20:11

من برنامج: تأمـــــلات

فنّ الإجابة البليغة.. نماذج تاريخية ترشدك إلى الجواب السديد

عرضت حلقة (2020/7/21) من برنامج "تأملات" نماذج لفن الإجابة البليغة، وعرّفت بشاعرة رائدة هي نازك الملائكة، إضافة إلى فقرات أخرى عديدة.

وقف رجل بين يدي المأمون قد جنا جناية، فقال له المأمون: والله لأقتلنّك. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، تأنّ عليّ فإن الرفق نصف العفو. فقال: كيف وقد حلفت أن أقتلك؟ قال الرجل: يا أمير المؤمنين، لأن تلقى الله حانثا خير لك من أن تلقاه قاتلا؛ فخلّى سبيله.

قال نصر بن سيار لأعرابي: هل أتّخمت قط؟ قال: أما من طعامك وطعام أبيك فلا. فيقال إن نصرا حُمّ من هذا الجواب أياما.

قال معاوية: لو ولد الناس كلّهم أبو سفيان لكانوا حلماء. فقال له صعصعة بن صوحان: فقد ولدهم آدم وهو خير من أبي سفيان، فمنهم الحليم والسفيه.

نازك الملائكة

يُقال لصاحب النحو نحْوي، ولصاحب العَروض عروضي. وكان أهم عَروضي في القرن العشرين امرأة هي نازك الملائكة التي رسمت للشعر العربي الحديث طريقا جديدا، وكانت شاعرة مرموقة، وكان الإلهام يختلط في شعرها بالإدراك لما تقول.

وُلدت نازك الملائكة في عائلة شعر وأدب عمومة وخؤولة. سألت نفسها وقد تخرجت في مدرسة المعلمين: لماذا لا يكون لنا شعر ملحمي مثل الإنجليز؟ وامتشقت قلمها وهي في 22 من عمرها، وكتبت قصيدة من 1200 بيت، وكان من حظ هذه القصيدة أن تُكتب ثانية وثالثة في مراحل شتى من عمر الشاعرة.

وتوالت دواوينها، وظلت في المقدمات تنقد نفسها والشعر العربي بشتى أشكاله. في مقدمة "شظايا ورماد" الصادر عام 1949، تعرِض أشطرا من الشعر الجديد:

يداكَ للمس النجومْ

ونسجِ الغيومْ

يداكَ لجمع الظلالْ

وتشييدِ يوتوبيا في الرمالْ

ثم تقول: فلنضع هذا الشعر في بحر المتقارب على طريقة الخليل. إذن سوف نقول:

يداكَ للمسِ النجومِ الوِضاءْ     ونسجِ الغمائمِ ملءَ السماءْ

وتعلق بالقول إن كلمات "الوضاء" و"ملء السماء" إنما جاءت لتكمل الأشطار، وقد اضطررت لإبدال الغيوم بالغمائم لإقامة الوزن.

في هذا الزمن المبكر شعرت نازك بأن الأشطار المتساوية في أبحر الخليل تقيّد الشاعر، وتقوّله ما لا يريد أن يقول. وما الحل؟ هو أن نلتزم بالوزن ولا نلتزم بطول السطر.

وانقضت سنوات ثم إذا نازك الملائكة تنقلب على نفسها وتشكّك في دعواها. ها هي كلماتها في مقدمة ديوانها "شجرة القمر" المؤرخة في عام 1967: "إني لعلى يقين من أن تيار الشعر الحر سيتوقف في يوم غير بعيد، وسيرجع الشعراء إلى الأوزان الشطريَّةِ بعد أن خاضوا في الخروج عليها والاستهانة بها".

وهاجمها النقاد والشعراء الذين ساروا على نهجها، فوصف يوسف الخال آراء نازك الملائكة بأنها "آراء ارتدادية متزمتة، خانت بها حركة الشعر الحر التي تدّعي اكتشافها".

كانت نازك الملائكة ناقدة تحترم فكرها ولا تجاري عصبة أدبية، وظلت تكتب الشعر الحر والشعر العمودي معا.

ستظل القصيدة الأولى التي تنتسب انتسابا واعيا إلى شعر التفعيلة الجديد قصيدة نازك الملائكة "الكوليرا"، بعد أن حصد هذا الداء ألوفا في مصر عام 1947، فجاء صوت شاعرة العراق:

الصمْتُ مريرْ

لا شيءَ سوى رجْعِ التكبيرْ

الطفل بلا أمٍّ وأبِ

يبكي من قلبٍ ملتهبِ

يا شبحَ الهيْضةِ ما أبقيْتْ

لا شيءَ سوى أحزانِ الموتْ

يا مصرُ شعوري مزَّقه ما فعل الموتْ

وتوفيت نازك الملائكة عام 2007 وهي في عمر 84 سنة في مصر.



المزيد من البرامج
الأكثر قراءة