ما الذي غيرته منصة تويتر في المجتمع السعودي؟ وكيف تعاملت الحكومة السعودية مع التيار المغرد خارج سربها على تويتر؟ وما هي الإجراءات التي اتخذتها للتحكم في هذه المنصة المؤثرة؟ ولماذا استخدمتها سلاحا في خلافاتها السياسية مع الدول الأخرى ونشر دعايتها السياسية؟

هذه الأسئلة وغيرها تطرق إلى الإجابة عنها الفيلم الوثائقي الذي بثته الجزيرة مساء الأحد بعنوان "التغريدة السعودية"، فأجرى مقابلات مع العديد من نشطاء المعارضة السعودية في الخارج الذين رووا قصصهم مع استهداف الحكومة السعودية لهم لمجرد تعبيرهم عن آرائهم المخالفة لتوجهاتها؛ وكذلك مع خبراء في الأمن الإلكتروني ومسؤولين في منظمات حقوقية دولية على صلة بالملف الحقوقي السعودي.

الذباب الإلكتروني
بدأت قصة تحكم النظام السعودي في المنصات الرقمية -ولاسيما تويتر الذي يكثر استخدامه في الخليج وخاصة السعودية- مع تصاعد الثورات العربية بدءا من مطلع عام 2011، وتزايد النقاش في السعودية بشأن حقوق المواطنين في إصلاح أوضاعهم المعيشية وفتح أبواب حرية التعبير.

ففي أواخر 2012 بدأت حسابات على تويتر تابعة للحكومة السعودية تهاجم النشطاء السعوديين المؤثرين على تويتر، وتطور أمر هذه الحسابات إلى ما صار لاحقا يسمى "الذباب الإلكتروني" بقيادة سعود القحطاني الذي أصبح فيما بعد مستشارا لولي العهد محمد بن سلمان، وأسند إليه أيضا الإشراف على شراء برامج القرصنة الإلكترونية والتعامل مع شركاتها عبر العالم.

وفي 2016 سعت السعودية للتأثير في تويتر عبر شراء حصة في شركته باسم الأمير الملياردير الوليد بن طلال، ثم أقامت مؤسسات رسمية للتحكم في المنصات الرقمية مثل "الهيئة الوطنية للأمن السيبراني" و"مركز اعتدال" اللذين أنشئا عام 2017 وكلاهما تابع للديوان الملكي، إضافة إلى شركات دولية وفردية ومتعاونين عرب وغير عرب متفرغين، يكتبون غالبا بأسماء وهمية ويمولهم القحطاني.

ممارسات التحكم
وإلى جانب هذه الأنشطة استخدم النظام السعودي الروبوتات الآلية والحسابات الإلكترونية الوهمية للتحكم في محتوى المنصات التواصلية وخاصة تويتر، ومن ممارساته في ذلك إغراق الوسوم (الهاشتاغات) التي يطلقها النشطاء السعوديون المعارضون لمناقشة القضايا الوطنية، وهدف هذا الإغراق هو صرف الانتباه عن القضية المثارة عبر الهاشتاغ الناجح وتمييعها.

ومن تلك الممارسات نشر آلاف التغريدات التي تقوم بمحاكمة المغردين المعارضين عبر إطلاق صفات التخوين عليهم وتخويفهم وتشويه سمعتهم، وإعداد "قوائم سوداء" للمستهدفين تنشر فيها أسماؤهم عبر تويتر، مما يدفع بعضهم لغلق حساباته وحذفها مثل الناشطة السعودية منال الشريف، أو التوقف عن التغريد مؤقتا كما فعل الأكاديمي أحمد بن راشد بن سعيِّد.

وبذلك حولت الحكومة السعودية تويتر إلى منصة يجرَّم فيها النشطاء المعارضون عبر دعاوى قضائية تضعهم مع المجرمين في سلة واحدة، لمجرد تغريدهم بما يعارض توجهات الحكومة أو لأنهم رفضوا التغريد بما يريده النظام منهم؛ فاعتقـِل في سبتمبر/أيلول 2017 عشرات الأشخاص من مختلف التوجهات، كان في طليعتهم الشيخ سلمان العودة الذي طالبت النيابة العامة السعودية عام 2018 بإعدامه اعتمادا على محتويات لبعض تغريداته على تويتر حيث يبلغ متابعوه 18 مليون شخص.

جهود الاختراق
ونظرا لتزايد تناقل وسائل الإعلام وحسابات التواصل الاجتماعي لاعتقال شخصيات سعودية لمجرد تعبيرها عن آرائها في قضايا مختلفة؛ فقد صار بعض الناشطين يتخفون وراء أسماء مستعارة على تويتر مثل "مجتهد" و"كشكول" و"الحرية"، حيث تعطي المعرفات الوهمية لمدير الحساب حرية للتعبير عن وجهة نظره وللتواصل مع الأشخاص في الداخل السعودي الذين يخافون الملاحقة من النظام، دون أن يؤثر ذلك على صاحب الحساب شخصيا أو عائلته أو مصالحه المالية.

وقد دفع تنامي تأثير بعض الحسابات المستعارة السلطات السعودية لجعلها هدفا للاختراق الإلكتروني، فاستهدفت هذه الاختراقات نشطاء في الداخل والخارج مثل الناشط عمر عبد العزيز المقيم في كندا، والذي تعرض هاتفه لاختراق نظمته السلطات السعودية بالتعاون مع شركة "أن أس أو" (NSO) الإسرائيلية التي تمتلك برنامجا للتجسس الإلكتروني يسمى "بيغاسوس". كما حصلت حالة مماثلة مع الناشط يحيى عسيري.

وأشار البرنامج إلى أن استخدام النظام السعودي السلبي لمنصة تويتر لم يقتصر على الداخل السعودي والنشطاء السعوديين في الخارج، بل تجاوز ذلك لاستهداف دول يخوض معها أزمات سياسية مثل قطر وتركيا وكندا، حيث استغل هذه المنصة لنشر ملايين التغريدات السلبية عن هذه الدول.