الله بن زياد سنة 69 هـ في طاعون الجارف، وعمره 85 سنة.

وتضمنت حلقة "تأملات" فقرات أخرى من بينها معنى المثل القائل "إيَّاكِ أعني واسمَعي يا جارَة"، وزاد الطين بَلَّة في فقرة الأخطاء الشائعة، وفي الفرق بين الغلط والخطأ في أناقة اللغة العربية.