أكدت هيئة تحقيق بريطانية مستقلة مضيها قدما في إعداد تقرير سيُنشر نهاية يناير/كانون الثاني الجاري بشأن ما دعتها انتهاكات صادمة تتعرض لها الناشطات المعتقلات في السعودية. ووصف رئيس الهيئة النائب كريسبن بلانت تجاهلَ السلطات السعودية لطلب الهيئة زيارة المعتقلين بسجون المملكة بـ"الفرصة الضائعة".

حلقة (2019/1/10) من برنامج "ما وراء الخبر" ناقشت هذا الموضوع، وتساءلت: ما خيارات هيئة التحقيق البريطانية بعد تجاهل السلطات السعودية طلبها زيارة الناشطات المعتقلات في سجونها؟ وعلى ماذا تعوّل السعودية في مواجهة الانتقادات المتصاعدة على الساحة الدولية لانتهاكاتها لحقوق الإنسان؟

تحقيقات مستمرة
بشأن ما إن كانت الرياض ضيعت فرصة لتوضيح وجهة نظرها بشأن السجينات السعوديات؟ تساءل الكاتب والمحلل السياسي علي ناصر الدين: هل كان يجب أصلا على السعودية قبول زيارة الهيئة البريطانية؟ وما هي هذه الهيئة حتى تتدخل في الشأن السعودي الداخلي؟ ووصف تشكيل البرلمان البريطاني للجنة بأنه "خطأ" وعلى الرياض ألا تقبل هذه الأمور لأنها ليست مستعمرة بريطانية.

وأضاف أن الرياض أصدرت بيانا قالت فيه إنها بدأت تحقيقا سريا في مزاعم الانتهاكات، وما زال التحقيق جاريا وعند نهايته ستصدر بيانا آخر وستدين أي ممارسات بحق النساء المعتقلات، ولكن من المستحيل أن تقبل الآن بأي زيارات لهن لأنها ستؤثر على مسار التحقيق، وعلى الجميع الانتظار إلى نهاية التحقيق وصدور بيان رسمي بشأنه لنعرف ما إن كانت السلطات السعودية ستسمح بمقابلة السجينات أم لا.

وردا على القول بأن تحقيقات السعودية لا تقنع أقرب حلفائها خاصة بعد ما جرى في قضية جمال خاشقجي؛ قال ناصر الدين إنه لا يعرف من هم هؤلاء الحلفاء ولكل منهم أن يقبل أو يرفض، مشيرا إلى أن السعودية "تواجه حربا عالمية يشنها عليها الجميع"، والمقصود زعزعة استقرار السعودية مما سيؤثر على الخليج بشكل خاص والعالم بشكل عام.

أما الخبير في القانون الدولي بين كيث فأكد أنه لا بد من الرقابة على حقوق الإنسان في كل الدول لتستيقن الأسرة الدولية من احترام هذه الحقوق وأن أصحابها لا يتعرضون للتعذيب، كما أن ذلك نوع من إظهار المساندة لضحايا للانتهاكات الحقوقية. وقال إنه حتى الحكومة البريطانية تتيح زيارة السجون والمعتقلات.

مصداقية معدومة
وأوضح أن هذه الهيئة البريطانية شُكلت للتحقيق في أوضاع المعتقلات السعوديات للتحقق من أنهن لا يتعرضن لأي معاملة مهينة، وقد طلبت الهيئة من الرياض الوصول إليهن للتأكد من سلامة وضعهن. وهذه إجراءات تقوم بها عادة مفوضيات حقوق الإنسان الأممية والأوروبية لحماية ومراقبة حقوق الإنسان، وسيكون جيدا لسمعة الرياض أن تسمح بالزيارة وإن كان مستبعَدا أن تفعل ذلك.

ويرى كيث أن الأسرة الدولية لم تعد تثق في الرياض وما تقوله بشأن حقوق الإنسان خاصة بعد اغتيال خاشقجي وما صدر منها بعد ذلك من روايات ومواقف، وبالتالي لا يمكن لأحد أن يثق في أنها ستجري تحقيقات فعالة في قضايا السجون، لا سيما أن الجميع يعلم أنها تعذب المعتقلين. وقال إن التقرير البريطاني إن صدر قد يستخدم في منابر دولية أخرى لإجبار الرياض على السماح بزيارة سجونها.

وبدوره؛ أكد الناشط الحقوقي السعودي يحيى عسيري أن الرياض منعت زيارة الهيئة البريطانية لأنها تخشى انكشاف حقيقة ممارسة التعذيب في سجونها، وقد حاولت الرياض من قبل أن تخرج بتصريحات من السجناء تكذب التقارير السابقة التي كشفت تعذيبهم لكنها فشلت في ذلك، وحتى لو قبلوا التصريح فإنه لن يكون ذا مصداقية لكونه انتزع منهم تحت الإكراه.

وأكد أن العالم أصبح مدركا للممارسات السعودية المنتهكة لحقوق الإنسان، ولو كانت القيادة السعودية حكيمة لعاقبت المتورطين وسمحت بإجراء تحقيقات محايدة، لكن التجاهل السعودي لمطالب الهيئة البريطانية سيدفعها لنشر تقريرها بما يتضمنه من تصديق للتقارير السابقة التي أثبتت وقوع الانتهاكات، وقد يعيّن مجلسُ حقوق الإنسان الأممي مقررا خاصا بالسعودية وهذا ما تخشاه الرياض.

ووصف التقرير البريطاني بأنه سيكون ورقة ضغط لدى هيئات حقوق الإنسان ولدى المجتمع الدولي الذي يقدم المبادئ الحقوقية على المصالح السياسية. ونفى أن تكون في الأمر مؤامرة على الرياض، قائلا إن من يتآمر على البلاد هو القيادة السعودية نفسها بممارساتها التي تنتهك حقوق الإنسان، وما فكرة المؤامرة إلا شماعة تستخدمها الأنظمة الاستبدادية.