كشفت صحفية "حريات" التركية أن أنقرة لديها تسجيلات تبين تفاصيل التخطيط المبيّت لاغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي بقنصلية بلاده في إسطنبول. وقد جاء الكشف عن هذه التسجيلات بعد يوم واحد من إعلان السعودية رواية جديدة لهذه الحادثة.

وتوضح هذه التسجيلات أن أعضاء فريق الاغتيال اتخذوا أماكنهم في مبنى القنصلية، وتحدثوا فيما بينهم عن خطة الجريمة ومهمة كل منهم فيها، وحدث ذلك قبل وصول خاشقجي إلى القنصلية بخمس عشرة دقيقة.

حلقة "ما وراء الخبر" (2018/11/16) ناقشت هذا الموضوع وتساءلت: ما الدلالات والرسائل التي يحملها الكشف عن هذه المعلومات بعد يوم من إعلان السلطات السعودية رواية تنفي تعمّـد قتل خاشقجي؟ وإلى أي وجهة ستسير السعودية في تكييف موقفها من هذه القضية بناء على فحوى التسجيلات الموجودة في حوزة تركيا؟

غياب المصداقية
يعتقد الكاتب والمحلل السياسي يوسف كاتب أوغلو أن التسريبات الجديدة تمت لأن أنقرة كانت تتوقع من بيان النيابة السعودية الأخير أن يقدم أجوبة أكثر على الأسئلة التركية لكن ذلك لم يحصل.

ولذا فإن تركيا تريد بكشف التسجيلات الأخيرة القول إنها لا تصدق بيانات السعودية لكونها لا منطق فيها وتفتقر إلى المصداقية، ولتؤكد أنها لن تترك ملف القضية يُغلق حتى تكشف الرياض الحقيقة كاملة وبمصداقية، وإلا فإن أنقرة ستكشف أدلتها الإضافية.

ويرى أن أنقرة لا تريد إعلان كل المعلومات التي لديها عما جرى مرة واحدة لأن القضية مرتبطة بالطرف السعودي، ولأن اتفاقية فيينا تنص على أخذ موافقته على التحقيقات؛ مشيرا إلى أن هنالك نقاط خلاف كثيرة بين الجانبين، أهمها أن أنقرة تقول إن الجريمة لا يمكن منطقيا أن تتم إلا بتفويض سعودي رسمي وعالي المستوى، خاصة أنها نفذت داخل مبنى القنصلية السعودية.

ويؤكد أوغلو أن تركيا أطلعت الرياض وعدة دول غربية على بعض الأدلة الجنائية، وأن التغيير المستمر في الروايات السعودية يتم حسب ما اطلعوا عليه منها. ويقول إن الرياض تريد تسليم كافة الأدلة إليها وليس مجرد الاطلاع فقط، وهذا ما لن تفعله تركيا لأنها تعتبر اغتيال خاشقجي جريمة دولية وقعت على أرضها.

وبدوره؛ يرى أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الأردنية حسن البراري أن تسريب التسجيلات جاء لكشف زيف الروايات السعودية وما فيها من تضليل، وأيضا للضغط على الطرف السعودي حتى يكشف عن جوانب القضية الحقيقة، وإلا فإن تركيا قادرة على تفككيك الرواية السعودية مرة بعد أخرى.

وأضاف أن الرياض تريد -بالتشاور مع أميركاوإسرائيل- إقفال القضية بتحديد خمسة متورطين لضمان إفلات الجناة الحقيقيين، لكن أنقرة تريد إضعاف ولي العهد محمد بن سلمان باعتباره مسؤولا عن تنفيذ الاغتيال، وهي تحتفظ بالكثير من المعلومات ولا تكشف عنها إلا لتكذيب الروايات السعودية.

ضغوط مستمرة
ويؤكد البراري أن نجاح أنقرة في تواصل تغيير الرواية السعودية -بشأن ما جرى مع خاشقجي- يعتمد على دقة المعلومات التركية وطريقة توظيفها والضغط بها، فإذا وصلت إلى الإعلام الغربي فستشكل ضغطا على الرياض وحلفائها الغربيين، لكنها لن تفيد إن بقيت في الإطار الثنائي بين تركيا والسعودية.

أما عضو حملة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانتخابية جون فريدريكس فيقول إن الأتراك "سرّبوا تدريجيا وبشكل جيد جدا" معلوماتهم بشأن الحادثة، وهو ما جعل الرياض تغيّر رواياتها لها مما أساء ذلك إلى مصداقيتها. وأكد أن سلطات الرياض تبتلع باستمرار "الطُّعم التركي" بناء على التسريبات التركية.

وأوضح أن العقوبات الأميركية الأخيرة الصادرة بحق بعض المشاركين في الاغتيال مجرد بداية، وأن هناك تحركا قويا من أعضاء بارزين في الكونغرس لإقرار مشروع قانون يقضي بوقف بيع السلاح للرياض ومنع واشنطن من تقديم خدمة التزويد بالوقود للطائرات الحربية السعودية. وإدارة الرئيس دونالد ترامب لا بد أن تتخذ موقفا مما يدعو إليه الكونغرس من إعادة النظر في العلاقة مع الرياض.

ويعتقد فريدريكس أن الإدانة بالتورط في اغتيال خاشقجي لا بد أن تصل إلى محمد بن سلمان نفسه وربما تحال مسؤولياته إلى أحد إخوته، وإلا فإنه سيكون من الصعب أن يواصل ترامب علاقته به لأنه كذب عليه بشأن قضية خاشقجي.