"شعراء الثمانينيات كسروا كل شيء وكسروا أنفسهم لكي يستشرفوا ويحذروا، كانوا يحملون توابيتهم لينبهوا إلى عشرية التوابيت في التسعينيات، ولكن الدولة لا تسمع.. غادروا سطوح البلد والمعنى والنفس وألقوا بفاتحيهم إلى أعماق الغربة الجارفة".

حلقة 13/11/2014 من برنامج "المشاء" تسلط الضوء على الحركة الشعرية في الجزائر، وتتساءل عن أهم ما يميز شعراء فترتي الثمانينيات والتسعينيات.

الشاعران الجزائريان عاشور فني (مقيم في الجزائر) وعمار مرياش (مقيم في فرنسا) ينتميان لجيل التعددية السياسية والثقافية في الجزائر، وهو الجيل الذي يرى فني أنه يختلف عن سابقه في تميزه وفي مساهمته الإبداعية بالساحة الشعرية الجزائرية التي يعتقد مرياش أنها أهم الحركات الأدبية في العالم العربي، لكن الإعلام الجزائري لا يسلط الضوء عليها.

في السابق كانت الساحة الأدبية في الجزائر مؤطرة تأطيرا رسميا -بحسب ما يعتقد الشاعر فني- وهيمنت عليها نزعة السيطرة، وكان الشاعر في تلك الفترة يتكئ على الانتماء الحزبي والسياسي، ومناضلا في القضية الوطنية مثل الشاعر مفدي زكريا.

لكن في الثمانينيات -يضيف فني- ظهرت كوكبة من الشعراء تطرح رؤية جديدة، وأصبح الهاجس يدور حول تأسيس فضاء شعري جزائري متعدد. وبرأيه، فقد أسس هذا الجيل الجديد فضاء مستقلا وجعل الساحة الشعرية الجزائرية منفتحة على الفضاءات العالمية لا العربية فقط.

من جهته، أشار الشاعر مرياش في حديثه لحلقة برنامج "المشاء" إلى ما سماها حركة جديدة تميز الشعر الجزائري في الوقت الراهن، ويقول إنه حاول كشاعر تخليص الشعر الجزائري من فكرة الجماعة وتحويله إلى فكرة الفرد.

ووصف الحركة الشعرية في الثمانينيات والتسعينيات بأنها كانت رائعة جدا، وهي حاليا تعد من أهم الحركات الأدبية في العالم العربي وربما في العالم، وأشار إلى أن بعض الشعراء ترجمت أعمالهم إلى العديد من اللغات العالمية.

والشعر عند مرياش هو حركة فردية فيها فن وفلسفة، كما أن الشعر الجيد لا يموت- يواصل مرياش- وكذلك الشاعر الجيد لا يموت رغم الحروب والمآسي والرقابة والقمع لأنه هو الحرية. واستشهد بقول أحد الألمان "إن ما سيبقى هو ما يكتبه الشعراء".

اسم البرنامج: المشّاء

عنوان الحلقة: شعراء الجزائر.. جيل التابوت

ضيوف الحلقة:

-   عاشور فني/شاعر جزائري

-   منال بوعجاجة/صحفية جزائرية مقيمة في فرنسا

-   عمار مرياش/شاعر جزائري

-   نجاة ميلاد/ مكتبة ابن رشد في باريس

تاريخ الحلقة: 13/11/2014

المحاور:

-   المشهد الشعري في الثمانينات

-   نزعة الهيمنة عند شعراء الجزائر

-   الحالة الشعرية بين الماضي والحاضر

-   الشعر هو الحرية والمستقبل

زاد: الربيع الذي جاء من حيث لم أنتظر بث خضرته في دم العاشقين، أما الرصاص فلم يخترق غير سطح الجسد، قل لهم أنا عينٌ ترى ورسولٌ يؤلف بين القرى.

عاشور فني/شاعر جزائري: الأفكار والأسس والقيم التي بنيت عليها تلك الفترة والتي جمعت أيضاً العلاقات التي جمعت تلك المجموعة أعتقد أنها مازالت تؤسس لأجيال لاحقة لأنها مبنية فعلاً على فكرة التواصل والتميز في نفس الوقت، من قبل كانت الفكرة السائدة هي فكرة القطيعة ما بين الأجيال وعدم التميز بمعنى التماثل ما بين الجيل يعني تماثل داخل الجيل والقطيعة ما بين الأجيال هكذا كان يفكر من قبلنا، لكن نحن جئنا بفكرة معارضة تماماً، تواصل وتراكم وفي نفس الوقت حرصنا مع التميز داخل كل هذا التيار يعني كل الثقافة وكل التعبيرات الثقافية تمثل تياراً في مرحلة معينة تياراً متدفقاً في الفن التشكيلي وفي الشعر وفي الرواية وفي المسرح وفي الكتابة الصحفية وفي الكتابة العلمية وفي الفلسفة وفي الأفكار، فإذاً هو تيار متدفق ولكن في نفس الوقت الحرص على أن يتميز كل شخص بمساهمة إبداعية تمثل إضافة بالنسبة لبقية الجماعة وإلا فما معنى أن يكرر جيل بكامله أن يكرر كل التجارب وبنفس الملامح وإلى آخره فأعتقد أن هذه الفكرة الأساسية هذه الرسالة الأساسية التي وصلت إلى..، أعتقد أتمنى أن تكون وصلت إلى الأجيال لاحقاً لأننا نجد فيما بعد كثيرا من التجارب وكثيرا من التنوع الكبير جداً في التجارب وتلك المرحلة أيضاً ينبغي أن نضيف أنها شهدت أيضاً بروز كثير من الأسماء من الشاعرات ومن المبدعات ومن الكاتبات في الجزائر، واستمرت هذه التجربة في الوقت الحالي وأعتقد أن الآن أصبحت من التنوع بحيث أنه يصعب أن نسمي كل الشعراء والشاعرات في الساحة الشعرية الجزائرية مع تميزهم في الإضافات ومع مساهمتهم في الساحة الجزائرية وفي الساحة العربية وعلى المستوى الدولي أيضاً.

المشهد الشعري في الثمانينات

زاد: آه أيها المشاء أترميني هكذا في بحر شعراء الجزائر وما أدراك ما شعراء الجزائر، لست أدري لماذا لا نعرف عنهم الكثير في المشرق خاصة هذا الجيل الذي يحمل توابيت كثيرة لا يتجه بها إلى المقابر، جيل الثمانينات للشعراء حدس خاص بما سيحصل بعد حين.

[قصيدة للشاعر عمار مرياش]

حين نغادر هذا العالم لن ننسى

فلنا أحباب في كل مكان

ونقوش أسامينا بارزة

فوق جذوع شجيرات الزيتون

وفوق صخور تكجدة

 وأغانينا ستردد في الأفراح

وفي أوقات الشدة

 حين نغادر هذا العالم لن ننسى

وسيمشي خلف جنازتنا الأطفال

فنحن لعبنا

وستمشي الأشجار

فنحن غرسنا

وسيمشي الحب فنحن عشقنا

حين نغادر هذا العالم لن ننسى

فلقد عاشرنه بلطف في وقت صعب

وفعلنا الحب وصلينا للرب

وغنينا من أعماق القلب

أماناً يا شجر الزيتون

أماناً يا وادي الصومام

أمانا يا شعبي الرائع

منال بوعجاجة/صحفية جزائرية مقيمة في فرنسا: يعني ممكن أن تعطينا يعني صورة مختصرة عن المساحة الشعرية في الجزائر.

عمار مرياش: الجزائر الآن.

منال بوعجاجة: يعني من أسماء..

عمار مرياش: صح، صح أنا في التسعينات كنت رئيس تحرير قصيدة وبالتالي كان عندي رؤية رائعة جداً للشعرية الجزائرية صحيح عندي اتصال يومي بالشعراء الجزائريين خاصة الأصدقاء ولكن ليست لدي النظرة النقدية الكاملة لكي أوضح الاتجاهات والمدارس وكذا وكذا وسأظلم كثيرين فقط أعطي الأسماء..

منال بوعجاجة: لو بعض الأسماء يعني.

عمار مرياش: يعني..

منال بوعجاجة: حتى نشجع شباب الجزائر.

عمار مرياش: يعني من الجيل بتاعي أتذكر عشرة  ناجي كذا وكذا ولكن من الجيل إلي جاء بعدي في أسماء أيضاً يبدو لي قوية ورائعة على الإطلاق مثلاً فايزة مصطفى إلي هي قاصة وكانت إعلامية في التلفزة الجزائرية في محمد سعيد إلي هو ناقد وكاتب ممتاز في مي غولي هي شاعرة ممتازة أيضاً والشاعرة حنين عمر حنين أيضاً شاعرة ممتازة، هذه الأسماء التي تحضرني الآن ولكن الساحة الشعرية الجزائرية كانت رائعة في الثمانينات وفي التسعينات الآن يبدو لي هي من أهم الحركات الأدبية في العالم العربي وربما في العالم والشعراء الجزائريين كثيرين مترجمين، الصحيح أن الإعلام الجزائري لا يلعب دورا على الإطلاق في الحركة الشعرية الجزائرية ولكن بوزيد حرز الله ترجم كثير من اللغات ترجم وهنادي ترجمت الإيطالية الإسبانية الفرنسية ومش عارف بعد إلى الأمازيغية.

زاد: ها هم يحملون تابوت القبيلة ويتغنون وهم ينوءون به بالمفرد، لقد أكلت الجماعة من قلوبهم وشرايينهم وهم يريدون قليلاً من الزهد فيها قليلاً أو كثيراً.

عاشور فني: ينبغي أن نعود قليلاً إلى تلك الفترة لأنه كانت الساحة الأدبية وخاصة في مجال الشعر كانت هي إلى حد ما ساحة رسمية تتمثل في اتحاد الكتاب وفي المهرجانات الرسمية مثل مهرجان محمد الشاعر محمد خليفة وفي صفحات أدبية موجودة في الصحف الرسمية والصحف مثل الشعب والنصر والجمهورية فكانت يعني الساحة إلى حد ما مؤطرة تأطيراً سياسياً أو أيديولوجياً أو تأطيراً رسمياً ويعني التقينا في لحظات حميمية جداً مع أصدقاء كثيرين جداً منهم الأخضر فلوس عالية شهواي سعيد هادف كثير من الزملاء الذين ما زالوا لحد الآن يكتبون ويواصلون الشعر ومنهم من توفي إلى رحمة الله، وأعتقد أن تلك المرحلة يعني كانت مرحلة خصبة جداً لأنها من ناحية كانت نهاية مرحلة سابقة تمثلت في هيمنة الدولة على المجال الثقافي والأدبي والإعلامي والسياسي في فترة الحزب الواحد ومن ناحية أخرى هي كانت بداية إرهاصات في فترة جديدة هي فترة التعددية السياسية والحزبية والثقافية في نفس الوقت وأعتقد أننا كنا آنذاك نمثل تلك المرحلة.

عمار مرياش: أنا أعتقد أن للشعب الجزائري وللشعر الجزائري مستقبل فريد من نوعه لأن الآن الشعراء الجزائريين يتحدثون مثلاً عن عادل الصياد إلي يدفن قصائده في شعراء انتحروا وفي كذا وكذا وفي حركة جديدة أنا في اكتشافي العهدي خلصت الشعر الجزائري أو حاولت أن أخلص الشعر الجزائري من فكرة الجماعة إلى فكرة الفرد انتهينا من الجماعة في الاكتشاف العادي، الاكتشاف العادي متوجه إلى الفرد، الفرد هو الذي يقوم بمبادراته يعني ما كان الواحد يتحدث باسمه ولا هو حدق في مرآتك تدركني أنا أنت تأملني في صفحات إلى آخره، وهذه الحركية إلي يبدو لي الحركية طبعاً هذه نجدها عند كثير من الشعراء الجزائريين اليوم يبدو لي ستعطي قوة تعطي تنوع كبير للشعرية الجزائرية في المستقبل وهذه الظاهرة نلاحظها أكثر في الجزائري أكثر مما في الدول العربية الأخرى.

[فاصل إعلاني]

نزعة الهيمنة عند شعراء الجزائر

زاد: تابوت آخر أراهم يحملونه وهم يشاكسون، لقد كتبوا عليه كلمات الجيل السابق الأستاذ المجتمع وكلمات أخرى لا أكاد أتبينها، أي جيل هذا لا يقيم وزناً للطقوس.

عاشور فني: فكرة الصدام كانت موجودة لدى الأجيال السابقة في المجال الشعري وفي المجال الجمالي والإبداعي لأن النزعة السائدة آنذاك هي نزعة هيمنة، كل جيل وكل مجموعة وكل جماعة تحاول أن تسيطر على الساحة الأدبية ومنهم من كان مثلاً يتكئ على الانتماء الحزبي أو الانتماء السياسي أو الانتماء للمؤسسات وإلى آخره، بينما في مرحلتنا في منتصف الثمانينات لم تكن هذه النزعة بل النزعة الأساسية نزعة الفكاك من السيطرة يعني رفضوا كل السلطات سواء كانت سياسية أو أيديولوجية أو اجتماعية إلى آخره وكان الهاجس الأساسي لدى الجميع هو تأسيس فضاء للشعر بتنوع ومتنوع ومتعدد ويقبل الجميع، لذلك فكان صداقات قوية جداً ما بين هذه الأفراد هذه الكوكبة من الشعراء وكانت المهرجانات عبارة عن أعراس وعبارة عن لحظات حياة يعني قوية جداً.

[قصيدة "لا يا أستاذ" للشاعر عمار مرياش]

لا يا أستاذ

لا يا أستاذْ

الشاعر لا يُحْسِنُ شيئاً في التعبيرْ

الشاعرُ يحيا

ويعبِّرُ عِندَ العجزِ المُطْلقِ بالكَلِمات

فالشعرُ حياة

والشاعرُ ليسَ كبيرا

الشاعر متسعٌ في الأنَواتْ

لكنْ أحياناً حينَ يَضيقُ الشاعرُ

تكبرُ في عَينيه الذات

لا يا أستاذْ

أنتَ تُطالِبُني بالحِفْظِ

وإنِّي أحفظُ كالبَبَّغاءِ ولا أفهمْ

أنتَ تُعلمُني الأسماءَ فأنْسى

أرني الأشياءَ ودَعْني أتَعَلَّمْ

لا يا أستاذْ

ليس العَصْرُ رديئا

العصرُ دَريئة

لكنَّ الرديءَ يبْصِرُ صورَتَه في الأشياء فيشتُمُها

مُعْتقداً أنَّ الأشياءَ رديئةْ

لا يا أسْتاذْ

ليسَ لدَيَّ مواعيدُ مع التَّاريخ

لن أدخُلَه أبدًا

ماذا أفعلُ فيه ؟

عِندي أعمالٌ مُسْتعْجِلة

عِندي أحلامُ ومقاصِدُ

قُدّامي عُمْري أقضيه

لا يا أستاذْ

نجاة ميلاد/ مكتبة ابن رشد في باريس: مكتبة ابن رشد هدفها الأساسي هو تعريف الثقافة العربية في أوروبا في فرنسا، ونشاطاتنا الثقافية هي لتقريب يعني المثقف العربي والمبدع العربي من الفرنسي حتى يصير في التقاء وتشوف يعني نستضيف كبار الكتاب صنع الله إبراهيم الشاعر وحضرتك أيضاً شاعر كبير يعني.

عمار مرياش: شكراً.

نجاة ميلاد: يعني إحنا سعيدين يعني في قبولك وتشريفك لمكتبتنا.

عمار مرياش: أنا أسعد أنا أيضاً أشكرك جداً على هذه الاستضافة..

نجاة ميلاد: ونستمر إن شاء الله في لقاءات مقبلة إن شاء الله رح نقوم بمهرجان الشعر العالمي، شكراً لك.

الحالة الشعرية بين الماضي والحاضر

عاشور فني: أعتقد أن هناك حدوداً اجتماعية للإبداع أحياناً بعض الجوانب لا يقبلها المجتمع أو لا يقبلها الجمهور، فالجمهور كان منمطاً وكان على ذائقة معينة ومبنياً على طريقة معينة في تذوق الشعر وفي الرؤى وفي السماع أيضاً، بينما هذه الكوكبة الجديدة من الشعراء كانت تطرح يعني رؤية جديدة وتطرح أسلوبا جديدا في تناول الموضوعات الشعرية وحتى في المزج ما بين ما كان ببدو منفصلاً في هذه الموضوعات، أصبحت القصيدة قصيدة الحياة أن الشاعر هو أولاً هو إنسان يحيى ويعيش ثم يكتب الشعر وليس مجرد كاتب أو ناظم للقصائد، فكان المجتمع إلى حد ما له صورة معينة للشاعر يريد أن يجدها في الشعراء فلم يكن يجد تلك الصورة تماماً كما لو صورة معينة في الأستاذ وصورة معينة للمغني وللإمام وللعسكري فلم يكن يقبل إلى حد ما هذا الشكل الجديد من الشعراء الذين لا يلتزمون بالصورة الرسمية ولا يلتزمون باللباس الرسمي ولا بالبدلة الرسمية فكانت إلى حد ما تلك فترة يعني نهاية فترة سابقة كان فيها الشعر يعني نعود إلى فترة سابقة حينما كان الشعراء في الحقيقة هم مناضلون، كان الشعراء مناضلين في القضية الوطنية وكانوا أيضاً لهم مسؤوليات سياسية مثل شاعر الثورة مفدي زكريا أو لهم التزامات مع الجمعيات مثل الجمعيات الدينية مثل الشيخ محمد الخليفة كانت هناك أيضاً صورة أخرى للشاعر الرسمي الملتزم بقضايا الدولة وبالدستور وبالميثاق الوطني، أذكر أن أحد النقاد آنذاك كان يطلب من الشعراء أن يلتزموا بما كان مكتوبا بما كان مدوناً في الميثاق الوطني آنذاك، لكن هذه الفئة الجديدة لم تكن في الحقيقة من هذا الصنف بل كانت تطرح قضاياها وتعتبر أن الشعر بحد ذاته قضية وأن الثقافة بحد ذاتها التزام والإبداع بحد ذاته هو الالتزام الأكبر لمن يتفضى للكتابة وللشعر وللنقد.

زاد: أنا أتألم هنا في الجزائر وحيدة، وأنت هناك في باريس بدعوى أنك لم تحصل على ترخيص، ستسمع الآن من هؤلاء الشعراء ما يفرحك وطبعاً ما يحزنني إنهم يدخلون المشرق في تابوتهم.

عاشور فني: تلك الكوكبة من الشعراء قدمت يعني شيء جديد للساحة الشعرية في الجزائر أولاً قطعت مع من كانوا يسمون أنفسهم جيل السبعينات سابقاً لأن هذا الجيل ربط يعني بشكل ميكانيكي ما بين الحركة الشعرية والحركة السياسية والأيديولوجية وإلى آخره فإذاً هذه الفئة أسست للشعر فضاء مستقلاً وهذا أهم شيء، النقطة الثانية هي أنها قطعت مع فكرة أخرى كان يدعو لها أجيال سابقة بما فيهم جيل السبعينات وهو أن الساحة الشعرية في الجزائر مجرد تابع للساحة المشرقية فهذه الفئة في هذه الكوكبة من الشعراء في منتصف الثمانينات وأيضاً تعددياً ومنفتحاً على كل الفضاءات ليس فقط الفضاء الشعري الجزائري أو العربي ولكن مع الفضاءات الفلسفية والفضاءات الجمالية ومع الفضاءات العالمية تجاوزنا مرحلة أن تكون فقط شاعراً جزائرياً أو عربياً أو مغربياً وإنما أن تكون شاعراً عالمياً بإمكانك أن تساهم في الحركة العالمية ككل، وأعتقد أن هذا التيار القوي السائد الآن في الحركة الشعرية الجزائرية.

[قصيدة للشاعر عمار مرياش]

ها أنبثق اللحظة منفردا

أفرد قلباً بذراعين لأحتضن العالم

أضبط امزدي وأغني

طوبى للأبكم طوبى للأعمى

لا شيء جدير بك إني حاولت فحسب

زاد: في الحقيقة ليس لي مآخذ على هؤلاء الشعراء فقد تمادوا في تمردهم إلى أن تمردوا على أنفسهم وكأنهم يقولون ليس في التابوت سوانا.

عاشور فني: أعتقد أن الأساس الذي كان يربط هؤلاء الشعراء بمجتمعهم هو أنه عضو في المجتمع وليس منفصلاً عن المجتمع، لم يكن لم يعد للشاعر رسالة فوقية يلقيها على الناس بل رسالته تنبع من المجتمع بحد ذاته يرى نفسه امتداداً لحياته الشخصية ولحياة عائلته وأصدقائه وكان الانتماء عضوياً هي أقرب فئة أعتقد أنها كوكبة أقرب إلى ما يسمى بالمجموعة التاريخية المتربطة بوضع اجتماعي واقتصادي وثقافي معين، فكان هؤلاء الشباب يحسون بأنهم من عموم الناس لم يكونوا ذوي امتيازات لم تكن لهم امتيازات ولم تكن لهم انتماءات حزبية ومسؤوليات في الدولة على عكس المجموعات السابقة التي كانت تسمي نفسها أجيال والتي ما زالت لحد الآن تنتمي أو تسمي نفسها أجيال جيل الستينات وجيل السبعينات وما دون ذلك، طبعاً لهؤلاء وظيفتهم ولهم أهمية في تاريخ وتطوير الحركة الشعرية الجزائرية، ولكن ما جاء بعدهم أو الذين جاؤوا بعدهم كانت لهم رؤية مختلفة وأعتقد أننا كنا نحمل هذا الشعور نحمله بقوة بمعنى أننا إذا كنا مثلاً نرى مساوئ لدى أو نرى على الأقل بعض النقائص فيما قامت به الأجيال السابقة من الشعراء فكنا لا نريد أن نؤسس جيلاً جديداً يحمل نفس المساوئ بل كنا ضد فكرة الجيل بحد ذاتها كنا نرى أن فكرة الجيل هي صنم ينبغي تحطيمه، وإذا كان تحطم هذا الصنم فليس من أجل تأسيس صنم جديد بل ينبغي تحطيم فكرة الأصنام أصلاً وهذا هو الأساس وأعتقد أن هذا هو أهم إضافة بالنسبة لتلك المرحلة.

[قصيدة للشاعر عمار مرياش]

لقمنِ كيس زيتونة في قلبك

ولا عفني وتهنى

بديت تجيح يا الشاعر

بديت تجيح يا الشاعر هاجر

جيح افهما نمنامة

والفكرة خنجر في الصدر والتمرة مرة

لا تحارب الهوى لا ترجع خاسر

ويلافي بلادي الحرة نجوع

ونتعرى ونتسب ونتعاير

وايش متزاير

حبيت نحب ونتحب

بالصفا والخضرة

تمنيت امرأة كي نشوفها نقرة مرغوبها

وتحسني من نظرة

بس للخسارة

كل من عشقني في قلبها ذرة

وكيف يعود القلب على صاحبه جاير

وايش متزاير

[قصيدة للشاعر عاشور فني]

كان يمشي فيتقد الصخر

يجري فتتسع الأرض

يغرز رايته في الأفق ثم يمضي

فتمضي الطرق

لا يعود إلى نقطة أبدا

البدايات ديدنه البدايات موطنه

الكثيب مسافته ومتاهته الأزلية

كان يخرج من صخرة الوقت

ممتشقاً وردة الرمل

سماه الزرقة الأبدية

بحره الوهم في حرقة الفلوات

وأنثاه سيدة الأبجدية

منال بوعجاجة: هل سيموت الشاعر عمار مرياش؟

عمار مرياش: كيف يموت الشاعر؟ الشاعر..

منال بوعجاجة: نهاية هل هناك نهاية يعني هل نتوقع عمار مرياش سيتحول إلى قاص إلى روائي إلى مخرج سينمائي إلى..

عمار مرياش: نعود إلى فكرة هل سيموت الشاعر ربما أحسن.

منال بوعجاجة: مصور فوتوغرافي يمكن.

الشعر هو الحرية والمستقبل

عمار مرياش: ربما أحسن، ما عندهم علاقة يمكن أمتهن أي مهنة أخرى أو أي نشاط ثقافي آخر ولكن أعود للشعر لأنه فكرة الشعر حركة فردية وكذا كذا فيها فن فيها فلسفة فيها، أنا مع أحد الألمان عندما قال: "إن ما سيبقى هو ما يكتبه الشعراء"، فكرة أخطر هو أن الكتب المقدسة مثل الإنجيل مثلاً يقولون أنه حُرف وكذا وكذا ولكن مثل الإلياذة أو قصيدة مثل جلجامش وهي كتبت قبل الكتب المقدسة تصلنا وتصلنا بشكل جيد وكذا وكذا الشعر الجيد لا يموت الشاعر الجيد لا يموت، وسيبقى رغم الحروب والمآسي والقمع والرقابة وكل شيء والحرمان وسيبقى الشعر والشاعر هو المستقبل لأنه هو الحرية، هو الحرية كان دائماً هكذا وسيبقى هكذا.

زاد: شعراء الثمانينات كسروا كل شيء وكسروا أنفسهم لكي يستشرفوا ويُحذروا، كانوا يحملون توابيتهم لينبهوا إلى عشرية التوابيت في التسعينات، ولكن الدولة لا تسمع، غادروا سطوح البلد والمعنى والنفس وألقوا بمفاتيحهم إلى أعماق الغربة الجارفة، لا بد أنهم يبكون كثيراً وهم يراجعون ما كتبوه، ولكن الثمانينات تُمعن في الابتعاد.