- أهمية الدعوة وانعكاساتها على العلاقة بين الثقافات
- صناعة التمويل الإسلامية وآفاقها المستقبلية

علي الظفيري
 جواد العناني
 عبد الحميد الغزالي
علي الظفيري:
أهلا بكم. نتوقف في حلقة اليوم عند تنامي الأصوات المطالبة بتبني نظام التمويل الإسلامي ولو جزئيا كمخرج من الأزمة الاقتصادية العالمية، آخر تلك الأصوات انطلق من الفاتيكان والذي دعا البنوك الغربية إلى الاستفادة من قواعد التمويل الإسلامي لمواجهة هذا الإعصار المالي العاتي. في الحلقة محوران، ما أهمية دعوة الفاتيكان إلى دمج قواعد التمويل الإسلامي في النظام الاقتصادي العالمي؟ وما قدرة النظام الإسلامي للتمويل على الاستجابة لتحديات الأزمة الاقتصادية العالمية؟... دعوة الفاتيكان إلى تهذيب النظام الرأسمالي بدمج مبادئ التمويل الإسلامي فيه تنطوي على أبعاد كثيرة تتجاوز الإقرار بصلاحية هذا النموذج إلى ما يمكن أن يدشن مرحلة جديدة لتقليص مساحة الخصومة بين الإسلام والغرب التي اتسعت أو وجدت من يوسعها في السنوات الأخيرة.

[تقرير مسجل]

نبيل الريحاني: أن تأتي الدعوة من الفاتيكان باعتباره دولة ومرجعية روحية يتبعها مئات ملايين المسيحيين في العالم أمر له دلالاته، وأن تتضمن تشجيعا للبنوك الغربية على الاستفادة من القواعد المالية الإسلامية للخروج من الأزمة المالية فذلك ما يمنحها قيمة مضافة تستحق التفكير العميق. في زمن رواج الإسلاموفوبيا التي اختزلت الشريعة الإسلامية عند الشعوب الغربية في أحكام قطع الأيدي والرقاب يفتح موقف الفاتيكان المجال للحديث في أحكام الشريعة كحل وليس بوصفها مشكلة، موقف نقلته صحيفة لو سورفاتوري رومانو الناطقة الرسمية باسم الفاتيكان في عددها الأخير قائلة إن القواعد الإسلامية ستجعل البنوك الغربية أقرب إلى الواقعية في معاملاتها البنكية وطالبت الخبراء الغربيين بإمعان النظر في تجربة البنوك الإسلامية لعل الاقتصاد الدولي المأزوم يستعيد بمثالها عافيته المفقودة. وكان رموز كبار من داخل الفاتيكان قد انتقدوا في تصريحات سابقة ما آلت إليه تجربة السوق الحرة وتطرقوا على صفحات الجريدة نفسها في أعداد سابقة إلى ما قالوا إنه نموذج للنمو المفرط والسيء داعين إلى أن تقوم الأديان السماوية بالحوار فيما بينها والتعاون بحثا عما ينقذ البشرية من شرور الأزمة المالية حتى وإن اقتضى الأمر أن نناقش قيصر في بعض مما لقيصر.

[نهاية التقرير المسجل]

أهمية الدعوة وانعكاساتها على العلاقة بين الثقافات

علي الظفيري: نناقش هذا الموضوع مع ضيوفنا من عمان الدكتور جواد العناني الخبير في الشؤون الاقتصادي، ومن القاهرة الدكتور عبد الحميد الغزالي أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة القاهرة، وأيضا ينضم إلينا عبر الهاتف من بيروت حارث شهاب الأمين العام للجنة الوطنية الإسلامية المسيحية للحوار في لبنان وممثل البطريركية المارونية باللجنة، مرحبا بكم جميعا. ربما أبدأ من القاهرة، دكتور غزالي نتساءل أولا ما هي دلالات مثل هذه الدعوة تحديدا من الفاتيكان والذي يتحدث عن نموذجية في مبادئ الصيرفة والاقتصاد الإسلامي؟

السبب الرئيس للكساد يرجع إلى التمويل عن طريق الاقتراض القصير الأجل، والمخرج من هذا المأزق يتمثل في التمويل الذاتي عن طريق الأرباح غير الموزعة في المشروعات أو عن طريق المشاركة أي الأسهم

عبد الحميد الغزالي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، أما بعد، لا شك أن هذه الدعوة تعد خطوة أساسية في الاتجاه الصحيح لترميم النظام الاقتصادي المالي بصفة خاصة والنظام العالمي على وجه العموم، هذه الدعوة في الواقع يؤيدها الفكر النظري الغربي منذ الكساد العالمي العظيم وحتى الآن وتؤيدها بعض الممارسات في الاقتصاد الغربي بالنسبة للمصرفية الإسلامية، فبالنسبة للجانب النظري نجد ابتداء من كينز في نظريته المشهورة النظرية العامة في التوظف وسعر الفائدة والنقود يؤكد أن سعر الفائدة في الواقع يعد من أسباب التقلبات العنيفة في الاقتصاد الغربي وأن الاقتصاد الغربي يصل إلى عافيته إذا ما كان سعر الفائدة قريبا من الصفر، أما سيمنز وهو الاقتصادي الأميركي المشهور ففي دراسته للكساد العالمي العظيم في أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينات من القرن الماضي يقول إن السبب الرئيس في هذا الكساد يرجع إلى التمويل عن طريق الاقتراض قصير الأجل بفائدة وإن المخرج من هذا المأزق يتمثل في التمويل الذاتي عن طريق الأرباح غير الموزعة في المشروعات أو عن طريق المشاركة
equity participation أي الحصص أو الأسهم، وكأنه يتكلم عن الاقتصاد الإسلامي، كما يقول ميليسكي وهو اقتصادي أميركي أيضا إن التقلبات التي يعاني منها الاقتصاد الأميركي ترجع بالأساس إلى التقلبات في سعر الفائدة وإن المخرج كما أكد سيمنز يعود في أننا يجب أن نأخذ بنظام المشاركة أي equity participation سواء حصص أو أسهم شركات، أيضا يقول فريدمان في وصفه لأزمة الثمانينات في الاقتصاد الأميركي يقول إنني أتساءل ما السبب الذي يؤدي إلى التصرفات والتقلبات العشوائية في الاقتصاد الأميركي في الثمانينات من القرن الماضي؟ ويجيب على هذا التساؤل بالقول إن هذا يرجع إلى التقلبات الطائشة في سعر الفائدة، ويقول تيرفي إن سعر الفائدة يعد معيارا رديئا في تخصيص الموارد ويجب أن يعوض       أو يستبدل بسعر الأصول الرأسمالية أي الربح، أي الربح بدلا من الفائدة. وهذا ما يؤكده الاقتصاد الإسلامي فالاقتصاد الإسلامي يقوم على تحريم الربا {..فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ، وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}[البقرة: 279، 280] أي أننا إذا أردنا..

علي الظفيري (مقاطعا): دكتور شكرا جزيلا يعني أنت أسست لنقاش علمي حقيقي في قضايا تفصيلية اقتصادية وهي أمر مهم..

عبد الحميد الغزالي(مقاطعا): أنا أستعين في دي للجانب التطبيقي..

علي الظفيري (متابعا): سأعود لها دكتور إن سمحت دكتور عبد الحميد ولكن قبل ذلك أريد أن نأخذ الدلالة ربما مع السيد حارث شهاب في بيروت، الدلالة أن تأتي هذه التزكية للنظام المصرفي الإسلامي من الفاتيكان معقل المسيحية في العالم المسيحي، أستاذ حارث في بيروت هل ترى لها دلالة تقاربية ما تساهم ربما في جسر الهوة بين ثقافتين، دينين، حضارتين، أيا كانت التوصيفات؟

حارث شهاب: أولا مساء الخير، ثانيا يعني حابب أبلش من حيث انتهيت أستاذ علي أن معقل المسيحية، ما ننسى نحن أن المسيحية نشأت في منطقتنا العربية وبعدين انتقلت للغرب، ثاني موضوع يعني بدي أقول إن الأديان التوحيدية عموما أتت هي من بين الأمور اللي أتت بها نظرتها إلى الحياة الاجتماعية والاقتصادية، هذه النظرة وهي نابعة من الإيمان بالله الذي منح الإنسان الأرض وخيراتها فتبعا لذلك وبما يختص بالمسيحيين لم تقتصر رسالة الكنيسة عندهم وفي أي زمن من الأزمان على العناية بالقضايا الروحية دون سواها بل جعلت من الإنسان محور اهتمامها في مختلف نواحي حياته أكانت متعلقة بالشأن الخاص أو بالشأن العام فأدخلت تبعا لذلك وفي صلب تعاليمها تشريعات ومبادئ وقواعد أخلاقية لتنظيم هذه الحياة وفقا لإرادة الله. وحسنا فعلت يا أستاذ علي وقت اللي أشرت بالاستهلالية تبع الموضوع أن هذا موضوع مش هلق يعني صدر، في له عدة مواقف سبقته فمثلا بالشق الاقتصادي الكنيسة حرمت بكل صراحة عمليات الربا واستغلال القوي للضعيف وكل أنواع الكسب غير المشروع فأوصت مثلا كذلك من يعملون في الحقول الاقتصادية والمالية أن يلائموا دائما في عملهم بين مصالحهم الخاصة وبين المصلحة العامة مستلهمين بذلك العدالة الاجتماعية فتفسح في المجال لأن توضع كل الخيرات التي خلقها الله لجميع البشر في متناول الجميع بإنصاف ووفق مبادئ العدالة والمحبة، فالفوارق الموجودة بين إنسان وآخر لا يجوز أن تؤدي إلى الإخلال بالمساواة المبدئية التي أرادها الله لكل بني الإنسان.

علي الظفيري: طيب أستاذ حارث إذا سمحت لي فقط نريد أيضا أن نكثف في هذه المسألة، حينما يتحاور شخصان من دينين مختلفين دائما تكون الاختلافات في المنطقة الدينية في أمور العبادات والأمور الروحانية والنظرة ربما للأمور الغيبية لكن حينما يكون الحديث عن الاقتصاد وعن المجتمع ربما تكون مثل هذه القضايا قضايا توافقية ويمكن التأسيس عليها في تقارب حقيقي ويحتفظ أبناء كل دين بخصوصياتهم الدينية ونظراتهم ربما لهذه الأمور بشكل يختلف عن الآخر.

حارث شهاب: من كل بد، أولا إن الحوار اليوم بين معتنقي الديانات وخصوصا الديانات التوحيدية اللي نشأت في منطقتنا العربية، الحوار يهدف.. لم يعد يهدف إلى إقناع أحدنا للآخر لأنه دائما الديانات يعني التوحيدية هي ديانات شمولية يعني لها نظرة للعالم، للعالم بأسره ولذلك كان لا بد للحوار من أن يقارب الموضوع من منظار مختلف، أن يزيد مثلا معرفة أحدنا بالآخر. اليوم نحن كلنا عارفين أن نصف بلدان العالم نصف سكان العالم هم إما مسلمون وإما مسيحيون من هنا نعرف قديه مهمة بالنسبة لمستقبل العالم بالنسبة لمستقبل السلام في العالم بالنسبة لمستقبل الرخاء في العالم قديه مهم أن يكون هناك تناغم بين المسلمين والمسيحيين في أمور..

علي الظفيري (مقاطعا): أستاذ حارث أنا أقدر كثيرا مشاركتك وربما أردنا أن ننطلق فقط من هذه المسألة التقاربية التوافقية، أشكرك جزيلا أستاذ حارث شهاب من اللجنة الوطنية الإسلامية المسيحية للحوار في لبنان، ضيفنا من بيروت. دكتور جواد، في الآونة الأخيرة يعني وطبعا بعد هذه المظاهر الكارثية للنظام الرأسمالي الغربي بدأ الحديث بشكل حقيقي عن نظام الصيرفة أو النظام المالي أو الاقتصادي الإسلامي، هذا الحديث من الفاتيكان الآن يعزز ربما أصحاب هذا التوجه وأن نظام الاقتصاد الإسلامي نظام الصيرفة الإسلامية قد يكون نموذجا ربما إنقاذيا لما يعانيه العالم اليوم.

الأديان السماوية الثلاثة حرمت الربا لكن الديانة الوحيدة التي وضعت هذا الأمر موضع التطبيق الفعلي هو النظام الإسلامي في البنوك الإسلامية غير الربوية

جواد العناني:
شكرا أخي علي. أعتقد بأن الدعوة من قبل قداسة البابا إلى هذا الموضوع تنطلق من القاعدة بأنه صحيح بأن الأديان السماوية الثلاث قد حرمت الربا ولكن الديانة الوحيدة التي وضعت هذا الأمر موضع التطبيق الفعلي هي النظام الإسلامي في البنوك الإسلامية غير الربوية، ومن هنا حصلت لدينا تجربة. العالم الآن بعد هذه الأزمة الكارثية أمام معضلة فكرية كبيرة جدا في علم الاقتصاد، هذه المعضلة تقول بأنه جربنا الجانب الذي يقول بأن الحكومات يجب أن يكون لها سيطرة بدلا من السوق وجربنا التجربة الأخرى التي تقول بأن آلية السوق هي وحدها التي يجب أن تتحكم في الاقتصاد، كلتا النظريتين طبقتا أكثر من مرة وفي كلتي المرتين انتهى بنتائج كارثية في عام 1929 من القرن الماضي وفي الأيام الأخيرة التي شهدناها وكذلك هنالك دورات اقتصادية كبيرة. لكن النظام الذي لم يجرب فعلا هو النظام الإسلامي، والحقيقة أن المشكلة تكمن في أنك عن طريق سعر الفائدة تجعل.. توريق النقود يجعلها سلعة أي بدلا من أن تكون واسطة تبادل بين الناس ومسهلة للعمليات الاقتصادية تحولت النقود إلى سلعة بحد ذاتها يتم الاستثمار فيها بأشكال كثيرة فصار ما يسمى بتسنيد الأوراق النقدية وخرجنا بما يسمى بالمشتقات المالية وكثير من هذه الأمور التي لو لم يكن هنالك سعر فائدة لما حصلت كل هذه الأمور لأنها في الواقع تعطينا فكرة عن إمكانية خلق قيمة لا وجود لها بين الناس، ولذلك فأنا أرى بأن القضية الدينية تمس هذا الأمر ولا بد للعالم أن يبحث عن نظام جديد غير الذي طبق في السابق ويجري الآن إعادة إحيائه حتى في إدارة الرئيس أوباما وفي أوروبا يعني نحن نعود لإحياء الاقتصاد العالمي بنفس الطرق التي كنا نشكو منها وأدت إلى هذه الأزمة.

صناعة التمويل الإسلامية وآفاقها المستقبلية

علي الظفيري: سنفصل في هذه المسألة بشكل كبير لكن قبل أن نستكمل النقاش نتوقف مع هذا التقرير الذي يلقي مزيدا من الضوء على صناعة التمويل الإسلامية، حجمها، آفاقها المستقبلية وكذلك خارطة توزيعها الجغرافي في العالم.

[تقرير مسجل]

نبيل الريحاني: يجد أنصار البنوك الإسلامية في الأزمة المالية الحالية فرصة للحديث مجددا في نجاح هذه التجربة اليافعة فترى الكثيرين منهم يستندون إلى مؤشرات من قبيل تلك النسب والأرقام التي ظهرت في دراسة أعدتها شركة أدفنتج الكويتية للاستشارات المالية، تؤكد هذه الدراسة الحديثة أن رقعة التمويل الإسلامي العالمي وصلت إلى ثلاثة ونصف ترليون دولار خلال السنوات الخمس الأخيرة وأن حجم التمويل الإسلامي ارتفع من 729 مليار دولار في 2007 إلى 840 مليار دولار نهاية 2008، وأشارت في نفس السياق إلى أن بعض المؤسسات الإسلامية بلغ نمو معاملاتها المالية ما بين 25% و40%. أشارت الدراسة أيضا إلى دول الخليج العربي وماليزيا باعتبارها أكبر مركزين للمؤسسات المالية العالمية وجاء فيها أن البنوك الإسلامية في الخليج حققت نموا تراوح بين 20% و 40% في السنوات الأخيرة، وتوقعت لأغلب المؤسسات المالية الربوية فيها أن تتحول إلى نظام الصيرفة الإسلامية بحلول سنة 2015، تنافسها في ذلك منطقة آسيا والمحيط الهادئ التي تبلغ قيمة الأصول المصرفية الإسلامية فيها 450 مليار دولار ما يمثل 60% من سوق المصارف الإسلامية العالمي محققة نموا في السنوات الـ 15 الأخيرة قدر بـ 28%، تربعت ماليزيا على مراتبه الأولى بنسبة نمو بلغت نهاية عام 2008، 18,7%. تذهب بنا الدراسة إلى معاقل المنظومة الرأسمالية في أوروبا، بالتحديد إلى المملكة المتحدة لتقول لنا إن لندن أضحت تحتضن خمسة بنوك محلية تعتمد الشريعة الإسلامية في خدماتها المالية وإن أصولها المالية الإسلامية بلغت 18 مليار دولار، تجربة واعدة شجعت بحسب الدراسة خمسين كلية ومدرسة مهنية على وضع التمويل الإسلامي في مقرراتها الدراسية.

[نهاية التقرير المسجل]

علي الظفيري: وقفة قصيرة -نتمنى أن تكون قصيرة- بعدها نتابع ونستأنف النقاش.

[فاصل إعلاني]

علي الظفيري: أهلا بكم من جديد. استنزفت الأزمة الاقتصادية العالمية ترليونات الدولارات وجربت لحلها أفكار ومقترحات كثيرة، التقرير التالي يبرز الإجراءات التي اتخذت لعلاجها وبعض قواعد التمويل الإسلامي التي يمكن أن تكون علاجا لهذه الأزمة.

[تقرير مسجل]

نبيل الريحاني: في محاولة لإنقاذ نفسها من تداعيات الأزمة المالية الخطيرة سارعت البنوك الربوية إلى عدد من الإجراءات المصرفية من أهمها خفض أسعار الفائدة وتأميم بعض المؤسسات، وضع أكثر المؤسسات المالية أهمية تحت وصاية المصارف المركزية، ضمان الودائع والقروض الجارية بين المؤسسات المالية، ضخ السيولة لاستعادة الثقة والمحافظة على الدورة الاقتصادية. معالجة اعتبرها المدافعون عن البديل الاقتصادي الإسلامي غير ناجعة ويقترحون في المقابل حلولا أهمها إلغاء الفائدة في المعاملات المالية، عدم توليد النقد من النقد، تحريم بيع الديون والاستناد إلى أصول عينية، اجتناب المعاملات الوهمية مثل بيع ما لم يملك وضمان ما لم يربح. كل ذلك في سياق أطروحة متعددة الجوانب تبتعد عن تقديس الربح وعن السعي وراء تحقيقه مهما كان الثمن.

[نهاية التقرير المسجل]

علي الظفيري: أهلا بكم من جديد. إلى القاهرة، دكتور عبد الحميد الغزالي، يعني الموضوع مغري للنقاش وفيه تفاصيل كثيرة لكن عندنا أزمة وقت فيعني باختصار دكتور، الآن ما هي المزايا التي تمنح النظام المصرفي المالي قدرة على أن يكون بديلا ربما أو على الأقل مساعدا كبيرا في علاج هذه الأزمة؟

عبد الحميد الغزالي: هو باختصار شديد في الواقع يعني كما قال تقريرك فعلا إن الأزمة المالية العالمية التي تحولت إلى أزمة اقتصادية طاحنة تصغر أمامها مشكلة الكساد العالمي العظيم في العشرينات وأوائل الثلاثينات من القرن الماضي ترجع بالأساس إلى استثمار مالي ورقي رمزي، بيع الديون بالديون، بيع ما لا يملك الإنسان، اعتبار النقود فعلا سلعة وأن النقود تلد في حد ذاتها نقودا. كل ذلك مرفوض إسلاميا، التمويل الإسلامي على عكس ذلك يرتبط بالاقتصاد الحقيقي مباشرة وبالتالي يرفض بيع الدين بالدين يرفض اعتبار النقود سلعة يرفض بيع ما لا يملك الإنسان وبالتالي له ضوابط فعلا تحيط بالاستثمار الحقيقي، فالتمويل الإسلامي استثمار حقيقي فعلا بينما..

علي الظفيري (مقاطعا): دكتور عبد الحميد، هناك انتقادان من خبيرة اقتصادية في الأمم المتحدة، الأول تقول إن الأزمة التي تعرضت لها البنوك الغربية الآن أو الربوية أو البنوك العادية التجارية يمكن أن تتعرض لها بنوك إسلامية، الأمر الثاني تقول إن هناك محدودية في الأدوات لدى البنوك الإسلامية فبالتالي تحجم من عملية الاستثمار أو استغلال ربما أموال كبيرة جدا.

عبد الحميد الغزالي: هو الرد على ذلك ببساطة شديدة أنه في خلال هذه الأزمة كان هناك أربعون مؤسسة نقدية إسلامية بنك وشركة تأمين في الولايات المتحدة الأميركية لم يصبها ما أصاب المؤسسات النقدية التقليدية، هذه واحدة. أما بالنسبة للمنتجات المصرفية فالعمل المصرفي التقليدي ليس لديه إلا منتج واحد وهو المداينة بفائدة بينما العمل المصرفي الإسلامي لديه عدد كبير من المنتجات المصرفية التي تقوم على العقود الشرعية، عندنا عقود الشركة، المضاربات والمزارعات والمساقات عندنا عقود البيوع السلم والمرابحة والاصطصناع والبيع الآجل، عندنا عقود الإجارة، الإجارة التشغيلية والإجارة التمليكية، بل قال فقهاؤنا بما يسمى بالعقود غير المسماة بمعنى أنه إذا اتفق طرفان على عقد لم يقل به الفقهاء مسبقا ولا يصطدم بنص صريح إسلامي أو موقف إسلامي واضح فهو صحيح على أساس أن الأصل في الأشياء الإباحة أو الحل ولذلك لا بد أن نعمل أذهاننا لكي نستجيب مع المستجدات بتكوين وتشكيل عقود لا تصطدم بثوابت الشريعة الإسلامية..

علي الظفيري (مقاطعا): اسمح لي دكتور، دكتور جواد وكأننا نقول للعالم إنه لدينا نظام مصرفي يحل كل مشاكلكم وهو ناضج بدرجة كافية يمكن أن يطبق الآن، هل هذا دقيق؟ أليس في ذلك مبالغة أو نوع من التفاؤل؟

جواد العناني: أعتقد بأن حجم الأرصدة المتاحة في العالم وحجم الطلب على الاستثمار لا تتوفر لديه في النظام الإسلامي المطبق حاليا والذي نعرفه من الأدوات ما يكفي لاستيعاب كل هذا المال لو قرر العالم غدا أن يتحول من النظام الاقتصادي والمصرفي الحالي إلى نظام مصرفي إسلامي، يعني فلنتواضع قليلا في هذا الموضع. ثانيا أنا أعتقد بأن بعض الأدوات، صحيح أن كثيرا من وسائل الاستثمار التي أشار إليها الأستاذ الغزالي صحيحة ومطبقة 100% ولكنها هي كلها هي من نفس الفصيلة بمعنى أننا نحن نحض على أخذ المخاطرة بين صاحب المال وبين الذي يريد أن يستثمر وهذه في هذه الحالة يكون المصرف الإسلامي هو ممثل صاحب المال في عملية تصريف الأموال وتوزيعها..

علي الظفيري (مقاطعا): لكن دكتور، لندن اليوم، لندن مثلا تمثل مركز التمويل الإسلامي في الغرب، باريس فرنسا تقول إن لديها خطة لجعل باريس مركزا أيضا مهما ومركزا كبيرا للتمويل، هل هي مسألة شفط هذه الفوائض المالية لدول الخليج الإسلامية مثلا أو دول إسلامية نفطية أخرى ولا اقتناعا منها بنظام مصرفي حقيقي ومتين؟

جواد العناني: من المبكر أخي علي أن نحكم على نواياهم لكنهم يعلمون بأن هنالك فوائض مالية كبيرة موجودة في الدول العربية وأنهم ربما يبحثون الآن عن وسائل وطرق لاجتذابها، يجب أن نكون نحن لدينا القدرة على تبني نظام متكامل نتصوره ونكون نحن أيضا موجودون فيه. السؤال الذي يجب أن يطرح على هذه الدول، هل في أنظمة مصارفها المركزية وفي قوانينها ما يسمح بحماية الأصول والاستثمارات المالية الإسلامية لو حصل لها أي مكروه مثلا في هذه الدول؟ وما هي وسائل الرقابة التي يجب أن تمارس على المصارف التي تتعامل بالنظام الإسلامي؟ في حالة غياب هذه المكونات كلها فأعتقد أننا يجب أن نقارب هذا الموضوع بحذر شديد رغم أننا يجب ألا نوقفه بل يجب أن نجربه ولكن بتدرج.

علي الظفيري: دكتور غزالي، بنصف دقيقة إن سمحت لي، السعودية اليوم كبلد يعني يعتمد المصرفية الإسلامية مدعوة لقمة العشرين، العالم عنده مشاكل حقيقية، هل هذه فرصة لبصمة إسلامية في الاقتصاد العالمي؟ باختصار شديد إن سمحت.

عبد الحميد الغزالي: هذه فرصة لتقديم البديل الإسلامي، الاقتصاد الإسلامي ككل والتمويل الإسلامي على وجه الخصوص لكي فعلا نساهم مساهمة إيجابية في إنقاذ العالم من الركود الحاد الذي يعاني منه الآن لأن النظام الإسلامي يقوم كما قال زميلنا على نظام المشاركة في الربح والخسارة وليس على نظام المداينة بالفائدة.

علي الظفيري: أشكرك دكتور عبد الحميد الغزالي أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة القاهرة، دكتور جواد العناني الخبير في الشؤون الاقتصادية من عمان، أشكركما وأعتذر منكما أيضا على ضيق الوقت وربما السرعة في قضية الأسئلة والأجابة، يحكمنا الوقت. انتهت الحلقة بإشراف نزار ضو النعيم، شكرا لكم وإلى اللقاء.