26:32

من برنامج: برامج متفرقة

الحج في زمن الأوبئة

فرض الله سبحانه وتعالى على المسلمين أداء مناسك الحج في السنة التاسعة للهجرة، ومنذ ذلك الحين وعلى مدى قرون طويلة تتوافد سنويا جموع غفيرة من شتى أنحاء العالم لأداء فريضة الحج في مكة المكرمة.

ورغم أن الحج فرض على كل مسلم قادر على أدائه بعد بلوغه سن التكليف فإن عقبات حالت دون إقامته أو إتمامه في بعض السنوات عبر التاريخ بسبب فقدان الأمن أو الخوف من الأوبئة والأمراض.

ووفقا للمصادر التاريخية الإسلامية المعتبرة، فإن أول وباء حل بالمسلمين هو وباء "عمواس"، وهو الطاعون الذي عم بلاد الشام في السنة الـ18 للهجرة، وفتك بحيش المسلمين وتسبب بوفاة صحابة وتابعين، وكان سببا بتوقف الفتوحات الإسلامية إلى حد ما.

وبحسب ما ذكر ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية"، فإن وباء حل في مكة سنة 357 للهجرة اسمه "الماشري"، وتسبب في موت كثير من الناس، وفي موت جمال الحجيج جراء العطش، كما أن معظم من تمكنوا من الوصول إلى مكة ماتوا بعد أداء فريضة الحج بسبب الوباء.

كما أشار ابن حجر العسقلاني إلى أنه في عام 827 للهجرة تعطلت المساجد في مكة بسبب الأوبئة.

وتشير كتب المؤرخين إلى أن قوافل الحجاج في ذلك العام شهدت انخفاضا كبيرا، خاصة من الدول التي تفشى فيها الوباء.

كما يذكر الإمام الذهبي في كتاب "تاريخ الإسلام" عن أحداث سنة 448 للهجرة فيقول "وفيها كان القحط العظيم بالأندلس والوباء، ومات الخلق بإشبيلية بحيث إن المساجد بقيت مغلقة ما لها من يصلي فيها".

وفي سنة 449 للهجرة ورد في كتاب "تجار ما وراء النهر" أنه وقع في هذه الديار وباء عظيم مسرف زائد على الحد، حتى أنه خرجت من هذا الإقليم في يوم واحد 18 ألف جنازة، وقدر عدد الموتى بنحو 2.650 مليون شخص.

وهكذا يتضح أن إصابة المناطق البعيدة عن مكة بالأوبئة قد أثرت كثيرا في انطلاق قوافل الحجيج إليها بسبب تعطل الأعمال وامتناع الناس عن الاجتماع في الأسواق وأماكن العبادة.

كما أطلق المؤرخون على القرن الـ19 اسم "قرن الوباء" لكثرة ما انتشرت فيه الأوبئة وفتكت بالناس في مختلف أرجاء المعمورة، وقد كان للحجاز نصيبها من هذه الأوبئة، ولا سيما وباء الكوليرا الذي جاءها مرارا وتكرارا عبر الحجاج القادمين من الهند.

وتذكر المصادر التاريخية أنه في سنة 1246 للهجرة تفشى الوباء الآتي من الهند مجددا ليحصد أرواح العديد من الحجاج، ويتسبب بمقتل ما لا يقل عن ثلاثة أرباع الحجاج المتوافدين آنذاك، وقد سمي "الوباء الهندي".

كما شهد عام 1892 ميلادي تراكما شديدا لجثث الموتى ترافق مع تجدد تفشي وباء الكوليرا في موسم الحج، ولم يتسن الوقت لدفنهم وتزايدت الوفيات في عرفات وبلغت ذروتها في منى.

وفي أواخر القرن الـ19 هددت الكوليرا طرق الحج الإسلامي، خاصة بعد افتتاح قناة السويس، وسهولة انتشار الأمراض عبر البواخر والسكك الحديدية، وأجبر الحجاج على البقاء في الحجر الصحي 15 يوما في السويس أو البحر الأحمر، قبل التوجه إلى الحجاز.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن أول تطبيق لنظام الحجر الصحي في الدولة العثمانية كان أثناء تفشي وباء الكوليرا في عام 1831 ميلادي.

وفي عام 1895 تأسست أول مديرية للصحة في مدينة مكة المكرمة، وأقامت المملكة العربية السعودية محجرا صحيا مخصصا للحجاج خارج مدينة جدة في خمسينيات القرن الماضي، وتحول موقعه لاحقا إلى مستشفى الملك عبد العزيز.

وفي عام 2009 مع انتشار وباء "إتش1 إن1" (H1N1) تقرر الاقتصار على منع المسنين والأطفال والمرضى من أداء مناسك الحج ذاك العام بسببب المخاوف من انتشار الوباء.

ومع تصاعد انتشار إحدى سلالات فيروس كورونا عام 2013 تزايدت المخاوف من خطره على حجاج بيت الله الحرام، فحثت السعودية المسنين والمصابين بأمراض مزمنة من المسلمين على الامتناع عن أداء فريضة الحج، للحد من انتشار فيروس كورونا المسبب لمرض متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (ميرز) الذي أسفر عن مقتل العشرات في المملكة.

ومع انتشار فيروس كوفيد-19 مطلع 2020 وحصده آلاف الأرواح حول العالم باشر عشرات العمال في الحرم المكي الشريف بتطهير أرضيات المسجد الحرام وتعقيمها بلا توقف، ومع تزايد عدد المصابين عالميا اتخذت السعودية قرارا بتعليق دخول المعتمرين إليها، ومع تسجيل أولى الإصابات داخل المملكة جرى تعليق العمرة للمقيمين والوافدين، ولاحقا قررت السعودية اقتصار أداء شريحة الحج على عدد محدد من مواطنيها والقائمين على أرضها.



المزيد من أخرى
الأكثر قراءة