قال الباحث الإيراني المتخصص في القضايا الإقليمية محمد صالح صدقيان إن إيران ترى أن الاتفاق النووي لا يتعلق بأميركا فقط ولذلك فإنه يمكن أن يتواصل بعد انسحابها منه، إذا حافظت عليه بقية الدول الأخرى التي هي طرف فيه ولا سيما الاتحاد الأوروبي، خاصة أنه بُذلت فيه أوقات وجهود كثيرة حتى تم التوصل إليه عام 2015 وأصبح اتفاقا دوليا؛ مؤكدا أهمية اجتماع فيينا الذي قد يؤدي لتقارب في وجهات النظر.

وأضاف –في حلقة (2019/7/28) من برنامج "ما وراء الخبر"- أن إيران ما زالت تعتقد أن أميركا تمارس ضغوطا على الأوروبيين الذين قال إنهم لم يمتلكوا إرادة واضحة لمواجهة الهيمنة الأميركية، وبالتالي فهم الآن محشورون بين المطرقة الأميركية والسندان الإيراني مما جعلهم يخطون خطوة واحدة للأمام واثنتين للخلف، فحين يقررون تفعيل الآلية المالية في الاتفاق النووي مع إيران يتراجعون سريعا تحت الضغط الأميركي.

وأوضح صدقيان أن طهران لديها "مصداقية عالية" لدى مجموعة "4+1" التي تتفهم التصور الإيراني ومطالب طهران من المجموعة، ولكن عليهم أن يعلموا أنهم حين يطالبون إيران بمواصلة البقاء ضمن الاتفاق لا بد أن يجدوا مخرجا ماليا لها من العقوبات الأميركية، مشيرا إلى أن ما يحدث في مياه الخليج من دعوات لتشكيل قوات من دول مختلفة لتأمين الملاحة فيه هو من تداعيات انسحاب أميركا من الاتفاق النووي.

وبدوره؛ يرى أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الأردنية حسن البراري أن إمكانية إنقاذ مجموعة "4+1" للاتفاق النووي تستدعي الاستجابة لمطالب إيران عبر التعامل معها بالآلية المالية المخففة -ولو بالحد الأدنى- لعبء العقوبات الاقتصادية الأميركية وتأثيرها على الإيرانيين، حتى يذهب الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن الرئاسة.

وذهب إلى أن مجال تحرك الأوروبيين يتحدد بمحاولتهم إبقاء إيران ضمن الاتفاق أكبر وقت ممكن حتى تتهيأ الأرضية لتنظيم حوار أميركي إيراني، إذ من دون هذا الحوار لن يُحل موضوع البرنامج النووي الإيراني وما يتعلق به من ملفات، فالصراع حقيقة بين واشنطن وطهران وليس بين الأخيرة والأوروبيين الذين يريدون بقاءها ضمن الاتفاق لنزع فتيل الأزمة.

حافة الهاوية
ولفت البراري إلى أن السياسة الإيرانية قائمة على مبدأ "ضربة مقابل ضربة"، وأجواء التوتر السائدة هي التي أبقت المنطقة على حافة الهاوية وقد تفضي لمواجهة لا يرغب فيها أحد، ولذلك فإن الحديث عن قوات أجنبية لحماية الملاحة في الخليج أمر مستفز لإيران وقد يؤدي لخطأ غير محسوب تندلع بسببه الحرب. ومن جهتها تعتقد دول غربية أن ردع إيران يحتاج لوجود قطعات عسكرية تساهم في ممارسة سياسة الضغط الأقصى عليها حتى تخضع للتفاوض مجددا.

أما الكاتب والمحلل السياسي الكويتي حسين جمال فيؤكد أن تحرك سلطنة عُمان الأخير مرده أنها كانت دائما هي "المنطقة الرمادية" التي مكنت إيران وأميركا من إدارة مفاوضاتهما في السابق، رغم ما كان سائدا آنذاك من "خطاب إيراني متشدد" تجاه واشنطن؛ مشيرا إلى أنها ما زالت تلعب دور الوسيط بينهما وخاصة في الأزمة الراهنة، رغم أن دول الخليج تشهد انقساما بين من يريد التهدئة حفظا لمصالح المنطقة ومن يريد التصعيد ودخول المنطقة في صدامات عسكرية.

ولفت إلى أنه رغم صعوبة الظرف الحالي فإن هناك خطاب تهدئة حتى من واشنطن، وهناك تقدم في مفاوضات بين الجانبين حتى ولو لم تكن رسمية أو كانت من خلال وسطاء. وبالتالي فإن "حالة التشنج التي سادت الشهر الماضي بدأت تخف قليلا في المنطقة"، لا سيما أن روسيا والصين انحازتا إلى جانب طهران بقولهما إن "صبرها طال كثيرا"، وهو ما جعل طهران تشعر بأن هناك دعما لها من هاتين الدولتين أكبر مما كان موجودا.

ووصف جمال الأميركيين بأنهم براغماتيون ويستثمرون أي حدث لتعظيم مصالحهم، ويمكن أن يعطوا في قادم الأيام صلاحيات كبيرة للإيرانيين في تأمين المنطقة كما كان قائما قبل الثورة الإيرانية 1979، لافتا إلى أن واشنطن تدرك أنها ليست في وضعية تمكنها من محاربة إيران وتشعر بأنها حققت تقدما دبلوماسيا في موضوعها، بينما تشعر طهران بأنها حققت مكسبا في مواجهتها للعقوبات الأميركية.