انتهى موسم الحج وبدأ حجاج بيت الله الحرام في العودة إلى ديارهم، وفي حج هذا العام ترددت مسألة تسييس الحج كما لم تتردد من قبل، كل طرف يفهمها كما يريد ويفسرها على طريقته، وكل واحد يتهم بها الآخر، خاصة وأن الأزمة الخليجية القائمة منذ ثلاثة أشهر وفرت البيئة المناسبة لحوار ساخن في هذا الشأن، وصل أحيانا إلى مستويات غير مسبوقة في تدنيها.

في حج هذا العام وبعد شد وجذب واتهامات وإنكار، لم يتمكن الحجاج القطريون في النهاية من الذهاب إلى الأراضي المقدسة، إلا في نطاق ضيق جدا ومثير للجدل.

عدم تمكن حجاج قطر من الحج لم يكن سوى الحلقة الأخيرة من مسلسل حالات مشابهة كان المشترك الوحيد فيها وجود علاقة سيئة بين السعودية والجهة المحرومة من الحج.

هذا الأمر حمل إلى الواجهة تساؤلات بشأن الكيفية التي تجري بها إدارة شؤون الحج، وعلاقة ذلك بالمزاج السياسي في المملكة العربية السعودية تجاه بلد ما، حبا أو كراهية.

الجزيرة ناقشت هذا الموضوع في حلقة خاصة بعنوان "تسييس الحج" وتساءلت عن المطلوب من السلطات السعودية لتحييد إدارة هذه الشعيرة عن تقلبات السياسة.

حقوق واتفاقيات
حول هذا الموضوع، يقول الدكتور ماجد الأنصاري أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة قطر إن هناك اتفاقيات أممية تحمي حقوق ممارسة الشعائر الدينية عبر الحدود، وباختلاف المواقف السياسية.

وأضاف أن السعودية شرفها الله بخدمة الحرمين الشريفين، وكانت دائما الحاضنة لهذه الشعائر ومصدر فخر للمنطقة بشكل عام ودول الخليج بشكل خاص.

وتابع الأنصاري أن هناك حقوقا لكل من يريد أن يمارس هذه الشعائر، والتسييس هنا يعني أن يحرم البعض منها بسبب خلافات ومواقف سياسية معينة.

وأوضح أن هناك اتفاقيات توقع بين الدول والمملكة العربية السعودية، وبناء عليها يكون الاتفاق على عدد الحجاج والآليات المتبعة في أداء المناسك، ولكن هذه الاتفاقية جرى إغفالها تماما مع دولة قطر، ولم يُسمح لها بأن يكون لها بعثة حج رسمية، أو من يرعى شؤونها، وبالتالي كان هناك حرمان واضح لدولة قطر من حقها في رعاية حجاجها.

استغلال وليس خدمة
من جانبه، اعتبر الناشط الحقوقي السعودي يحيى عسيري أن وجود الحرمين الشريفين في الأراضي السعودية هو فضل من الله ومنة عليها كان يجب الاستفادة منها لخدمة المقدسات وضيوف الرحمن.

واستطرد "إن ما يحدث الآن هو محاولة لترسيخ وتقوية دعائم السلطة التي تستبد بالإدارة والقرار وحتى بالتفسير الديني للدين الإسلامي الحنيف، وتستبد بكل ما يجري على هذه الأرض حتى المقدسات، التي أصبحت مثل الرهن الموجود تحت السلطة السعودية".

ويرى عسيري أن هذا التوظيف الكامل للحج واستغلاله سياسيا واقتصاديا هو استغلال واستخدام لبيت الله الحرام وليس خدمة له ولضيوف الرحمن.

التسييس والتدويل
بدوره، لفت الدكتور محمد هنيد أستاذ العلاقات الدولية في جامعة السوربون إلى أن هناك نقطة منهجية أساسية وهي التفريق بين التدويل والتسييس، لا سيما أن هناك محاولة من الإعلام السعودي للخلط بينهما.

وأوضح أن تدويل الحج هو مطلب إيراني في الأساس، ويختلف تماما عن مسألة التسييس، فالتدويل هو أن توضع الأماكن المقدسة تحت إشراف دولي، وهناك من يطالب بتدويل شعيرة الحج في زمان ومكان معين، وآخر من يطالب بتدويل المكان نفسه، وهذا من حق السعودية الاعتراض عليه، وهو مطلب ارتبط بالثورة الخمينية ومحاولتها ربط مكة المكرمة بقم والنجف وكربلاء.

أما التسييس -يتابع هنيد- فهي مسألة أخرى، والخطاب السعودي الرسمي يرفض التسييس، وهو أن تستخدم المشاعر المقدسة لرفع شعارات سياسية أو مذهبية أو طائفية، وهي محقة في رفضه.

لكن هنيد أشار إلى أن المملكة التي ترفض أن يرفع الحاج إليها شعارات سياسية وغيرها، مطلوب منها هي الأخرى الالتزام بعدم تسييس الحج، وألا يخضع الحج لتصفيات حسابات سياسية.