في يوم 8 أغسطس/آب 2018؛ شن الطيران السعودي غارة في صعدة بشمالي اليمن، فسقطت إحدى قنابلها على حافلة كانت تقل 60 تلميذا ذاهبين في رحلة مدرسة، مما أدى إلى تدمير الحافلة والمباني المجاورة فقُتل 51 شخصا وجُرح 79.

ورغم أن التحالف العسكري الذي تقوده السعودية اعترف بمسؤوليته عن الحادثة قائلا إنها وقعت "خطأ"؛ فإن ما حصل لفت الأنظار إلى التحقيق في الأسلحة المستخدمة في مثل هذه الحالات، ومسؤولية الحكومات الغربية التي تبيعها للسعودية عما يقع جراء استخدامها من انتهاكات للقانون الدولي.

الفيلم الوثائقي الاستقصائي "تجار جرائم الحرب" –الذي بثته الجزيرة مساء الأحد- سلط الضوء على هذه القضية، متسائلا عن مدى تورط دول مثل أميركا وبريطانيا وفرنسا في هذه الحرب عبر صفقات الأسلحة التي تمنح تراخيص بيعها لشركات السلاح فيها (بلغت قيمة حصة بريطانيا منها خمسة مليارات يورو منذ بداية الحرب 2015)، وتوفر الوقود لشن التحالف باليمن غارات بلغ عددها 19 ألف غارة خلال أربع سنوات، ثلثها وُجّه لأهداف غير عسكرية مما أدى لمقتل 50 ألف مدني.

مسؤولية مشتركة
فقد كشف الفيلم أنه رغم أن هذه الصفقات تفرض على السعودية التقيد بالقوانين الأوروبية فإن الواقع يقول إن حقيقة هذا التقيد "شديدة الغموض"، وهذا ما يجعل بريطانيا وفرنسا "مشاركتين في جرائم الحرب باليمن" التي أغلب من يعاني منها هم المدنيون؛ بينما يلوذ المسؤولون الأوروبيون –عند مساءلتهم عن ذلك- بالصمت المطبق أو بكلام عام عن ضرورة الالتزام بالقوانين الأوروبية والدولية.

ففي عام 2018؛ توصل فرق شكلته الأمم المتحدة للتحقيق في انتهاكات الحرب باليمن إلى أن غارات التحالف والحصار الذي يفرضه على الموانئ اليمنية -بحجة منع الحوثيين من توريد السلاح- يمكن أن تكون جرائم حرب، مشيرا إلى المسؤولية المشتركة عن ذلك بين التحالف والدول التي تبيعه الأسلحة، وفقا لـ"معاهدة تجارة الأسلحة" الأممية الصادرة عام 2014. كما أحصت منظمة "هيومن رايتس ووتش" 88 هجوما نفذه التحالف بشكل غير قانوني وفقا للقانون الدولي.

وفي ظل توثيق هذه الجرائم والسعي لتحديد هوية الموردين للأسلحة لتحميلهم جزءا من المسؤولية عنها؛ راح البرلمان الأوروبي يدعو لمنع بيع الأسلحة إلى السعودية. وقد بدأت بعض الدول الاستجابة لذلك خاصة بعد جريمة اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي، ومنها ألمانيا التي قررت وقف بيع الأسلحة للسعودية مما جعل شركة السلاح الألمانية "راينميتال" تحاول الالتفاف على قرار الحظر الحكومي، بتصنيع شركات تابعة لها في إيطاليا للأسلحة وتحميلها سرا من هناك إلى السعودية.

وتوصل الفيلم إلى أن بريطانيا –التي تفرض اعتماد الحكومة لتصاريح بيع الأسلحة بدراسة كل حالة بمفردها- خففت أحيانا الرقابة لتعجيل إبرام صفقات أسلحة مع السعودية بعضها يخالف المعايير، وتتستر الحكومة على حجم قيمتها؛ حسب خبراء من منظمة "الحملة على تجارة الأسلحة" حققوا في هذه الصفقات التي تظل تفاصيلها سرية جدا حتى عن البرلمانات الأوروبية.

صفقة دوناس
أما فرنسا فتأتي في المرتبة الثانية بين الدول التي تبيع الأسلحة للسعودية؛ حيث قفزت قيمة صفقاتهما في هذا المجال (خلال 2012-2017) من 400 مليون يورو إلى 1.3 مليار؛ وأحصت جهات تراقب صفقات الأسلحة 11 سلاحا فرنسيا باليمن ويمكن استخدامها ضد المدنيين.

وقد أثار ذلك جدلا في البرلمان الفرنسي لكون السعودية ترتكب انتهاكات لحقوق الإنسان في داخلها وفي اليمن، لكن الحكومة ردت بأن هناك "معايير دقيقة" لإبرام هذه الصفقات، ومنها أنه لا يجوز للسعوديين استخدام الأسلحة الفرنسية إلا دفاعا عن النفس، دون أن توضح هل تتم هذه الصفقات حسبما يقتضيه القانون الدولي.

وتوصلت تحقيقات الفيلم إلى أنه في عام 2014 أبرمت السعودية مع فرنسا صفقة تسليح سميت "دوناس" (تعني الكلمة: "منحة سعودية") بأكثر من ملياري يورو، ونص العقد على تسليم الأسلحة إلى الجيش اللبناني لكنها حولت في 2015 إلى الجيش السعودي ليستخدمها في اليمن، بعد أن تم تحوير الأسلحة لتناسب تضاريسه. وهو ما يعني –حسب خبراء تقصوا الأمر- أن فرنسا كانت تعلم بشن حرب اليمن قلب بدئها وبالتالي فإنها شاركت في ترتيبها وفي استمرارها.