قبل أيام قليلة فقط كان كبار قادة المجلس العسكري في السودان يقومون بجولات في مصر والإمارات العربية والسعودية، حيث استقبلوا هناك بحفاوة كرؤساء الدول، وليس كعسكريين يخوضون مخاضا صعبا مع شعوبهم الرافضة لبقائهم على رأس السلطة.

وبعد أيام معدودات من عودة العسكر للخرطوم اخترقوا مقر اعتصام الثوار في القيادة العامة فأضرموا به النار وأطلقوا الرصاص على الثائرين لإجبارهم على فض الاعتصام.

هذه التطورات والتصعيد الشديد بلهجة العسكر ضد القوى المدنية والسياسة دفعت المراقبين والمحللين والنشطاء للربط بين جولات العسكر في الدول الثلاث وبين التطورات الدرامية التي شهدها مقر الاعتصام.

ومن بين هؤلاء المحلل السياسي عمر العياصرة الذي رأى في تصريحات لحلقة (3/6/2019) من برنامج "ما وراء الخبر" أن ما جرى في مقر الاعتصام لم يكن مفاجئا وإنما جرى التمهيد له بإجراءات عدة اتخذها العسكر، من ضمنها التصعيد باللهجة ضد قوى الحرية والتغيير واتهامها بالتجرد من السلمية، وطرد قناة الجزيرة من السودان، لتغييب الشاهد عن المجزرة التي يجري الإعداد لها.

أما أيادي القاهرة والرياض وأبو ظبي فليست بريئة من دم من قتلوا في مقر الاعتصام بحسب المحللين، فما جرى بالمقر تم بحثه في العواصم الثلاث، بل إن عياصرة يذهب للاعتقاد بأن هذه العواصم وعدت العسكر بأمرين، أولهما المال من أجل منحهم فرصة التحرك بحرية وسط المجتمع السوداني، والثاني أن تلك العواصم وعدتهم بالتغطية الدولية، والحصول على الدعم من قبل قوى دولية كبرى، على رأسها الولايات المتحدة.

كيف انطلت الحيلة؟
ولكن كيف انطلت الحيلة على قوى الحرية والتغيير في السودان ولم تدرك مبكرا العلاقة بين العسكر وبين الدول الداعمة للثورات المضادة بالربيع العربي؟

ردا على هذا السؤال، يقول عضو تجمع المهنيين السودانيين أزهري الحاج إن العسكر نجحوا لحد كبير في خداع قوى الحرية والتغيير التي لم تدرك مبكرا الأهداف الحقيقة من وراء مماطلة العسكر بالمفاوضات، ووضعهم العراقيل أمام تقدمها، ليتبين لها الآن أنهم كانوا يسعون لكسب الوقت لتقوية أنفسهم داخليا، وتعزيز علاقاتهم الخارجية مع الدول التي من مصلحتها بقاء العسكر وعدم تحقيق مطلب الدولة المدنية للسودانيين.

ومع أن الأزهري يؤكد أن قوى الحرية والتغيير تعرف تماما الدور الذي تلعبه كل من الإمارات والسعودية والقاهرة لدعم الثورات المضادة إلا أنها كانت تراهن على "سودانية وإنسانية وإسلام" العسكر، لتكتشف -أي قوى الحرية- أن العسكر في السودان مثل غيرهم بدول أخرى ينقلبون على كل مبادئهم وتعهداتهم.

ويبدو أنه حتى المراقبين السياسيين والمحللين المنحازين لجانب العسكر لا يمكنهم إنكار دور الدول الثلاث بما جرى في مقر الاعتصام، فالمحلل محيي الدين محمد اعترف بأن لهذه الدول مصالح ورؤى محددة، وقد تتدخل في شؤون غيرها من الدول لضمان مصالحها وتحقيق رؤيتها.

ولم يستبعد محيي الدين أن يكون العسكر لجؤوا إلى فض الاعتصام، لأن مقر الاعتصام أصبح يشكل ورقة ضغط سياسية على قوى الحرية والتغيير تحول دون تحقيق تقدم بالمفاوضات مع العسكر.

السيناريوهات المحتملة
ولكن ماذا بعد، وإلى أين يتجه السودان بعد فض الاعتصام بالقوة؟ هناك عدة سيناريوهات يراها المحللون بشأن مستقبل السودان، أحدها هو أن الدول الثلاث تسعى لفرض حكم العسكر كما هو في مصر، ولكن بالسودان مطلوب عسكر حمقى تسهل السيطرة عليهم، بحسب عياصرة.

وإما فإن السودان سيتحول لدولة فاشلة كما هو الحال في ليبيا واليمن، وهذا سيناريو لا تعارضه أبو ظبي أو الرياض، ولكن مصر لا تريده لأن ذلك سيؤثر عليها بحكم الجوار.

وإلا فإن السيناريو الأخير هو أن يعيد السودانيون إنتاج ثورتهم من جديد ويقفوا بوجه العسكر الذين لم تعد لهم قدسية لديهم، حسب تأكيدات عياصرة، وبذلك فإن السودانيين سيصلون ببلدهم إلى حيث يريدون لا إلى حيث يريد العسكر ومن يقف وراءهم.

ولا يبدو أن قوى الحرية والتغيير والقوى السياسية في السودان ستترك المشهد للعسكر والعواصم الثلاث، بل إن لديهم الكثير من الخيارات مثل العصيان المدني والإضراب المفتوح حسب ما يؤكد الأزهري الذي أكد أن السودانيين لن يعودوا لمنازلهم إلا بعد تحقيق الدولة المدنية.