يخصص زعيم ومؤسس الحركة الإسلامية في السودان الدكتور الراحل حسن الترابي شهادته الرابعة المسجلة للوضع السياسي في السودان بعد انقلاب جعفر النميري في 25 مايو/أيار 1969، الذي تحالف فيه مع الشيوعيين قبل أن ينقلب عليهم عام 1970، والاعتقالات التي طالت الإسلاميين وبقية القوى السياسية.

ويتهم الترابي الشيوعيين بانتهاز انقلاب 1969 لتصفية حسابهم مع المعارضة السياسية، خاصة مع الإسلاميين. ويقول إن تحالف النميري معهم، والاجراءات التي اتخذها ضد القوى السياسية الأخرى، دفعا الأحزاب التقليدية مثل حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي وجبهة الميثاق الإسلامي إلى التكتل في جبهة واحدة.

وبعد أن استولى النميري على السلطة قام باعتقال الترابي والمئات من قادة الحركة الإسلامية، إضافة إلى الكثير من السياسيين وزج بهم في السجون، كما قام بكبت الحريات تماما، في الوقت الذي كان متحالفا مع الشيوعيين، قبل أن ينقلب عليهم في نوفمبر/تشرين الثاني 1970.

ويرجع الترابي سبب خلاف النميري مع الشيوعيين إلى كون كلاهما يريد بسط قبضته على الدولة بعد أن خلا لهما الميدان.

ويشير إلى أن فشل الشيوعيين في انقلاب 19 يوليو/تموز 1971، بعد أن استولوا على السلطة ثلاثة أيام فقط، كان بسبب اعتقال قادتهم في ليبيا، وعجزهم وقتها عن السيطرة على القوات المسلحة، ويقول إن تلك الأحداث كانت بمثابة ضربة قصمت ظهر الشيوعيين، حيث تم حل الحزب الشيوعي لاحقا، ولم تقم له قائمة منذ تلك الفترة.

وبشأن السياسة التي انتهجها النميري في تلك الفترة، يؤكد الترابي أنه بعد أن قضى على الشيوعيين ظل يسعى لبسط سيطرته على السودان، وانقلب 180 درجة نحو الغرب، حيث أعاد علاقته بالأميركيين عام 1972، وكشف أن منصور خالد (دبلوماسي وكاتب سوداني ليبرالي) كان له دور في ترتيب هذه العودة، ويقول إنه كان منذ الجامعة وثيق الصلة بالبريطانيين.

وبعد المحاولة الانقلابية التي خططت لها المعارضة السودانية من ليبيا أو ما سمي "هجوم المرتزقة" عام 1972، تم الإفراج عن الإسلاميين، وبينهم الترابي عام 1972، وينفي ضيف "شاهد على العصر" أن يكون النميري قد زاره في سجنه في تلك الفترة، لكنه دعاه بعد خروجه من السجن إلى جلسة عشاء.  

الشورى
ويخصص الترابي جزءا من شهادته المسجلة في أكتوبر/تشرين الأول 2010 للحديث عن أفكاره وموقفه من الحركة الإسلامية الحديثة، إذ يقول إنه بعد خروجه من السجن ذهب إلى السعودية لأداء فريضة الحج، وهناك التقى مرشد جماعة الإخوان المصرية حسن الهضيبي، الذي يصفه بالرجل المعتدل والرشيد في أحكامه، وأنه كان لا يعلم الكثير عن الإخوان في السودان، لكنه كان يتمنى أن تتقارب مصر مع السودان لو قامت فيهما "دولتان إسلاميتان".

كما قام المفكر والسياسي السوداني الراحل بجولات في بعض الدول العربية والأجنبية، مثل الكويت وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، وهي الجولات التي يقول إنه خصصها للجهر بمواقفه ومعارضته للنظام السوداني والاستبداد بصفة عامة.

ويذكر أنه وجد خلال تلك الجولات فجوة بينه وبين الحركات الإسلامية في الأقطار الأخرى، فأغلبية هذه الحركات "لم تكن تؤمن بالحريات"، و"أن بنية الدولة الإسلامية يجب أن تقوم على الشورى لها ولغيرها"، و"أن السلطة يجب تتولى بالشورى تعاقبا، لا بالبيعة".  

ويؤكد أن التنظيم الإسلامي الذي أسسه في السودان كان قائما على الشورى، وأنهم كإسلاميين تأثروا بالفكر الليبرالي والدستوري الغربي، لأنه ذكرهم بمعاني الدين الذي قامت عليه بنية الدولة الإسلامية في البداية، أي رأي الشعب ونصيحته "الإجماع ليس إجماع الفقهاء وإنما إجماع الأمة".

ويقول إنهم كحركة إسلامية سودانية كانوا يريدون تنسيقا إسلاميا عالميا مع حفاظ كل حركة على خصوصيتها، كما يقر الترابي بأنه "جريء وطليق اللسان"، وهي الصفة التي يقول إنه ورثها عن والده كما ورث عنه السجون.