كشف محمد المقريف أول رئيس للبرلمان الوطني العام بليبيا في الجزء الثالث من شهادته على العصر، عن الاحتضان الكامل من جانب الولايات المتحدة الأميركية والرعاية والتخطيط الهائلين اللذين قدمتهما للانقلاب الذي قاده الملازم معمر القذافي ضد الملك السنوسي عام 1969.

وقال المقريف إن الولايات المتحدة ومن خلال عشرات شركات النفط التي كانت تمتلكها بليبيا ومن خلال المركز الثقافي، كانت على دراية كاملة بكل التفاصيل في الجيش الليبي وليبيا بشكل عام، هذا.. فضلا عن أن أكثر من 25% من الجيش الليبي كانوا قد تلقوا دورات عسكرية في أميركا، مما مكّن الإدارة الأميركية من الاطلاع الكامل على مفاصل الجيش وقدراته كافة.

ووفقا للمقريف فإن الذين نفذوا الانقلاب الحقيقي هم ستون ضابطا من صغار الرتب بينهم معمر القذافي الذي كان يحمل رتبة ملازم، ولكن كون هؤلاء الضباط لا يمتلكون الخبرة الكافية بإدارة الجيش، فقد لجأت واشنطن لخداع كبار الضباط وبينهم أحمد الموسى وآدم الحواز اللذان كانا يحملان رتبة عقيد وكانا يشغلان منصبي وزيري الداخلية والدفاع، بحيث استخدمتهما غطاء وواجهة للانقلاب، ليتبين بعد ذلك أن المطلوب هو تفرد الملازم القذافي بالسلطة.

وتحدث المقريف بإسهاب عن الدور الكبير الذي لعبه الرئيس المصري آنذاك جمال عبد الناصر في رعاية الانقلاب الذي نفذه القذافي، ودوره بتمكين الأخير من التفرد بالسلطة من خلال التعاون مع واشنطن للإطاحة بكل القيادات العسكرية أو المدنية التي قد تشكل خطرا على القذافي، وكان الحواز والموسى من ضمن هؤلاء.

وفي سبيل تسهيل سيطرة القذافي على الحكم، والحيلولة دون عودة الملك السنوسي الذي كان يحظى بشعبية كبيرة، قام ناصر بإقناع الملك بالقبول بالأمر الواقع والعيش في مصر بما يضمن الحيلولة دون عودته لليبيا.

ولم يبخل الرئيس عبد الناصر -وفقا للمقريف- عن تقديم المشورة والنصح الدائم للقذافي لتمكينه من بسط سيطرته وقبضته على أركان الدولة، حيث أوفد له أحد كبار رجال مخابراته وهو محمد الذيب، الذي اقترح على القذافي إنشاء وعاء سياسي يمكنه من حكم ليبيا، والالتفاف على وعوده التي قطعها للشعب بأن يتنحى عن السلطة ويفسح المجال لقيادة وحكم مدني يأتيان عبر صناديق الاقتراع.

وكان ذلك الوعاء هو الاتحاد الاشتراكي الذي كان بمثابة أداة القذافي لتأسيس دولة دكتاتورية بالكامل، حيث تم منع ممارسة السياسة على أي تنظيم آخر بالبلد، ومنعت التظاهرات والاحتجاجات، وسنت قوانين قمعية تحت ذريعة ما يسمى بحماية الثورة، حيت تمكن القذافي من إعدام كبار قيادات الجيش، والزج بالآلاف من أركان الدولة الملكية في السجون وكذلك الأمر بالنسبة للصحفيين، وذلك كله بتخطيط وتدبير نظام عبد الناصر.

مقتل ابن العم
وفيما يتعلق بحادثة مقتل عضو مجلس الثورة إمحمد المقريف ابن عم "ضيف شاهد على العصر" أصر الأخير على أن ما جرى مع ابن عمه عام 1972 حادثة قتل واغتيال وليس حادث سيارة كما زعم القذافي ونظامه.

وأوضح المقريف أنه حسب مزاعم القذافي فإن ابن عمه توفي جراء حادث سيارة كان يقودها وإلى جانبه رئيس الوزراء السابق عبد السلام جلود.

ووفقا لضيف شاهد على العصر فإنه في يوم الحادث ذاته قام بزيارة جلود بالمستشفى ولم يكن به أي جرح، مع أن النظام تحدث عن 14 كسرا أصابت إمحمد المقريف بسبب الحادث.

وطالب المقريف جلود -الذي ما زال على قيد الحياة- أن يكشف حقيقة ما جرى مع ابن عمه، مشددا على أن المعلومات المؤكدة لديه أنه جرى رمي ابن عمه من الطائرة، ثم قيل إنه توفي جراء حادث سيارة.

ديوان المحاسبة
وفيما يتعلق بقرار القذافي بتولي محمد المقريف منصب مدير ديوان المحاسبة، أكد المقريف أن الغاية من القرار كان التخلص من وجوده بالجامعة، حيث كان يدعم حراك الطلبة ضد القذافي وانقلابه.

لكن القذافي لم يكن يعرف أن المنصب الذي وضع فيه المقريف سيشكل له صداعا جديدا، حيث إن أول تقرير أصدره ديوان المحاسبة بعهد المقريف عام 1973 تحدث عن فساد هائل بدولة القذافي، وهو الأمر الذي أزعج الأخير ونظامه ودفعهما لاتخاذ إجراءات سيكشفها المقريف بالحلقة المقبلة.