من برنامج: المشاء

تونس الشاعرة.. المثال والتمثال

تطرح حلقة "المشاء"سؤالا ملحا على الشعر التونسي إبداعا ونقدا وهو: هل يمثل أبو القاسم الشابي حافزا أم عقبة لتطور الشعر التونسي؟

مواصلا تجواله، حط "المشاء" في ربوع تونس الخضراء، طارحا سؤالا ملحا عن الشعر التونسي إبداعا ونقدا وهو: هل يمثل الشاعر الراحل أبو القاسم الشابي حافزا أم عقبة أمام تطور الشعر التونسي؟

واتفقت آراء شعراء ونقاد تونسيين -رغم إجاباتهم المختلفة- على توجه يكاد يكون محل إجماع، وهو أن درس الشابي الحقيقي يتمثل في تجاوز الشابي.

لذلك سعت الحلقة إلى تسليط الضوء على تجربة من التجارب المهمة في الشعر التونسي كمثال على محاولات التجاوز، وهي تجربة منصف الوهايبي الشاعر القيرواني المبدع.

عذبة أنت كالطفولة كالأحلام        **   كاللحن كالصباح الجديد
كالسماء الضحوك كالليلة القمراء    **  كالورد كابتسام الوليد
أنتِ .. ما أنتِ؟ أنتِ رسم عبقري   **   من فن هذا الوجود
أنتِ.. ما أنتِ؟ أنتِ فجر من السحر **  تجلى لقلبي المعمود

بهذه الأبيات من قصيدة "صلوات في هيكل الحب" بدأت حلقة الخميس 28/5/2015 من برنامج "المشاء" والتي استعرضت بعضا من تجربة الشاعر التونسي الذي خلف إرثا شعريا وتجربة فريدة، اختلفت آراء النقاد حولها بين من اعتبرها المحطة التي توقف عندها قطار الشعر التونسي، وآخرين خالفوهم هذا الرأي.

وعبر صوت الراوي تستدعي الحلقة صوت الشابي الذي يكشف أن السماء لفظته إلى هذا العالم الغريب في ليلة الثالث من صفر عام 1327 للهجرة، وفي الخامسة من عمره بعث به والده إلى "المكتب العربي الفرنساوي" بقابس، وبعد أيام تم تحويله إلى الكتّاب ليلبث به بضع سنين يقرأ القرآن، وحينما بلغ الشابي سن الثانية عشرة وجهه والده إلى كلية الزيتونية.

شاعر متغطرس
الباحث التونسي في اللغة والآداب العربية حمادي صمود وصف الشابي بأنه كائن بدا كأنه يبحث عن كون آخر غير الكون الذي يعيش فيه، ولذلك يحاول بشعره أن يمسك بهذا الكون بعض الإمساك، ورأى أن الكتابة عنده هي لهاث دائم وراء شيء لا يستطيع أن يدركه أو أن يمسك به.

مشيرة إلى تميز الشابي، قالت الشاعرة التونسية يسرى فراوي إن الشابي هو صاحب الدعوة إلى العودة إلى الطبيعة لأنها الحياة والخلق والإبداع والجمال، ومن وجهة نظرها فهو تغطرس على الشعر العربي وعلى ذاكرته الجماعية، ودعا إلى منع المقدس الديني من التدخل في الشعر أو أن يفرض سلطته عليه.

وقالت إن الشابي غطى على جيل شعري كامل مثل الشاعر منور سميدح في عصره، كما غطى على الشعراء الذين تلوه، وأضافت "نحن نحاول أن نتنكر لهذا الخنوع الذي جعل جيلا كاملا من الشعراء يعيش تحت سطوة الشابي".

مدرستان شعريتان
وفي قراءة جديدة لمسيرة الشابي أوضح الشاعر والأكاديمي التونسي منصف الوهايبي أن الشابي كان يطل في اتجاهين برأسين مختلفين، أحدهما يطل على مدرسة شعراء المهجر، والآخر يطل على المدرسة المصرية، وكان صاحب مشروع شعري ورؤية شعرية تتضح عند قراءتنا كتابه "الخيال الشعري عند العرب".

ولاحظ الوهايبي أن الناس يستسيغون الشعر العمودي الذي يخاطب الأذن، ولكنه لا ينشر هذه القصائد لأنها لا تتناسب والأفق الشعري الذي عرف به، وعاب على الشعر العمودي عدم قدرته على استيعاب قوالب الكتابة الحديثة.

واعتبر نفسه تلميذا للمدرسة العراقية الرائدة في الشعر الحديث التي تمثلت في الشعراء: بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ونازك الملائكة والشاعر الكبير سعد يوسف الذي جعل الشعر أقرب ما يكون إلى لغة الحياة التي تلامس الأشياء.

أما الشاعرة التونسية آمال موسى فدعت إلى الكف عن النظر إلى صورة الشابي في بعدها القومي المقاوم للاستعمار، التي غطت -وفق رأيها- على مناطق أخرى في شعر الشابي لا تخلو من جماليات، ونادت بضرورة البحث عن المقاييس الجمالية التي ابتكرها الشابي برؤية فيها الكثير من الموضوعية والإنصاف بعيدا عن القداسة.



حول هذه القصة

استعرضت حلقة المشاء مسيرة المسرحي التونسي عز الدين المدني. أنزل المدني التاريخ من المشجب، وأجلس الحكاية على المصطبة، فعج المسرح بالثوار والشطار من ديوان الزنج لثورة صاحب الحمار.

هنا في الجريد جنوب غرب البلاد، يتعلم التونسيون المعنى الآخر للملهاة والمأساة، هنا تدرب الشابي على أغاني الحياة، هنا فرسان الحدث وفراسة الحديث. "المشاء" زار هذه الولاية ونبش تاريخها.

المزيد من فني وثقافي
الأكثر قراءة