أصبح المشاهد العربي في السنوات الأخيرة محاطا بالإنتاج المرئي من كل جهة، ومع أن التلفزيون لا يزال هو اللاعب الرئيسي فإن الإنتاج الرقمي أصبح منافسا قويا قد يزيح الإنتاج التلفزيوني كما نعرفه من مركزه، وقد يغير قواعد لعبة الإنتاج إلى الأبد.

وثائقي الجزيرة "عصر اليوتيوب" الذي بث بتاريخ (2017/5/20) يقدم توثيقا مختصرا لظاهرة المحتوى الرقمي خاصة اليوتيوب الذي سيطر بشكل كبير على سوق الإعلام الترفيهي العربي مؤخرا، ويحلل الفيلم مدى منافسة هذا المحتوى الإنتاج التلفزيوني التقليدي.

ويوضح الوثائقي الذي أعده وعلق عليه علي الوذين وأخرجه محمد الملا، أنه منذ عام 2010  ظهرت موجة كبيرة من البرامج على اليوتيوب وخصوصا في المجال الترفيهي، وتميزت بالبساطة والواقعية والقرب من الناس، بينما الإنتاج الترفيهي على التلفزيون يشهد الكثير من الاتهامات بالترهل وضعف المضمون.

ويقول فؤاد الفرحان -وهو رائد أعمال ومهتم بالتحولات الرقمية- إن وضع الإنتاج التلفزيوني ما قبل اليوتيوب في العالم العربي لم يختلف عن بعضه كثيرا، فالإعلام والترفيه والبرامج هي جزء من ملعب الحكومات والمؤسسات الإعلامية التابعة لها وحتى المستقلة، ولم يكن هناك مشهد ديمقراطي مثلما هو حادث الآن.

عبد المجيد الكناني -المدير التنفيذي لقناة سين وصانع محتوى في المجمل- يقول: في الماضي كانت هناك حالة رفض من المتلقين لكثير من الإنتاج التلفزيوني ولم يكن هناك بديل.

أما وليد الفراج مؤسس قناة "صاحي" فيؤكد أن الجيل الجديد في العالم العربي يريد أن يعرف كل شيء ويقرر بنفسه الصحيح من الخطأ، مشيرا إلى أن ثقافة الراعي والرعية وأن الناس عوام ويجب أن تقدم لهم المعلومة بحذر قد سقطت، كما أن مستويات المتلقي التعليمية والثقافية الآن قد تكون أكبر من بعض مسؤولي القنوات والمؤسسات الإعلامية.

شعبية اليوتيوب
ومع ارتفاع شعبية برامج اليوتيوب اتضح أن العالم العربي يحوي الكثير من المواهب التي وجدت فيه ضالتها، ولكن أسباب اللجوء إلى الفيديو الرقمي قد تختلف من شخص لآخر.

وفي هذا الصدد يقول الداعية  الإسلامي مقدم برنامج "وسم" الدكتور سلمان العودة إن بعض برامج التلفزيون أصبحت أمامها عقبات فكان اليوتيوب خيارا متاحا، كما أن المشاهدين صاروا يتوجهون نحو اليوتيوب باعتبار أن خياراته واسعة جدا.

ويعتقد شعيب راشد مقدم برنامج "سوار شعيب" أن من سوء حظ التلفزيون أن الناس اليوم في زمن وسائل التواصل الاجتماعي سقفهم وتعبيرهم عال. ويقول إبراهيم البكيري مقدم برنامج "ضربة حرة" أن شركات الإنتاج كانت تسيطر في السابق على القنوات التلفزيونية خلافا لليوتيوب المتاح للجميع اليوم.

ويشير الوثائقي إلى أن 66% من مستخدمي الإعلام الاجتماعي في العالم العربي يدخلون اليوتيوب مرة في اليوم على الأقل، مما يدل على نمو ملحوظ في صناعة الفيديو الرقمي. 

وتعتبر نسبة مشاهدة الفيديو على الهواتف الذكية في العالم العربي من الأعلى عالميا، حيث تصل إلى 90% سنويا.

العالم الرقمي
وتقول ديمة الخطيب المديرة التنفيذية لقناة "أي جاي+" (+AJ) "أنت تختار ماذا تشاهد، ومتى تشاهد وأين تشاهد وكيف تشاهد.. أنت تختار كل شيء فالخيار لك ولا أحد يقرر عنك".

وتضيف "في التلفزيون إن لم يشاهدك أحد فأنت لا تعرف حتى وقت طويل إلى أن تأتي الشركات وتخبرك عن الأرقام، أما العالم الرقمي فهو آني".

وتؤكد أن العالم الرقمي فرض نفسه، معتبرة أن أي مؤسسة إعلامية لم تتجه بعد إلى الإنتاج الرقمي  فهي تحتضر، وهذا فرض على المؤسسات الإعلامية الدخول إلى الإعلام الرقمي كي تعيش وتواكب.

وتضيف ديمة الخطيب "لدينا في أي جاي+ نافذة مباشرة ومفتوحة على العقل الغربي الشاب من خلال الهاتف، فعن طريق منتوجنا نصل إلى الشباب الأميركي وننقل لهم قضايا فلسطين وحتى قضايا أميركا الداخلية من وجهة نظرنا نحن كجزيرة وكعرب نخدم السوق الأميركية".

ويوضح الوثائقي أن المشاهدات في منصات اليوتيوب الخاصة بالشبكات التلفزيونية التقليدية تضاعفت خلال أقل من خمس سنوات، وفي الفترة نفسها ارتفعت حصة الإعلام الجديد في السوق الإعلانية من 2% إلى 10%، ومن الواضح أن هذه النسب بدأت تغري اللاعبين التقليديين بالنزول إلى ملعب الإنتاج الرقمي مما قد يشكل تهديدا للاعبين الحاليين.

ويختم الوثائقي بالقول "كلما ظهر جديد يخيل للناس أن القديم سينتهي، فعندما ظهر التلفزيون قيل إن الراديو سينتهي، والآن مع انتشار الإنتاج الرقمي يقال الشيء ذاته ولكن الحكاية لا تزال في البداية".