تحدث محمد المقريف أول رئيس للمؤتمر الوطني العام بليبيا في الحلقة الأولى من شهادته على العصر عن استقلال ليبيا والعهد الملكي بقيادة الملك إدريس السنوسي، والظروف التي سادت ليبيا أثناء الاستقلال وبعده، وأبرز ما قدمه العهد الملكي لليبيا الدولة وللمواطن.

وعن واقع الدولة الليبية قبل نيل الاستقلال عام 1951، أشار المقريف إلى أنه تم تصنيف ليبيا في ذلك الوقت على أنها ثاني أفقر دولة في العالم بعد إندونيسيا، وكان عدد خريجي الجامعات من الليبيين لا يتجاوز 14 خريجا، وكانت كل إدارات الدولة ومؤسساتها بيد الفرنسيين والبريطانيين، كما كانت الأمراض تنتشر في ليبيا، ولا وجود للطرقات والمدارس والجامعات حيث بلغت نسبة الأمية بين الليبيين نحو 95%.

العهد الملكي
وعن العهد الملكي بليبيا الذي استمر من 1951 إلى 1969، أكد المقريف أنه كان من أفضل الحقب التي مرت على ليبيا في تاريخها المعاصر، حيث أنجزت الوثيقة الدستورية التي وصفت بالرصينة والسابقة لعهدها رغم فقر البلاد، وقال إن ليبيا عاشت أفضل 18 عاما من الزهو في حياتها.

ورغم إشادته الكبيرة بسياسة وحكمة الملك إدريس السنوسي، فإن المقريف أقر بارتكاب الملك أخطاء كارثية ساهمت في إنهاء الحكم الملكي.

ومن هذه الأخطاء منح ناظر الخاصة الملكية (رئيس الديوان) إبراهيم الشلحي صلاحيات كبيرة وصلت حد التحكم في تعيين وعزل الوزراء وأمراء المناطق والأقاليم، حتى تم اغتياله على يد محيي الدين السنوسي ابن أخت الملكة فاطمة زوجة الملك إدريس، والذي تم إعدامه بعد عام من الحادث.

ووصف المقريف الحادث بأنه الأخطر في العهد الملكي لبقاء آثاره على المشهد السياسي لمدة طويلة، كما انتقد رد فعل الملك الذي قال إنه بالغ في درجة غضبه، بل ذهب للغلو، إذ لجأ لمعاقبة كافة أفرد الأسرة الحاكمة دون استثناء -كون القاتل منها- بحيث جردهم من كل الامتيازات الملكية وتمت معاملتهم بوصفهم مواطنين عاديين.

كما انتقد الملك للجوئه لتعيين بصير الشلحي البالغ من العمر 25 عاما في منصب والده وفاء لذكرى الأخير، رغم حداثة سن الابن وعدم امتلاكه أي خبرة سياسية أو معرفة بإدارة شؤون الدولة.

وبحسب ضيف "شاهد على العصر" فإن الابن سار على خطى أبيه، فتصدر المشهد السياسي وأخذ يعزل ويعين دون حسيب أو رقيب، في حين أن الملك يمارس العزلة لأشهر طويلة تاركا الشاب اليافع يتحكم في الدولة.

وعن مقتل بصير الشلحي بحادث سيارة عام 1964، أعرب المقريف عن قناعته بأن الحادث كان مدبرا، حيث إن جهات ليبية عدة لم تكن راضية عن سيطرته على مقاليد الدولة، وقد يكون هو السبب ذاته الذي دفع ابن شقيق الملكة إلى قتل الشلحي الأب.

مواقف الملك إدريس
وفي سياق سرده لأبرز إيجابيات وإنجازات الملك إدريس، تحدت المقريف عن مواقف الملك غير المسبوقة تجاه دعم القضية الفلسطينية حتى إنه وصف بالممول الأول لها، وكان الملك قد تبرع عام 1967 بخمسين مليون دولار لصالح القضية الفلسطينية، كما دعّم دول المواجهة بما فيها مصر التي كان يرأسها جمال عبد الناصر الذي كان يناصب الملك السنوسي العداء.

ولم يقف الملك السنوسي مكتوف الأيدي تجاه الثورة الجزائرية، بل دعمها بكل ما أوتي من قوة، ولم يستبعد المقريف أن يكون دعم السنوسي لفلسطين أحد الأسباب الحقيقية للإطاحة به.

وفي عهد السنوسي شهدت ليبيا تجربة ديمقراطية رائدة حيث أجريت أول انتخابات في فبراير/شباط 1952م، تلتها انتخاب حكومة 1956 التي ترأسها مصطفى بن حليم، وبعدها حكومة 1960 التي ترأسها عبد المجيد كعبار، وحكومة 1964 وترأسها محمود المنتصر، وبالتوازي مع الانتخابات البرلمانية الخاصة بالحكومة الاتحادية كانت تجري انتخابات للمجالس التشريعية.

كما شهدت الفترة الملكية صدور 25 صحيفة ومجلة كان منها ثلاث حكومية فقط والباقي مستقلة، وكانت تتمتع بسقف حرية عال، وبقيت تصدر حتى دمرها القذافي الذي قاد انقلابا على السنوسي عام 1969.

وفي إشارة للديمقراطية التي عاشتها ليبيا بالعهد الملكي، أشار المقريف إلى أنه في عام 1954 أصدرت المحكمة الدستورية قرارا ببطلان المرسوم الملكي القاضي بحل ولاية طرابلس، فما كان من الملك إلا أن التزم بقرار المحكمة وتراجع عن قراره، وأشار المقريف إلى أن الفترة الملكية لم تسجل حالة إعدام سياسي واحدة، بل إنه كان عادة ما يخلي سبيل المحكومين سياسيا قبل انتهاء مدة محكومياتهم، كما شهدت حقوق الإنسان ازدهارا بالعهد الملكي لم تشهد له ليبيا مثيلا في تاريخها.