من برنامج: الصندوق الأسود

من قتل شكري بلعيد؟

كشف فيلم "من قتل شكري بلعيد؟" تفاصيل جديدة عن حادثة الاغتيال التي هزت الحياة السياسية في تونس. تتبع الفيلم المتهمين في القضية وعلاقاتهم وخلفياتهم، وارتباط بعضهم برموز نظام بن علي.

فُجع المجتمع التونسي في شهر فبراير/شباط من العام الماضي بخبر اغتيال أحد أبرز رموز المعارضة واليسار التونسي المحامي شكري بلعيد، بإطلاق الرصاص عليه أمام منزله، في حدث هز الأوساط السياسية في تونس بعد إسقاط النظام في يناير/كنون الثاني 2011.

الصندوق الأسود في فيلمه الجديد "اغتيال شكري بلعيد" تتبع تفاصيل ما حدث، وبحث ليس فقط في ملابسات حادثة الاغتيال، بل في سير عملية التحقيق، كاشفا الكثير من التفاصيل الجديدة، متتبعا في الوقت نفسه المتهمين في القضية وعلاقاتهم وخلفياتهم، وارتباط بعضهم -مثل أحمد الرويسي- برموز نظام بن علي، والخيوط التي من الممكن أن توصل إلى الجهة الحقيقية التي تقف خلف مقتل بلعيد.

في صبيحة السادس من فبراير/شباط وعند الساعة الثامنة والنصف، تقدم شاب في الثلاثينيات من عمره إلى بلعيد، حيث كان يجلس في الكرسي الأمامي إلى جانب سائق السيارة، التي كانت تنتظره أمام باب العمارة التي يقطنها بمنطقة المنزه السادس في العاصمة تونس، وأطلق عدة رصاصات استقرت في صدر بلعيد قبل أن يهرب الجاني بدراجة نارية يقودها شخص ثان.

ولأن شكري بلعيد -المعارض اليساري المتشدد- اشتهر بخصومته للترويكا التي أمسكت بزمام الحكم في تونس بعد ثورة الشعب، وكاد اغتياله يعصف بالحياة السياسية التي بدأت تتشكل، فقد وُجهت أصابع الاتهام للترويكا التي تقودها حركة النهضة ذات التوجه الإسلامي.

وعقب الاغتيال بأسابيع استطاعت الجهات الأمنية التونسية تحديد الجناة، وتبين أنهم ينتمون للتيار السلفي في تونس، وأعلنت وزارة الداخلية بعدها قتل المتهم الأول بتنفيذ العملية كمال القضقاضي خلال محاولة إلقاء القبض عليه، إضافة إلى متهمين آخرين نجحوا في الهرب أو قتلوا أو تم إلقاء القبض عليهم، ليتم وقف التحقيق وإغلاق ملف القضية بعد حوالي أكثر من عام من الاغتيال.

صناعة الإرهاب
طرح الفيلم الكثير من التساؤلات عن ما إذا كان التيار السلفي هو الذي قام فعلا وتخطيطا بتنفيذ هذه العملية، وكيف تم استغلال واختراق التيار السلفي لتنفيذ مثل هذه العمليات (التي تكررت لاحقا باغتيال النائب والمعارض محمد البراهمي)؟ وهل هناك جهات تقف وراء عمليات الاغتيال هذه في محاولة لصناعة الإرهاب في تونس؟

المتهمون هم: منفذ العملية كمال القضقاضي، ومروان الحاج صالح وسلمان المراكشي مساعدان، والرأس المدبر أحمد الرويسي، وعز الدين عبد اللاوي قيادي سلفي في تيار أنصار الشريعة.

حاول الفيلم تسليط الضوء على الجوانب المعتمة أو تلك المستهدفة بالتعتيم من خلال البحث في محاضر التحقيق الرسمية والوصول إلى الأشخاص المرتبطين بالقضية، أو المقربين من الأشخاص ذوي العلاقة بها، سواء بلعيد أو المتهمين بقتله أو من راج عنهم الضلوع في التغطية على الجريمة أو من يتوقع أنه استفاد منها.

المحامية ليلى بن دبة تقول إنه ليس من الممكن القول إن عملية اغتيال بهذا الحجم تقع على عاتق أربعة أشخاص وينتهى الأمر.

ويتتبع الفيلم سير المتهمين واحدا واحدا، فهذا المراكشي يسافر إلى ليبيا بعد عملية الاغتيال بعشرين يوما وعن طريق معبر رسمي.

يتساءل الصحفي الاستقصائي ماهر: إذا كان المراكشي شريكا فكيف تجرأ أن يسافر بطريقة شرعية؟ وهل هناك جهة ما غطت سفره من معبر رأس جدير بين تونس وليبيا؟

هل كانت مؤامرة؟
الخبير الأمني يسري الدالي رأى أن اغتيال شكري بلعيد اشتركت فيه عدة أطراف، وأن القضقاضي الذي نفذ العملية تركت له حرية اختيار التوقيت والطريقة، مشيرا إلى أن القضقاضي كان ذكيا وغامضا بحيث لم يعرف أقرب أصدقائه بما يفكر.

لكن منفذ العملية سيقتل بعد عام في عملية اكتنفها الغموض ودفن معه سر عملية الاغتيال. كان القضقاضي مراقبا من قبل قوات الأمن ومعروفا مكانه بالضبط، أي أن ثمة فرصة قوية لاعتقاله حيّا. فلماذا قتل؟

جميع الذين خططوا ومولوا العملية كانت لهم مصلحة في قتل القضقاضي، كما يشير الخبير الأمني يسري الدالي.

فوزي بن مراد رئيس هيئة الدفاع عن شكري بلعيد كان صوته عاليا وهو يكشف أن أطرافا أجنبية دخلت الى تونس بطريقة غير شرعية وخرجت منها في يوم الاغتيال، ووعد بكشف المزيد لكنه تعرض لضغوط هائلة للكف عن تصريحاته.

بعد أيام من تصريحات بن مراد توفي بما قيل إنها سكتة قلبية لكن عائلته تصر على أنها عملية قتل مشبوهة. وتصف المحامية ليلة بن دبة بن مراد بأنه لا أحد يستطيع إسكاته، مشيرة إلى أن "ثمة عملية تسميم" تعرض لها.

اعتمد فريق العمل في تحقيقه على تحليل وثائق ذات علاقة بالقضية ومحاضر التحقيق وروايات الشهود وسجلات مكالمات المتهمين وشهادات صادمة، قد تضع علامات استفهام كبيرة حول حقيقة صناعة الإرهاب في تونس ومن يقف وراء عملية الاغتيال هذه.

يذكر أن برنامج "الصندوق الأسود" يسعى عبر سلسلة من الأفلام الوثائقية الاستقصائية للبحث في ملفات وقضايا أثارت جدلا، أو ظلت طي الكتمان، في محاولة لكشف أسرارها وإعادة سرد الأحداث برؤية موثقة، ويبث البرنامج في الخميس الأخير من كل شهر.



حول هذه القصة

تحيي تونس اليوم الخميس الذكرى الأولى لاغتيال المعارض شكري بلعيد، وذلك بعد يومين على إعلان مقتل المتهم بارتكاب هذه الجريمة وسط سجال في أوساط سياسية وإعلامية رأى بعضها أن مرتكب الجريمة -الذي قتل- كان مجرد أداة تنفيذ لجهة لم تعرف بعد.

أثار مقتل كمال القضقاضي -المشتبه الأول في اغتيال المعارضين شكري بلعيد ومحمد البراهمي العام الماضي- تساؤلات داخل أوساط المعارضة في تونس حول ما إذا كان لغز الاغتيالات الشائك سيُدفن مع هذا القاتل المزعوم؟

دعت هيئة الدفاع عن المعارض التونسي شكري بلعيد الأمم المتحدة بذكرى اغتياله للتعامل مع قضيته على غرار قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، في حين أعلن الرئيس منصف المرزوقي يوم 6 فبراير/شباط يوما وطنيا لمكافحة العنف السياسي وذلك تكريما لبلعيد.

المزيد من سياسي
الأكثر قراءة