يصل المشاء إلى مدينة فاس التي إذا قرأت تاريخها السياسي فكأنك قرأت تاريخ المغرب كله. منذ تأسيسها على يد إدريس الثاني سنة 182 هجرية/808 ميلادية واتخاذها عاصمة لدولته حتى أوائل القرن العشرين، بقيت فاس مدينة مركزية وعاصمة في أغلب الأوقات.

فاس احتضنت أول جامعة في العالم العربي والإسلامي بل على مستوى العالم، وهي جامعة القرويين التي أسستها فاطمة الفهرية، وكانت بيتا للنور، إلى أن ضاق بها المستعمر الفرنسي، وسماها "البيت المظلم" لأنها احتضنت المقاومة، فنقل مقر العاصمة منها إلى الرباط.

في حلقة "المشاء" التي بثت يوم 25/9/2014، يقول المشاء "لا تكون الطريق طريقا إلا حين تسلمنا إلى فاس"، فقد كانت المدينة تخرج العلماء الذين يمرون منها إلى الأندلس وإلى الجناح الشرقي من بلاد العرب، وتقيم مجتمعها ومعمارها على التسامح والتعدد.

وزارت كاميرا "المشاء" فندق الشماعين الذي بني في القرن الرابع عشر والقريب من جامع القرويين حيث يعمل فريق هندسي على إعادة تأهيله، ومده بكل عناصر التكنولوجيا الحديثة دون أن يتعارض ذلك مع روح المكان وهويته الأصيلة.

الصومعة البيضاء
وعلى تلة قريبة، كانت تظهر بوضوح صومعة جامع القرويين البيضاء الأقدم في فاس، التي بُنيت على النمط المعماري الزناتي، كما بنت مريم الفهرية شقيقة فاطمة مسجد الأندلس في عدوة الأندلس.

كان بالقرويين نظام تعليمي متكامل، حيث يحيط بجامعة القرويين شبكة من المدارس مما جعل من فاس مركزا للفكر العربي الإسلامي ونموذجا متكاملا للمدينة العربية الإسلامية. وكانت بسبب ذلك محجا لعدد من كبار العلماء: ابن خلدون، ابن الخطيب، ابن حجاج.

استقر بها الفيلسوف اليهودي ابن ميمون حوالي ثلاث سنوات لتلقي العلم، ودرس بالقرويين مسيحي سيُصبح فيما بعد بابا للفاتيكان، هو البابا سلفستر. كما كانت فاس في القرنين 16 و17 مليئة بعدد كبير من الأوروبيين يسكنون بها.

تميزت بأسوارها وحدائقها ومساجدها ومدارسها خاصة تلك المشيدة في العهد المريني الذي طبع فاس، انتقلت فاس في القرن الرابع عشر لاعتماد الحساب الفلكي الكوني الذي يعتمد 24 ساعة بدل ذاك الذي يعتمد 12 ساعة.

يقول المشاء إنك إذا دخلت فاس فعليك أن تتخلى عن ساعتك لتدخل الزمن على إيقاع هذه المدينة التي ما زالت بيوتها القديمة مسكونة بأهلها منذ قرون بعيدة، وما زال جامع وجامعة القرويين يمثل الحضارة المغربية والعربية والأندلسية.