أسس الأديب العراقي عبد الحق فاضل علم التأثيل وعلم الترسيس، وقضى عمرا طويلا في خدمة اللغة العربية، ولم يجد المسافة بعيدة بين الموصل العراقية ومدينة مراكش المغربية، رغم أن بينهما نحو خمسة آلاف كيلومتر، وظل يتنقل بينهما طوال حياته، وكانت اللغة العربية قصة حياته الكبرى.

حكاية هذا العالم استوقفت برنامج "تأملات" بحلقة (2019/12/24) وبحثت في حياة الأديب ومؤلفاته وعلومه.

ويعتبر عبد الحق فاضل "أبو علم التأثيل والترسيس" عند العرب، ويعرف التأثيل بأنه إرجاع الكلمة إلى اللغة التي أخذت منها، فيما يعرف الترسيس بأنه البحث فيما هو أبعد من ذلك، وهو محاولة الوصول إلى أول من نطق بالكلمة.

وألف عبد الحق كتاب أسماه "مغامرات لغوية" ولشدة تواضعه لم يفرض رأيه في أي نقاش باعتباره حقيقة مسلما بها، بل كان يترك الباب مفتوحا للنقاش ووجهات النظر.

ولد عبد الحق فاضل لأب صيدلي في الموصل بالعراق، لكنه مارس المحاماة وبعدها انخرط في السلك الدبلوماسي حيث عمل في قنصليات العراق في القاهرة وطهران وإيطاليا، ثم عمل سفيرا للعراق في جمهورية الصين ثلاث سنوات في عهد أول جمهورية عراقية.

وتعلم في طهران اللغة الفارسية وسطر بها اسمه بعالم الترجمة حيث ترجم رباعيات الخيام، وقدم هذه الترجمة بدراسة للخيام ورباعياته التي استغرقت نصف الكتاب، كما تعرض للشاعر والكاتب المسرحي الإنجليزي وليم شكسبير بدراسة لمسرحية يوليوس قيصر ومن ثم ترجم المسرحية.

وقد نال الكتاب والترجمة ثناء من الدارس الشكسبيري جبرا إبراهيم جبرا، حيث قال جبرا في كتاب عبد الحق "جاءت دراسته الأخيرة لمسرحية وشخصيات يوليوس قيصر استمرارا رائعا لنظرته النافذة وغير المتوقعة لمسائل الخلق الأدبي، فعبد الحق فاضل يجمع بين الإحاطة المعرفية والاندفاع الإبداعي".

وقد أتقن عبد الحق العديد من اللغات بالإضافة للفارسية، حيث أجاد التركية والكردية والفرنسية والإنجليزية والإيطالية، وألم إلماما واسعا باللغات القديمة والمندثرة، وأصر على أن اللغة العربية هي ملكة اللغات، حيث كان لا يتناول أي لفظ أجنبي إلا وكان شعاره "فتش عن العربية فيه".

وأسس من خلال كتابه للتأثيل والترسيس لمئات الأمثلة والكلمات، حيث يقول إن أصل كلمة قرطبة قرية طيبة، كما يقول إن الفراعنة كانوا ساميين فسموا عاصمتهم في زمن الأسرة السادسة طيبة، ومع الفتح الإسلامي رأى العرب في طيبة الصروح السامية فسموا المدينة القصور، وكان أهل الصعيد في مصر يسمونها "لقصُور"، ومنها أخذ الأوروبيون الاسم وسموها "لقصُور" (Luxor)، فأخذه العرب من الأوروبيين وتحولت للأقصر.

وقد قضى عبد الحق آخر ثلاثين عاما من عمره في مدينة مراكش بالمغرب، وتعرض فيها لحادث مروري بعد أن كان عمره قد تجاوز الثمانين عاما، فعاد إلى العراق وتوفي هناك عام 1992.