لا يختار المؤرخون زمانهم ولا مكانهم، لكنهم يختارون حقبتهم المدللة ويوسعونها درسا ودراسة. ولا يعود اختيار هذه الحقبة إلى علاقة المؤرخ الوجدانية بها فحسب، بل يعود إلى ضالة منهجية يرتطم بها الباحث في ما يشبه الانخطاف، واختار هشام جعيط عصر النبوة فأنار له هذه العقود القليلة الدروب ووهجت مجهره وسددت عدسته.

"المشاء" في حلقة (2019/1/31) رافق جعيط الذي عاين الفتنة في مولدها، ووعى استغراب الاستشراق، وأشار إلى ضرورة التحديث مع تنبيهه إلى الحداثة.

الاستشراق والإسلام
يقول هشام جعيط إن هناك ثلاثة محددات له في الكتابة: الأول مهنته كمؤرخ، والثاني اهتمامه بالقضايا العربية الإسلامية المعاصرة، والثالث التعبير عن آرائه الفكرية.

وفيما يتعلق بما يكتبه المستشرقون، قال جعيط إنه لا ينقده حبا في النقد أو لأنهم أوروبيون، وإنما إذا لزم الانتقاد، مشيرا إلى أنه يعتمد الكتابة بالطريقة العامة دون تخصيص، وأنه قرأ الكثير من أبحاث المستشرقين وكتبهم، واكتشف العديد من أخطائهم، وتوصل إلى قناعة بأنه تنقصهم نظرة كافية وشاملة عن الإسلام.

وحسب ما توصل إليه جعيط، فإن المستشرقين لا يفهمون ضرورة وجود الحديث والفقه، ويأخذ عليهم أن حكمهم على الدولة الإسلامية يأتي من خلال الفترة الزمنية ومدى انتشار الإسلام فيها. كما ينتقد الحداثيين الذين يقولون إنهم لا يؤمنون إلا بالقرآن، وينتقدون التراث الديني مع أنهم غير مؤهلين لهذا النقد، على حد قوله.

وذهب إلى حد وصف الحداثيين الحاليين بأنهم لا يفهمون ما هي الحداثة، وأنه لا سلطة لهم، لأن السلطة بيد الدولة.

العرب والحداثة
من وجهة نظر جعيط، فإن العرب ليس لديهم حضور يذكر في مجال التطور العلمي، ويرى أن مشكلتهم الكبرى تتمثل في أنهم ما زالوا مصدومين لكون أوروبا والغرب لهم وزن وقوة ومقدرة على الصناعة واستنباط كل وسائل الحياة الحالية، وكانوا مسيطرين على العرب من خلال الاستعمار في البداية، والآن هم مسيطرون بصناعاتهم وتطورهم العلمي والتقني.

ولم يتردد المؤرخ التونسي في القول بأن العرب يعيشون على أمجادهم وأنهم مكبلون بماضيهم، معربا عن قناعته بأن السنوات الخمسين القادمة لا تحمل الخير للعرب الذين رأى أنهم مقبلون على مزيد من الاقتتال والنزاعات، وبأن القضية الفلسطينية ماتت في الوجدان العربي ولم يعد لها وجود إلا لدى المواطن الفلسطيني الذي يواجه الاحتلال الإسرائيلي.