- إقرار الرئيس الفرنسي وأثره على العلاقة بين البلدين
- أثر العلاقات الاقتصادية على العلاقات السياسية

علي الظفيري: أهلاً بكم، نتوقف في حلقة اليوم عند مستقبل العلاقات الفرنسية الجزائرية على ضوء الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى الجزائر، واعترف خلالها بقسوة وظلم النظام الاستعماري. نطرح في الحلقة تساؤلين، هل يمهد اعتراف ساركوزي، بظلم الحقبة الاستعمارية الفرنسية، الطريق لفتح صفحة جديدة في العلاقات مع الجزائر؟ وإلى أي حد يمكن أن تسهم الشراكة الاقتصادية بين البلدين في تعزيز العلاقات السياسية بينهما؟. أعطت زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى الجزائر دفعة جديدة للعلاقات بين بلدين طالما عكّرت الحقبة الاستعمارية صفوها، وجاء اعتراف ساركوزي بقسوة الماضي الاستعماري وظلمه وإدانته له ليرفع حرارة علاقات اتّسمت بالفتور، لكن الرجل لم يصل إلى درجة الاعتذار الكامل، بل دعا إلى التطلع نحو المستقبل.

إقرار الرئيس الفرنسي وأثره على العلاقة بين البلدين

[تقرير مسجل]

نبيل الريحاني: خطوة جيدة ولكنها غير كافية. هكذا قيّمت الجزائر تصريحات الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أثناء زيارته الأخيرة للبلاد، التي يربطها بباريس تاريخ استعماري مثير للجدل. لم يصطحب سيد الإليزيه،مع وزرائه الثمانية، مؤرخين، غير أنه دعا لإعادة كتابة التاريخ على نحو يدفع قدماً قطار العلاقات بين البلدين. تحدث ساركوزي عن الظلم الذي خلّفه الاستعمار الفرنسي في الجزائر، معترفاً بتناقضه الجوهري مع شعارات الجمهورية الفرنسية، بيد أنه لم يقدّم اعتذاراً صريحاً، طالما طالب به الجزائريون كمقدمة ضرورية لشراكة استراتيجية مستديمة بين الطرفين. يثور غضب الجزائريين بين الحين والآخر، ليس فقط على خلفية ما يرونه تلكؤاً فرنسياً في الاعتراف ما يصفونه بالصفحات السوداء في ماضيها الاستعماري، وإنما كذلك لبعض المبادرات التي صارت في الاتجاه المعاكس لرغبتهم. فزمن الرئيس السابق جاك شيراك، وبعيد عرض فرنسا على الجزائر معاهدة صداقة تمهد لحلٍ ما للمشكلة التاريخية، صوّت البرلمان الفرنسي، وبإجماع شبه كليٍّ، على قانون للمناهج التعليمية يتضمن تمجيداً للماضي الاستعماري الفرنسي في عموم شمال أفريقيا. وجّه المشروع ضربة قاسية للتقارب الفرنسي الجزائري لتشهد العلاقات مراحل من الفتور والتوتر، لم تحُل، مع ذلك، دون تواصل التعاون الاقتصادي الذي أملته المصالح المشتركة. رحل شيراك وجاء ساركوزي متأبطاً مشروع الاتحاد المتوسطي، الذي يقترح على دول الضفتين، اتحاداً يسرّع وتيرة التنمية بينها، غير أن الأطروحة الفرنسية الجديدة جابهت، ومنذ إطلاقها مصاعب، بعضها صنعته الذاكرة الاستعمارية التي تسيطر على صُنّاع الرأي والقرار هنا وهناك. ولّى الجزائريون وجوههم شطر الولايات المتحدة وروسيا في صفقات من الوزن الثقيل، قيل أن بعضها أثار حفيظة الفرنسيين وشجّع رئيسهم إلى اختيار كلمات هي أقرب إلى الاعتذار الضمني الذي يراعي مشاعر الجزائريين ويغازل مشاريعهم.

[نهاية التقرير المسجل]

علي الظفيري: ومعي للنقاش في هذه الحلقة، من الجزائر العاصمة رئيس تحرير النسخة الالكترونية لصحيفة الوطن فيصل مطّاوي، ومن باريس الباحثة في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية مورسا فينون، وهنا في استديو الجزيرة في الدوحة المحامي الجزائري سعد جبار، مرحباً بكم جميعاً. أبدأ معك سيد فيصل من الجزائر، هل فعلاً هذا الإقرار هو خطوة في الطريق الصحيح؟ هل تنظرون لهذا الأمر بهذه الطريقة في الجزائر؟

فيصل مطاوي: لكن هي خطوة صغيرة جداً، لأن نيكولا ساركوزي، صرح اليوم مساءاً، قال، إن الاستعمار كان غير عادل. واليوم في قسطنطينة كأنه يصوّب ويقول، الاستعمار كان غير عادل بطبعه. وهو عندما يتحدث عن الاستعمار، يتحدث عن الاستعمار عموماً يعني ليس الاستعمار الفرنسي بالضبط. إضافة إلى ذلك نيكولا ساركوزي رجل اليمين، يقول أن.. يسوي بين الضحايا فيقول ضحايا من الضفتين، فكأن الجزائر والضحية في صف واحد، وكأن المستَعْمَر هو نفسه المستَعْمِر، وبالتالي لا أعتقد أن نيكولا ساركوزي تغيّر كثيراً، ربما هناك تغير طفيف وطفيف جداً.

علي الظفيري: سيدة مورسا فينون في باريس، برأيك هل قدم ساركوزي جديداً في هذا الإقرار، خاصة وأنه أشار للاستعمار بشكل عام، وأشار إلى الضحايا من الطرفين حتى؟

مورسا فينون: أنا في الحقيقة لست متأكدة أن نيكولا ساركوزي قد حقق أي تقدُّم، أي تطوّر في موقفه، ذلك أننا ازاء علاقات جديدة متجددة، وهذه العلاقات الجديدة بالتأكيد، ستنظر للتاريخ بشكل مختلف. هذا ليس سهل لأن في الطرفين لم يحصل هناك عمل جرى أو دراسة جرت لهذه الفترة التاريخية، وأن الاستعمار وهذا جزء من التاريخ الذي لم يصفّى لحد الآن، إذاّ لا يمكن أن.. تخفيف العلاقات، ولكن لا ينبغي أن نتوقع أن رئيس دولة حالياً،ً في هذه الحالة نيكولا ساركوزي، يمكن أن يتحدث بشكل مختلف عن الحقبة الاستعمارية. يجب أن نفهم كيف جرى انتخابه، وما هي الأفكار التي يحملها، وأنه جزء من جيل جديد يفهم العلاقات مع هذا البلد، ويفهم العلاقات مع هذا البلد بطريقة مختلفة عن الآخرين.

علي الظفيري: أستاذ سعد جبار هنا في الاستوديو، برأيك يعني قد لا تكون هذه الخطوة أو هذا الإقرار كاملاً أو يعبر عن مايريده الجزائريون، ولكنها خطوة في الطريق الصحيح.

"
ليس من مصلحة الجزائر أن تعادي أحداً إلى الأبد حيث يوجد الملايين من الجزائريين يعيشون في فرنسا، ومصالح بالبلايين بين البلدين
"
            سعد جبار

سعد جبار: نحن دخلنا هنا في حلقة نقاش بيزنطي. السؤال الحقيقي هو، هل هناك نيّة ورغبة وإرادة جادة من الطرفين للمصالحة؟ ماذا تعني المصالحة؟ المصالحة هي الاعتراف، ليس بالأخطاء فقط، الاستعمار لا يحتاج لساركوزي لأن يعرّفه. الاستعمار اتفق المؤرخون والسياسيون على أنه مرحلة مقيتة، مرحلة استعباد - حتى جنوب أفريقيا البيض الذين كانوا لا يتصوّرون في يوم من الأيام أن السود سيحكمون، تخلّوا عن هذه الفكرة - إذاً نحن لا نحتاج إلى التعريف العاطفي للاستعمار. الآن هل أن الطرف الفرنسي، هل أن الطرف الجزائري، وأتحدث عن السلطات، هما مستعدان لطيّ صفحة الماضي، والاعتراف، من طرف فرنسا أولاً، أنها فعلاً عاثت فساداً 130 سنة، لا نتحدث عن مليون ونصف صار خلال سبع سنوات، لم تتعرض دولة عربية ما تعرضت إليه الجزائر، ولكن في نفس الوقت نحن تعوّدنا على وجبة كل مرة، أصبح هناك طرف جزائري، تظل الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية كل مرة توظّف هذه القضية، إذاً يبدوا أن من الملائمة السياسية أن كل مرة نتغذى على وجبة الاستعمار الفرنسي. لا ننسى كذلك أن المجتمع أو النظام الذي لا يتصالح مع شعبه، لا يمكن أن يطالب بجدية مصالحة الآخر معك والاعتراف بأخطاء وقعت في خلال العشر السنوات الأخيرة ما وقع، والجزائر إلى حد الآن لا زالت مشاكلها قائمة، وبالتالي فإننا لم نصل مرحلة بعد ليكون هناك نظام جدي في الجزائر، يطالب بشكل منطقي ويحدد المطالب، مثل لمّا حددت ليبيا منذ سنوات، الآن، يجب أن نتحدث ونطوي هذه الصفحة لصالح الشعبين، نحن ليس من مصلحة الجزائر أن تعادي أحداً إلى الأبد، في حين لديك الملايين من الجزائريين يعيشون في فرنسا، لديك مصالح بالبلايين بين البلدين، الواقع الجغرافي يفرض علينا أن يكون هناك زواج كاثوليكي وإن كان الانفصال تم، وعليه فنحن يجب أن ننتقل إلى مرحلة التكامل والتعايش بين الشعوب، ولا يجب أن نعيش فقط على توظيف الماضي المقيت وخاصة الجانب السلبي منه، وهذا ما يحدث مع الأسف الشديد الآن من قِبل الطرفين.

علي الظفيري: جميل. سيد فيصل في الجزائر، هل هذا وصف دقيق أن النظام، السلطات الجزائرية هي التي عاجزة عن فرض اعتذار حقيقي من قبل فرنسا؟

فيصل مطاوي: نعم، يمكن قول ذلك، فتلاحظ أنه عندما نطق ساركوزي بقضية الاستعمار والنظام العادل، لم نر إلاّ مسؤول واحد، وهو وزير الداخلية السيد يزيد زرغوني، يتحدث عن هذه الخطوة أنها غير كافية وأنه يجب أن يذهب اكثر. حتى أن برنار كوشنير وزير الخارجية الفرنسي، وهو من اليسار، يعني قال لوكالة رويترز في الجزائر ذاتها، نعتذر لمن وعن ماذا. هذه التصريحات لم تصبح تنديد، ولم نر أي مسؤول جزائري، بدايةً برئيس الجمهورية يكرر مطلب الاعتذار، فكأن هذا المطلب يوضع فيما بعد أو يستعمل فيما بعد. وزير المجاهدين السيد محمد شريف عباس، الذي أثار ضجّة إعلامية كبيرة منذ أيام عندما تحدث عن اللوبي اليهودي الذي أوصلَ نيكولا ساركوزي إلى السلطة، يعني أبعِد من الاستقبال الرسمي لساركوزي في الجزائر ولم نره أبداً وكأنه همِّش، ونفس التهميش مسّ كذلك وزير رئيس الحكومة السيد عبد العزيز بلخادم الأمين العام لجبهة التحرير، الذي تحدث كثيراً كذلك عن قضية الاعتذار. فكأن هناك نوع من الحشمة من قبل السلطات الجزائرية، ويبقى أن ساركوزي أتى إلى الجزائر لإبرام صفقات، وقد استطاع ونجح في ذلك.

علي الظفيري: سيدة مورسا فينون، هل الظرف السياسي الفرنسي؟ هل شخصية ساركوزي، الآن بهذا الشكل، قادرة على حسم وطَي هذه المسألة مع الجزائر تحديداً؟

"
طرفا البحر المتوسط يجب أن يعيشا حياة طبيعية وعلاقات طبيعية، وبالتالي فإن هذه الصفحة من التاريخ ينبغي أن ندرسها ولكن من وجهة نظر تاريخية
"
       مورسا فينون

مورسا فينون:
نعم، أعتقد ينبغي وبشكل كامل، ليس نسيان هذه الصفحة من التاريخ، بل كما قلت معالجتها بطريقة مختلفة. فاليوم ما ينبغي أن يُثار مرة بعد أخرى، ليس السياسة حول تقديم أعتذار أم لا، بل ينبغي للمؤرخين أن يقوموا بعمل للذاكرة حول هذه الفترة، وأنا أتفق مع ما قاله زميلكم في الاستوديو سيد سعد جبار، الذي قال بأنه ينبغي علينا أن نتوجّه إلى تطبيع العلاقات، وأن المهم أنه لا ينبغي وضع الشروط على هذه العلاقات، لأننا في طرفي البحر المتوسط علينا أن نعيش حياة طبيعية وعلاقات طبيعية. وبالتالي فإن هذه الصفحة من التاريخ ينبغي أن ندرسها ولكن من ناحية وجهة نظر تاريخية، ولكن ليس بشكل متكرر ومنتظم من وجهة نظر سياسية، وذلك للتأثير على العلاقات الاقتصادية والسياسية بين البلدين.

علي الظفيري: سيد سعد، أيضاً ينظر البعض لهذا الإقرار من ساركوزي أنه جاء لحاجة ومصالح اقتصادية ما وليس لرغبة حقيقية، السبب الآخر أن هناك تنافس محموم من قبل القوى الكبرى، الولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي وكأنه قدم هذه الشيء البسيط جداً وهو الإقرار بسوء الاستعمار، حتى ربما يمرر هذه المصالح الاقتصادية أو يعزِّزها بشكل أكبر؟

سعد جبار: المشكلة أن المؤسسة الفرنسية، وأقصد الحكومات الفرنسية المتتالية غير مختلفة من حيث الجوهر، لا زالت تعيش عجرفة الفكر الاستعماري، لا زالت، مثلاً الجزائر، علاقات الجزائر، تُدار من قِبل وزارة الداخلية وليس من قبل الخارجية والمفكريين الفرنسيين المستنيرين إلى آخره. نحن إذاً لا نتصور هذا الرجل ساركوزي الذي يتحدث وكان يريد أن يرافقه أنريكو ماسياس، مغني، عائلته ذبحت كل من كان يُشتبه فيهم أنهم مع جبهة التحرير الوطني. كل مرة يقومون بشكل استفزازي، يقيمون التناصيب والتماثيل لم هم كانوا أعداء شعبهم، فبالتالي هؤلاء لا ننتظر منهم، إلى حين، أن يكونوا جديين، لأنهم يوظفون، هذا اليمين دائماً يوظف هذا الأمر، في حين أن نفس النظام الفرنسي اعترف أن هناك مذابح للأرمن في تركيا، اعترف أن العبيد جريمة كبرى في أفريقيا..

علي الظفيري: ومجّد الاستعمار عبر قانون في البرلمان.

سعد جبار (متابعاً): لكن، هذا هو، هذا ما نسميه السكيزلوفينيا السياسية الفرنسية، ويقابلها نفس الشيء بالنسبة للنظام الجزائري، النظام الجزائري لم يتصالح مع شعبه، إذاً فكيف يمكن لهذا أن تكون له مصداقية؟ أن يطلب المصالحة من قبل.. بل يوظّف كلمة المصالحة، واللعب على عواطف الجزائريين، لأن أكبر ذخيرة عند الجزائريين هي ذاكرته التاريخية، ما حدث له. ولم تقم حكومات الاستقلال الجزائرية بتوظيف ذلك التعاضد والتضامن، من أجل بناء الجزائر لتثبت لفرنسا أننا تستطيع العيش نداً لند، عن طريق الازدهار الاقتصادي، التماسك الاجتماعي، وهذا ما لم يحدث في الجزائر، مع الأسف، إلى حد الآن.

علي الظفيري: هذا سيد سعد يقودنا للحوار في المحور الثاني والموضوع عن العلاقات الاقتصادية ومدى مساهمتها في جَسر الهوة السياسية بين البلدين، وقفة قصيرة نتابع بعدها النقاش في هذه المسألة، فتفضلوا بالبقاء معنا.



[فاصل إعلاني]

أثر العلاقات الاقتصادية على العلاقات السياسية

علي الظفيري: أهلاً بكم من جديد، اتفاقيات عدة وقّعت بين فرنسا والجزائر، قد تكون المدخل من أجل إرساء علاقات سياسية أفضل، بين فرنسا ومستعمراتها السابقة، ومحاولةٌ للتخلص من رواسب الاستعمار.

[تقرير مسجل]

ميا بيضون: البعض يراها نوعاً جديداً من الاستعمار، والبعض الآخر يعتبرها شراكةَ مصالح مع فرنسا. إلاّ أن هذه العلاقات الاقتصادية الجديدة محل جدلٍ واسعٍ بين الجزائريين أنفسهم، ففي حين يرى فيها المناهضون لسياسة فرنسا، بأنها ترتكز على بيع المنتجات الفرنسية في الأسواق الجزائرية دون الاستثمار بمشاريع كبرى فيها، يرى فيها البعض الآخر تطابقاً في المصالح بين الدولتين. ومهما تكن طريقة النظر إلى المسألة فيبدو أن الفرنسيين اختاروا الاقتصاد سبيلاً لإعادة قولبة العلاقات السياسية مع الجزائر. وجاء كلام الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لتأكيد ذلك، فهو القائل، "السياسة ليست عدوة الاقتصاد، وأنا من أنصار اقتصاد السوق والمنافسة والعولمة والحرية. لم أنتَخب كي لا أدافع عن مصالح فرنسا، احترم مصالح الآخرين، ولكني هنا للدفاع عن مصالح فرنسا" ولم يتأخر ساركوزي عن تنفيذ كلامه، فقد أبرمت فرنسا والجزائر عقد شراكةٍ، يضم التعاون في المجال النووي، وبروتوكولٍ لتوسيع العقود الغازية على المدى الطويل، إضافة إلى إقامة مجمّع للبتروكيماويات، وتوقيع اتفاقٍ بإقامة محطة كهرباء، وآخر حول صيانة مترو العاصمة الجزائر. أما اتفاق عقد الشراكة الفرنسية الجزائرية الثاني، فينصّ على التعاون في كل المجالات لمدة عشر سنوات. وكان الرئيس الفرنسي أكّد أن زيارته إلى الجزائر ستشهد توقيع اتفاقياتٍ بقيمة خمسة مليارات يورو. إلاّ أن النظرة إلى الحقبة الاستعمارية لا تزال تشكل عقبةً لدى البعض، الذي يعيد المشكلات الاقتصادية التي تعاني منها دول إفريقيا إلى تركة الاستعمار، ولم يساعد قانون الهجرة الفرنسي الجديد في محو النظرة السلبية إلى فرنسا، سيّما وأنه يطالب بترحيل المهاجرين غير الشرعيين إلى دولهم الأصيلة.

[نهاية التقرير المسجل]

علي الظفيري: إذاً أهلاً بكم من جديد، وإلى الجزائر العاصمة، فيصل مطاوي من هناك، كيف يدور هذا الجدل حول هذه المسألة؟ هل يمكن أن يمثّل الاقتصاد، بالنسبة للجزائريين، مدخلاً جيداً لتجاوز وتلافي تلك المشاكل السياسية بين البلدين؟

فيصل مطاوي: زيارة نيكولا ساركوزي يعني للجزائر أتت لإبرام صفقات، فهو الرجل قبل أيام فقط صرّح للتلفزيون الفرنسي، أنه ذاهب إلى الجزائر ليأتي بصفقات، مثلما ذهب إلى الصين وحصل على حوالي عشرين مليار يورو، خمس إلى ستة ملايين يورو في الجزائر. فكأن العقود التي أبرِمت، كأنها عقود سياسية. بحيث أن، مثلاً، شركة ألف توم، التي كانت على وشك الإفلاس منذ سنتين، أنقذتها الجزائر، بحيث هذه الشركة تحصلت على مشاريع تراموي في وهران وقسطنطينة...

علي الظفيري(مقاطعاً): أستاذ فيصل إذا سمحت لي، بالنسبة للجزائريين يعني السؤالي دقيق، هل يقبلون بهذا الأمر؟ هل ينظرون بشيء من الإيجابية، أن يتم التركيز على الاقتصاد وعلى المصالح الاقتصادية المشتركة، وتناسي، ربما، هذه الجوانب السياسية المثيرة للخلافات؟

فيصل مطاوي: هو نعم، يمكن قول هذا، لكن يبقى أن الجزائر هي سوق كبير، وهناك كذلك مصالح أخرى لدول أخرى يهمها أن تأتي إلى الجزائر. ولكن يبقى أن هناك شيء من المقايضة، فمثلاً بالأمس سمعنا رئيس الحكومة، بلخادم، يتحدث على عودة ثالثة لرئيس الجمهورية، فلماذا التحدث على عودة ثالثة لرئيس الجمهورية، رغم أن الدستور الجزائري يمنع ذلك أثناء زيارة ساركوزي، فكأن هناك أخذ وعطاء في القضية. وبالتالي هناك تساؤلات كثيرة تُثار، مثلاً، على العقد الطويل المدى الذي أبرم مع غاز دو فرانس، بحيث أن الجزائر تزود بالغاز المسيل فرنسا لحد 2019، وهي الدولة الوحيدة التي تحصل على هذا العقد. إضافة إلى عقد التعاون النووي كذلك، بحيث أن التعاون النووي، فرنسا تبرم العقد بعد أن أبرمت الجزائر عقد في جوان الماضي، وفرنسا لم تستشر حتى أوروبا، لأن الدول الأوروبية مطالبة بأن تستشير الاتحاد الأوروبي في التعاون..

علي الظفيري(مقاطعاً): طيب، أستاذ فيصل إذا سمحت لي، أستاذ سعد، هل فعلاً هذه العقود المشتركة، هذه المصالح الاقتصادية المشتركة وتعزيزها ودفعها للأمام، يمثل مدخلاً جيداً لتعزيز العلاقة بين البلدين وتجاوز الخلافات السياسية؟

سعد جبار: تبقى علاقة بينية بين الرسميين ولا علاقة لشعبنا في هذا، لأنه لا يرى في الميدان التحسن المطلوب في مجال التزود بالماء، في مجال التزود بالمزايا الأخرى الأساسية للمجتمع، وعليه فهي قضية تلفزيون، قضية مناسبة، تصوّر الجميع أو صوِّر الجميع والكاميرات، وعندما ينطفيء الضوء تنطفيء الرغبة التي نراها..

علي الظفيري(مقاطعاً): من بحاجة للآخر بشكل أكبر أو أكثر اقتصادياً؟

سعد جبار: من الضروري، هنالك.. اقتصادياً كأي دولة، نحن وفرنسا هنالك تبادل وهناك ضرورة للتعامل مع بعضنا البعض، على المستوى الشعبي، على المستوى الرسمي، على كافة المستويات، لكن إلى حد الآن لم نوظّف العوامل المشتركة القائمة بيننا لصالح الشعبين، بقيت لعبة سياسية فوقية، فرنسا ساركوزي يتكلم عن نظام السوق بينما هو يتدخل للحصول على السوق، هذا تناقض. وبعدين العالم الانغلوساكسوني، إلى حد الآن فإن فرنسا تتخبط، حتى هي داخلياً لديها مشاكل العقلية المركزية، مركزية الدولة تعاني منها وتريد أن تطبقها في نظام السوق، وإن لم تنجح لحد الساعة، ونحن نشاهد ما يحدث وما حدث في فرنسا مؤخراً من إضرابات ضد نفس السياسة.

علي الظفيري: مورسا فينون في باريس، هل فعلاً باريس يبدو أنها اتجهت إلى هذا الخيار، الابتعاد عن السياسة، الابتعاد عن كل ماهو مثير ومُستفز بين الطرفين، والتركيز على هذه الجوانب الاقتصادية، العقود، الاستثمارات المشتركة، حتى يتم تعزيز العلاقة بين البلدين؟

مورسا فينون: نعم، العلاقات الاقتصادية لطالما كانت أكثر ثباتاً من العلاقات السياسية، التي تكون في ارتفاع وانخفاض. نعم، عادة، الطبقتين السياسيتين من الطرفين يستخدمان التاريخ إما لأغراض خاصة أو الإجابة على متطلبات انتخابية يحتاجونها. ولكن من الناحية الاقتصادية الأمور تختلف، تختلف لأن هذه العقود التي جرى توقيعها هذه الزيارة، أولاً وقِّعت من قِبل المؤسسات، قبل توقيعها من قبل رؤساء، رئيسي الدولتين، وبالتالي كانت كل الأمور الفنية قد عقدت ونظّمت، وبالتالي فإن الاقتصاد لا يتأثر بهذه العلاقات السيئة، وبالتالي يمكن أن يكون عامل تشجيع، ومدخلاً جديداً لعلاقات جديدة مختلفة، علاقات قوية لا تشوبها توترات سياسية بين البلدين، وخاصة إذا جاء ذلك في برنامج كبير سواء سُمي البرنامج المتوسطي، حيث يمكن للجزائر أن تكون شريكاً كاملاً، ولكن ذلك لم يمكن في عملية برشلونة، والآن ممكن، إذ أن دول الجنوب ومنها الجزائر التي لها دور كبير، يمكن أن تكون دوراً جيداً، وأن الملف السياسي، بحكم الأمور، سيوضع جانباً أو تطوى صفحته، ولكن في جميع الأحوال نرى أنه في هذه المرة أن التوتر السياسي لم يمثل ثقلاً حقيقياً على الجانب الاقتصادي، فقد جرى توقيع عقود كبيرة جداً وهذا الشيء طبيعى، وهذا جيد، وكان ينبغي أن يتحقق ذلك بصرف النظر عن طبيعة العلاقات وبرودتها بين البلدين.

علي الظفيري: أستاذ سعد، هناك مفارقة عجيبة في العلاقة بين البلدين يعني، رغم الخلافات السياسية إلا أن العلاقة الاقتصادية مستمرة، ورغم استمرار هذه العلاقة الاقتصادية إلاّ أنها لم تستطع أن تنزع فتيلة الخلافات السياسية وما في النفوس من قِبل الجزائريين تجاه المستعمر الفرنسي الذي استعمر أرضه فترة طويلة جداً.

سعد جبار: أنا أظن أن الطرف الجزائري سيفرض نفسه عندما يرتب أموره الداخلية، ويضع الجزائر إلاّ.. يعيد الآمال التي بناها الذين حققوا الاستقلال للجزائر، وأرادوا أن يبنوا دولة للتأكيد، للجانب الفرنسي وغيره، أن الشعب الجزائري جدير أن يكون أمة أو دولة تحقق النمو، وتصبح، بفضل إمكانياتها البشرية والفكرية وغيرها، مثلما عملت اليابان وألمانيا عندما حُقِّروا من قبل القوى الكبرى في الحرب العالمية الثانية..

علي الظفيري(مقاطعاً): يعني تظل المشكلة برأيك في النظام السياسي؟

"
 أكبر عرقلة للتقدم بالنسبة للجزائر تكمن في الأزمات  والشرعية السياسية والفساد القائم
"
سعد جبار
سعد جبار
(متابعاً): أنا أتصور أن أكبر عرقلة للتقدم بالنسبة للجزائر، وحتى بفرض ولا أقول بإقناع الجانب الفرنسي، أن يحترمنا، بسبب الأزمات وبسبب الشرعية السياسية وبسبب الفساد القائم. لا تنس أن فرنسا استفادت من أزمة الجزائر وأصبحت.. حصلت على حصة الأسد في الجزائر أكثر في أي وقت مضى، خاصة منذ بدء الأزمة السياسية في الجزائر عام 1978، أكبر من أي دولة أخرى في العالم، مهما جرى ويجري الحديث عن أمريكا وغيرها. أمريكا والبريطانيين في المجال النفطي إلى حد ما، لكن في المجالات الأخرى فرنسا استفادت إلى أكبر حد من الأزمة الجزائرية، ولا زالت تستفيد، ولسوف تستمر في تحقير الجانب الجزائري، ولا أقول النظام الجزائري، مادام لم يتصالح مع مجتمعه، ويبني مجتمعاً مسؤولاً ديمقراطياً في بلدنا. الشعب الجزائري مؤهل، مثله مثل الشعب الفرنسي، أن يستحق ويكون جدير بحكومة ونظام محترم، هذا هو التحدي بالنسبة للنظام.. المسؤولين الجزائريين يجب أن يشاهدوا كيف أن ساركوزي، برقصاته وشطحاته، يتصور وكذا ويحوم ويجول في دولة من دول العالم الثالث اللي كنا نضحك عليها في أفريقيا، بينما هؤلاء الدول، هذه الدول، أصبحت بها ديموقراطية، مثل السنغال، ومثل نيجيريا، ومثل جنوب أفريقيا.

علي الظفيري: سعد جبار المحامي الجزائري هنا في الاستوديو، وكذلك مورسا فينون الباحثة في العلاقات المغاربية من باريس، وفيصل مطاوي رئيس تحرير النسخة الالكترونية من جريدة الوطن الجزائرية، من الجزائر العاصمة شكراً لكم جميعاً. بهذا تنتهي هذه الحلقة من برنامج ماوراء الخبر بإشراف نزار ضو النعيم، وبإمكانكم المساهمة في اختيار مواضيع حلقاتنا بإرسالها عبر العنوان الالكتروني indepth@aljazeera.net غداً إن شاء الله قراءة جديدة في مارواء خبر جديد، شكراً لكم وإلى اللقاء.