لم يكتف هشام جعيط بدراسته للتاريخ بما تلقاه على مقاعد الدراسة، بل دفعه عشقه له إلى القراءة للمؤرخين والمستشرقين بنهم ويقظة، فتعلم منهم الأسلوب الصحيح لكتابة التاريخ، حتى تحول إلى أحد أبرز المؤرخين، ليس في تونس فقط بل على مستوى العالم.

"المشاء" في حلقة (2019/1/24) رافق جعيط، وتحدث معه عن بداياته بالاهتمام في التاريخ، حتى أصبح أحد المفكرين والمؤرخين الذين يشار إليهم بالبنان.

بدأ جعيط باكورة أبحاثه عن أفريقيا وبلاد المغرب، وكتب عن أفريقيا في مجلات أوروبية مرموقة، وبعد ذلك بدأ يتجه إلى قراءة ما كتبه المؤرخون والمستشرقون عن التاريخ الإسلامي وتاريخ الأديان.

واعتمد جعيط على ما كتبه أحد الكتاب عن الكوفة، فألف كتابا بعنوان "الكوفة"، تحدث فيه عن القبائل العربية وكيف تكونت أول مدنية عربية، ولم يكن لديه أي أفكار إيجابية عن عهود الازدهار والكلاسيكية الإسلامية والفترة العباسية والبذخ العباسي واتساع المملكة الإسلامية، وقد استهوته هذه المواضيع أكثر من دراسة البلاط العباسي والأمور المماثلة لذلك.

كما ركز جعيط في كتاباته اللاحقة على استيطان القبائل العربية وتكوينهم للمدن، والنظم التي فرضت في هذه المدن بسرعة كبيرة، وناقش أيضا الفترة الزمنية التي امتدت عشرين سنة من حياة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وعشر سنوات بعد وفاته، وكيف تكون الدين وانتشر في الجزيرة العربية بعد تعرضه لمعارضة شديدة، وكيف تمت "هيكلته".

وما لفت انتباه جعيط هو كيف تكونت الإمبراطورية الإسلامية بعد هذا بعشرين سنة، فكان اهتمامه بهذه الفترة التحولية الكبيرة.

ويوضح جعيط أن ما استهواه في الدولة الإسلامية والدولة الأموية هو عبقرية الشعب، و"قد عدت لعقد مقارنات في الحضارات القديمة لأن المقارنات تستهويني".

ويتحدث عن مشروعه كتاب "أفريقيا"، حيث لاحظ أن الأفريقيين يعتمدون على المصادر الشفوية لا المكتوبة، لكن المستشرقين لا يعتمدون على المصادر الشفوية، وهو يرى أن المصادر الشفوية مهمة مع إخضاعها للنقد لبيان إن كانت معقولة أم غير معقولة.

لكن المؤرخين المسلمين كان لهم حس موضوعي -بحسب جعيط- وكانوا يسعون للمحافظة على الأحداث التي جرت وهذا سبب الكتابة عندهم، وكان العباسيون يشجعون المدونين على كتابة التاريخ الأموي، ليس لأسباب سياسية وإنما لمقولتهم إن ديوان العرب الشعر.

أما كتابه "الفتنة" فقد حظي بإعجاب جماهيري واسع، وطباع منه ثماني طبعات، والسبب كون الجماهير ترى أنها تعيش في فتنة.

وتحدث أيضا عن مؤلفه "السيرة النبوية" الذي امتد في ثلاثة أجزاء، يتناول الجزء الأول الوحي بصفة عامة وتاريخ المقارنة بين الأديان، حيث يتعرض فيه لفكرة النبوة "الانخطافية"، وعلاقة الجنون بالنبوة والتوتر النفسي، أما الجزأين الثاني والثالث فقد ركز فيهما على التاريخ المحض، ودرس عن كثب تطورات الدعوة الإسلامية وما حدث بصفة دقيقة بالاعتماد على المصادر المتواترة.

أما كتاب "الرسول في المدينة"، فيصفه بأنه أصعب كتاب عنده من حيث أحداثه، موضحا أن الصعوبة تكمن "في التفكيك بين كل القوى الموجودة، ولماذا المدينة استقبلت النبي، وكيف وصل النبي خلال عشر سنوات إلى تكوين أمة وأن ينتشر الإسلام من جنين دولة وليس دولة كاملة، وكيف وقع بعض الانتشار في حياة النبي فقط"، ويقول إنه اتبع خطا يفسر هذا النجاح قد يكون مقبولا بحسب وصفه.

وقسّم طريقة كتابة المسلمين عن الرسول عليه السلام إلى نوعين: كتابات دينية أو دفاعية ضد المستشرقين، ورأى أن ما كتبه مستشرقو القرن العشرين فيه بعض النواحي الإيجابية، و"أنا قد استفدت منها، وسعيت لكتابة تاريخ النبي بطريقة تكون أقرب إلى الوقع، حتى لا تتحول لمديح".