كشف الأمين العام للجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا وأول رئيس للمؤتمر الوطني الليبي محمد المقريف عن ما تعرضت له المعارضة الليبية في السودان، بعد الانقلاب الذي نفذه العسكر بقيادة سوار الذهب ضد الرئيس جعفر النميري عام 1985.

وقال المقريف في الحلقة التاسعة من شهادته على العصر إنه بعد أن كان النميري قد سمح للمعارضة الليبية بإقامة معسكرات للتدريب ببلاده وتأسيس إذاعة كانت تخاطب من خلالها الشعب الليبي بالداخل، ورفض تسليمها للقذافي رغم أن الأخير عرض عليه 5 مليارات جنيه سوادني، انقلبت الأمور بعد ذلك رأسا على عقب بعد انقلاب العسكر على النميري وتوليهم إدارة البلاد.

وكشف المقريف أن عسكر السودان اتفقوا مع القذافي على أن يرسل لهم طائرة مدنية للخرطوم وعلى متنها جميع أفراد المعارضة السودانية الذين كانوا موجودين في ليبيا، على أن تعود الطائرة للعاصمة الليبية وهي محملة بأفراد المعارضة الليبية.

وقال المقريف إن الأمر كاد أن يتم، بل إن القذافي ورجاله كانوا يتحدثون بالإذاعة الليبية ويكشفون أماكن إقامات وسكن كل فرد من أفراد المعارضة الليبية في السودان، الذين كان يصفهم بالكلاب الضالة، ولكن ما حال دون تنفيذ اتفاق العسكر والقذافي هو التدخل الأميركي المفاجئ، حيث طلب الأميركيون من العسكر بالسوادن التعامل مع المعارضة الليبية على أنهم مواطنون أميركيون، الأمر الذي أنقذ المعارضة من موت محقق على مشانق القذافي.

غير أن عسكر السودان سلموا كافة الأسلحة والمعدات العسكرية التي كانت بحوزة المعارضة للقذافي، كما سلموه أيضا جميع الملفات التي تكشف كافة أسرارهم، أما المعارضة فكانت قد غادرت السودان وذهبت للجزائر.

معركة باب العزيزية
وتطرق المقريف في بداية حديثه لقرار الجبهة الوطنية باعتماد العمل العسكري للإطاحة بالقذافي وعدم الاكتفاء بالعمل السياسي، فكان أن وقع الاختيار على أحمد إبراهيم الحواس، العسكري الليبي المعروف، والذي كان أحد أساتذة القذافي ويحسب له الأخير ألف حساب.

فتولى الحواس اختيار العناصر العسكرية بداخل ليبيا وخارجها، والإشراف على تدريبهم في معسكرات خارجية، وكذلك بدأ بوضع الخطط لدخول ليبيا، وفعلا بدأت الوفود العسكرية المدربة تصل إلى ليبيا في يناير/كانون الثاني 1984، وكان هؤلاء يأتون من السودان إلى تونس ومنها يعبرون إلى ليبيا.

ووفقا للخطة فإنه كان من المفترض أن يساعد عسكريون ورجال أمن ليبيون موجودون على رأس أعمالهم في عملة الإطاحة بالقذافي.

غير أن الذي حدث هو أن الحواس اضطر للتعجيل ببدء خطته العسكرية، بعد أن علم أن خلافا في وجهات النظر وقع بين الأفراد العسكريين الذين وصلوا إلى ليبيا، ولكنه ما أن عبر ليبيا قادما من تونس حتى اشتبهت فيه قوات القذافي، فاقتادوه لمخفر شرطة، وهناك وقع اشتباك بينه وبينها فقتلته، لكنها لم تتعرف عليه إلا في اليوم الثاني من خلال أحد الضباط الكبار المقربين من القذافي.

ويقول المقريف إنه لسوء الحظ فقد كان الحواس يحتفظ بمفكرة أسماء في قميصه، استطاعوا من خلالها التعرف على مواطن ليبي كان على تواصل مع الحواس، فوصلوا إليه، وتحت التعذيب أجبروه على الاعتراف بالخلية العسكرية التي دخلت البلاد بهدف المشاركة في الإطاحة بنظام القذافي.

وبعد أن بث التلفزيون الليبي كل هذه التفاصيل، عرفت بقية المجموعة العسكرية الموجودة في ليبيا بانكشاف أمرها، وقررت مواصلة المهمة حتى لو كان الثمن أرواحها، فكانت المعركة في اليوم التالي في شقة أمام باب العزيزية، قتل فيها أغلب أفراد المجموعة، وهرب بعضهم، لكن تم القبض عليهم لاحقا.

ويقول المقريف إنه بعد هذه التطورات الدراماتيكية قررت الجبهة الوطنية في اجتماع لها في السودان -قبيل الانقلاب على النميري- مواصلة العمل العسكري، كما قررت اللجوء للعراق لدعمها بالأسلحة اللازمة، فكانت استجابة العراق غير محدودة، ووافق الرئيس العراقي صدام حسين بعد لقائه بالمقريف على تزويد المعارضة بكافة أشكال الأسلحة التي طلبوها.

غير أن المعضلة كانت هي أن العلاقات الدبلوماسية بين العراق والسودان مقطوعة، فخشي العراقيون أن يرفض السودان السماح بوصول الأسلحة، فما كان من المقريف إلا أن عرض على العراقيين أن يرافق هو الأسلحة كضمان لاستقبال الخرطوم لها، وبالفعل هذا ما كان حيث جرى تحميل الأسلحة بطائرة مدنية بعد نزع جميع مقاعدها.

وكشف المقريف أن المعارضة الليبية كانت قد تمكنت في تلك الفترة من شراء سفينة تجارية وحملتها بالكثير من الأسلحة واشترت عددا من القوارب المطاطية لاستخدامها في العملية العسكرية المقبلة ضد القذافي، لكن كل هذا الأمر تبدّل كليا بعد الانقلاب على النميري، وتسليم عسكر السودان الجدد الأسلحة للقذافي.