من برنامج: عالم الجزيرة

أيتام الصحراء

بعد رحيل العقيد الليبي معمر القذافي، عاد ربع مليون عامل ومقاتل من الطوارق إلى النيجر ومالي، بلا مأوى وبلا رزق، حلمهم أن يقيموا دولة مستقلة خاصة بهم.

الطوارق هم السكان الأصليون للصحراء الكبرى التي تعد الأكبر في العالم، وهم أحد أفقر الشعوب في العالم، وأكثرهم عزلة وتسليحا.

تشرذم شعب الطوارق عبر تاريخ من الاستعمار بين مالي والجزائر وليبيا والنيجر وبوركينا فاسو، ولعقود مضت كان القذافي هو من احتوى طموحات هذا الشعب بفتحه أبواب ليبيا أمامهم تسهيلا لهجرتهم الجماعية، وقد درّب أبناءهم ليكونوا مرتزقة في حروبه الخاسرة.

رحلة خروج الطوارق من ليبيا كانت بمثابة "درب الآلام" كونهم محسوبين على نظام القذافي، فقد تم احتجازهم وتعذيبهم في الصحراء الليبية، كما تمت مصادرة كل ممتلكاتهم. وتم رميهم خارج أرض عاشوا فيها كل حياتهم.   

محمد أغدالي كان عاملا في ليبيا وقد أجبر على المغادرة مع عائلته، ويقول إنه تعرض للضرب حتى تمنى الموت "إنهم يكرهوننا بسبب القذافي.. إنهم يكرهون شعب الطوارق".

أما حمد حسن، جندي ليبي سابق، فيقول "لا يوجد مكان أنتمي إليه، حيث إني لا أعرف الكثير عن النيجر لأني لم أترعرع في هذا البلد، بل كبرت في ليبيا.. أنا فعلا تائه ولا أعرف ماذا أفعل".

في مالي المجاورة، وفي صيف عام 2011 كان الآلاف من مقاتلي الطوارق يعودون من ليبيا إلى وطن غارق في الفقر، لكن طوارق مالي كانت لديهم أسلحة القذافي ولديهم خطة لإنشاء بلد مستقل، وكانوا قد اختاروا له علما واسما من أسماء الطوارق القديمة.

كان القائد المخضرم إبراهيم بهانغا -الذي قتل في حادث سيارة غامض في جوف الصحراء- قد أقنع الطوارق المنخرطين في الجيش الليبي بترك القذافي والانضمام إليه في كفاحه لنيل استقلال دولته المسماة "أزواد". واستجاب لندائه المئات من الطوارق.

ويقول قائد في "الحركة الوطنية لتحرير أزواد" مولاي سيدي محمد إن أكثرهم قد عاد من ليبيا ولديه خبرات عسكرية عالية جدا في التدريب ودورات القوات الخاصة والقتال البري واستخدام الأسلحة الثقيلة والدبابات. ويضيف قائلا "نحن أساسا لم نذهب إلى ليبيا لمساندة القذافي، بل سعيا إلى تحقيق هدفنا السامي وذلك من خلال التدريب، وبالتالي خدمة قضيتنا".

يؤكد موسى أحمد الصادق، جندي في حركة تحرير أزواد، أن مطلبهم الوحيد هو الانفصال عن حكومة مالي، ويضيف بلال بن شريف -رئيس دولة أزواد غير المعترف به، إن مسألة حق شعب أزواد في تقرير مصيرهم هي مسألة حياة أو موت.

فقر وجفاف
في شمال النيجر.. قلب موطن الطوارق يقع أحد أغنى مناجم اليورانيوم في العالم، ولكن شعبها آخر من يستفيد منه، وهي بيئة ينخرها الفقر وتحيط بها المخاطر كونها تستخدم كمنطقة مرور لمهربي المخدرات حيث من المعتاد أن يخطف الأجانب ويتم بيعهم لتنظيم القاعدة من أجل تحصيل الفدية.

يعيش عمر -وهو أحد متمردي الطوارق السابقين- مع عائلته في شمال النيجر، وعندما كان طفلا شهد أباه وهو يموت جوعا، والآن هو الذي يقوم بدور الأب، وهناك خمسة عشر شخصا يعتمدون عليه من أجل البقاء على قيد الحياة.

يكافح شعب هذه المنطقة بشكل يومي من أجل تأمين أبسط أساسيات الحياة، وقد تدفع رحلة البحث عن الماء البعض إلى الجنون في الصحارى القاحلة، كما أن الآبار التي يحفرونها بحثا عن الماء غالبا ما تنهار عليهم وتدفنهم أحياء.