رجل من نسيج قيرواني بغدادي عثماني موريسكي.. تدثر واستدعى برود المؤرخين للنزال.. رجل من جدل وإصرار وثوابت.. رجل الأولويات في التوفيق. بصر في الظلام المسدل على ما سبق الاستعمار بنور كامن في العمق، فسلطه على التاريخ لتحريره من هيمنة الوثيقة المكرسة.

إنه المؤرخ التونسي عبد الجليل التميمي الذي تحدث لحلقة (2017/9/21) من برنامج "المشاء" من ورشته في مدينة زغوان التونسية؛ عن أسباب القطيعة المنهجية التي يرى أنها جعلت من التاريخ العربي ميدانا مستباحا.

يقول التميمي "عندما أتحدث عن القيروان تأخذني الكثير من العواطف والرؤى الاستشرافية.. كنت وأنا صغير أعيش بين أسوار مدينة القيروان وجامع عقبة بن نافع.. هذه تلقنك كل شيء، الحضارة والهوية والانتماء إلى هذه الأمة العربية الإسلامية التي خلقت رصيدا فاعلا".

منذ الصغر والتميمي يتوق إلى معرفة الكثير عن المشرق، وجاءته الفرصة عندما عُين في بعثة إلى بغداد، وفيها أدرك مدى قيمة المعرفة والعلم، وكذلك أدرك قيمة علماء العراق "باعتبارهم الرصيد الحضاري للأمة" كما يقول.

في بغداد تعرف التميمي على شخصيات "أكثر من مهمة" تعلم منها قيمة المعرفة والعلم، واعتبر نفسه وقتها متدحرجا بين القيروان وبغداد "قلب الأمة العربية".

يقول عن هذه الزيارة "من هنا جاء هذا الانتماء الحضاري والدفاعي المستميت عن هذه القوة الفاعلة في تفعيل الحضارة العربية الإسلامية، وأنا أدين لهذه الزيارة البغدادية للتعرف على علماء كبار ومؤرخين من أروع المؤرخين، ومع شخصيات استثنائية".

ويضيف "تعرفت على الكثير من العلماء والباحثين العراقيين، والجميع يؤكد أن العهد العثماني هو الفترة الحاسمة والمظلمة في تاريخ العرب، فعندما حصلت على الإجازة من بغداد رجعت إلى باريس وقابلت أكبر مستشرق، وطلبت منه أن أدرس هذه الفترة.. ووافق على الإشراف على رسالتي بشرط أن أتعلم اللغة التركية لأطلع على مئات الآلاف من الوثائق الموجودة في إسطنبول".

تحول التميمي إلى إسطنبول، وكان أول عربي يطّلع على الوثائق العثمانية، ولم يسبقه إليها أحد مطلقا، ويعتبرها "الرصيد الأول للعلم، فهناك 150 مليون وثيقة تمثل كنزا للإنسانية وليس فقط لشمال أفريقيا والمغرب والعرب، وأدركت أن واجب المؤرخين العرب أن يكتشفوا هذا التراث، ومن هذا المنطلق قررت أنني أنظم مؤتمرات دولية عن الولايات العربية في العهد العثماني".

عبد الجليل التميمي في الحقيقة رجل سعيد لأن مدنه المفضلة اصطفت لترتب له مناهج البحث ومنطق التحليل.. أشهدته الوثيقة العثمانية على قرون من العيش المشترك، فرآها تتنزل في مكانها الطبيعي دافعة وثائق المركزية الأوروبية إلى الأطراف.