شهد العلم على مدى المئة عام الماضية تقدما هائلا، ابتداء من نظرية النسبية، مرورا بميكانيكا الكم، وصولا إلى الأجهزة الإلكترونية والكمبيوتر، وانتهاء بالوصول إلى أعماق الفضاء.

لكن لم يكن لأي من تلك الإنجازات أن ترى النور بلا معادلات رياضية تحكم العلم وبلا تطور علم الجبر الذي تعود جذور مسماه إلى عنوان مخطوطة كتبت عام 820 ميلادية خلال ما نطلق عليه العصر الذهبي للعلوم الذي امتدت حقبته بين القرنين التاسع والرابع عشر.

البروفيسور البريطاني المتخصص في الفيزياء النظرية جمال خليلي تناول في وثائقي الجزيرة "العصر الذهبي للعلوم-الرياضيات" الذي بث في (2016/12/10)، تطبيق قواعد علم الرياضيات ومبادئها في عصرنا الحاضر وتتبع جذورها البعيدة الممتدة إلى العصر الذهبي للعلوم.

ويعد الطيران من أهم الانجازات الرائعة للبشرية في العصر الحديث، فلضمان أمن وسلامة الطائرات كان لا بد من إتقان رياضيات الطيران.

وتعود الأساليب الحديثة في حل المسائل الرياضية كالمسائل المتعلقة بالطيران، مثل المعادلات التربيعية في تاريخها إلى العصر الذهبي للعلوم، خاصة "الكتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة" باللغة العربية، وهو الكتاب الجامع لعلم الجبر في الحساب وفي الرياضيات الذي وضعه عالم الرياضيات المسلم الخوارزمي في القرن التاسع.

لم يكن الخوارزمي أول من حل المعادلات التربيعية، فحلها يعود إلى العصور القديمة، لكنه بكل تأكيد كان أول رياضي يقدم المنهجية العامة لحل تلك المعادلات، وهو ما نطلق عليه اليوم مصطلح "لوغاريثمات"، وهو مشتق من اسم الخوارزمي باللغة اللاتينية.

الخوارزمي
ويعد الخوارزمي بحق واضع علم الجبر، والدليل على ذلك أن تسمية هذا الفرع من العلوم باللغة الإنجليزية "الجبرا" مشتقة من عنوان كتابه باللغة العربية "الجبر"، وأروع ما يتعلق بمؤلف علم الرياضيات هذا هو أنه لا يحتوي على أي معادلات، وذلك لأن الخوارزمي خط كتابه بأكمله بالكلمات فقط.

ويتضمن كتاب الخوارزمي العديد من المسائل الحسابية العملية في زمانه، كالمتعلقة بتقسيم الأراضي  ودفع أجور العمال أو توزيع الميراث.

نظام الأرقام العشرية الذي نستخدمه اليوم هو النظام العددي الهندي العربي، ويطلق عليه مصطلح "الهندي"، لأنه في الأصل من الهند، والعربي لأنه جاء عبر الحضارة الإسلامية حيث قدمها علماؤها في بغداد ومنهم الخوارزمي أولا إلى العالم الإسلامي ثم إلى العالم بأسره.

ويختم خليلي بالقول إن التطورات والإنجازات الهائلة في علوم الرياضيات لم تكن الإرث الوحيد الذي خلفه العصر العباسي الأول، فقد أسهمت حركة الترجمة في فتح آفاق واسعة أمام العلماء كي ينهلوا من شتى فروع المعارف والعلوم، فأبلوا بلاء حسنا في تطويرها في مجالات شتى كالعلوم والفلك وأخذوا ما طوروه في الرياضيات وطبقوه في فروع علمية أخرى كالبصريات والكيمياء والهندسة، ولذلك لم يكن العلم آنذاك محض اهتمام فلسفي.